الآثار اليمنية إهمال رسمي، ووعي شعبيّ متدنٍّ

حدث نقل الموميات المصرية يثير حسرة اليمنيين على آثارهم
أحمد الكمالي
April 26, 2021

الآثار اليمنية إهمال رسمي، ووعي شعبيّ متدنٍّ

حدث نقل الموميات المصرية يثير حسرة اليمنيين على آثارهم
أحمد الكمالي
April 26, 2021

يصادف الـ14 من أبريل/ نيسان من كل عام رأس السنة في التقويم الحميري القديم (الواحد من شهر ذو الثابة)، وعلى الرغم مما يحمله هذا التاريخ من علامة فارقة في الذاكرة الثقافية لليمنيين، إلا أنه تعرض للنسيان جراء عدم التعامل به منذ عدة قرون سابقة.

اليوم وبعد ستة أعوام من الحرب، بدأ "الواحد من ذو الثابة" يحظى باهتمام شعبي لاعتباره عيدًا للآثار اليمنية التي تتعرض للإهمال والعبث، كدليل يقظة اليمنيين وحنينهم لإرثهم الحضاري العريق ومبادرتهم في تحمل مسؤولية التعريف به والحفاظ عليه.

إذ شهدت مواقع التواصل الاجتماعي اليمنية في الفترة الأخيرة حراكًا ملحوظًا حول الاهتمام بالآثار وقضاياه، وأعاد رواد هذه المواقع نشر صور تعرف بالمواقع والقطع والنقوش الأثرية، بالإضافة إلى أخرى تسلط الضوء على حجم الإهمال الذي تعرضت له بعض تلك المعالم، سواء بنهبها من قبل المهربين أو بتشويهها من قبل العابثين. حراك يعكس إدراك الشارع اليمني أنه المعني الأول بحماية آثاره عبر استلهام قيمتها التاريخية، ونشر ثقافة ووعي أثري يمكن أن يعوض، ولو بالحد الأدنى، غياب دور السلطات المعنية.

في سياق متصل، يرى صلاح محمد إسماعيل، مهتم بقضايا الآثار وصاحب دعوة اعتماد الـ14 من أبريل عيدًا للآثار اليمنية، أن الصراع الداخلي يجعل من المواقع التاريخية ضحية؛ إما عبر الاستهداف المباشر وتعرضها للنهب مع غياب الحماية والرقابة الحكومية، وإما نتيجة الإهمال، ويؤكد إسماعيل لـ"خيوط" أن "الوضع الحالي يجعل الاهتمام الاجتماعي بالآثار، ذا أثرٍ مهمّ للغاية، حيث إنه ليس من ضمن أولويات واهتمامات النخب السياسية؛ لذا تقع على عاتق المجتمع المدني المبادرة في تسليط الضوء على القضايا والتحديات التي تواجه الآثار اليمنية، والتوعية بأهميتها وحمايتها، والعمل على إظهار عظمتها وفرادتها".

تسببت الحرب بتدمير أربع قطع آثار تاريخية قديمة، وأربع مدن تاريخية مدرجة على لائحة التراث العالمي، وثمانية معالم أثرية في مختلف المحافظات، ومتحفين كبيرين، وعشرة آثار دينية، وفق ما وثّقه تقرير منظمة مواطنة لحقوق الإنسان السنوي لسنة 2018، في تقريره المعنون بـ"تجريف التاريخ"

يشير إسماعيل إلى أهمية اعتماد يوم الـ14 من أبريل/ نيسان يومًا سنويًّا للآثار اليمنية، والذي يتزامن مع بَدء هطول الأمطار وموسم الزراعة، ما زال فكرة ويحتاج إلى تبنٍّ من قبل الجهات المختصة، لافتًا إلى أنه "تم طرح الفكرة فقط على الرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي، على أمل أن يصبح الأمر مطلبًا شعبيًّا تستجيب له السلطات وتتفاعل معه إيجابًا".

حدث نقل الموميات

أثار حدث نقل الموميات المصرية حراكًا واهتمامًا كبيرًا في اليمن، فهناك من أثار هذا الحدث حسرته على ما تتعرض له آثار وتاريخ بلاده من إهمال وعبث وتجريف وسرقة، إضافة إلى تنامي تفاعل لدى شريحة واسعة، ترى أهمية انعكاس مثل هذا الحدث على خلق وعي شامل في اليمن للحفاظ على الآثار اليمنية والاهتمام بها. 

في هذا الخصوص، يرى الباحث والمؤرخ اليمني، علي ناصر صوال، أن تنامي الاهتمام الشعبي بقضايا الآثار يمكن التماسه من خلال التفاعل الكبير للشارع اليمني على منصات التواصل الاجتماعي مع حدث نقل الموميات الفرعونية إلى متحف الحضارة المصرية الذي شهدته العاصمة المصرية القاهرة في الثالث من شهر أبريل/ نيسان 2021، منوّهًا إلى أن ذلك الحدث "لامس الوجدان الحضاري لليمنيين، خصوصًا أن الاحتفال كان مُعدًّا إعدادًا دقيقًا على أعلى مستوى، جعل المشاهد يعيش لحظات من الزمان الغابر، خصوصًا اللمسات الفنية المقتبسة من قلب الحضارة المصرية بشكل دقيق. ويعقب في حديثه لـ"خيوط": "إن تفاعل اليمنيين مع حدث يظهر الحضارة المصرية العظيمة، يعكس ما يشعر به اليمنيون من توق لرؤية الحضارة اليمنية التي لا يعرف عنها -للأسف- غير الشيء القليل، باستثناء ما يعرفه الباحثون والمتخصصون في هذا المجال".

الحديث عن عمليات تهريب وتجريف الآثار اليمنية منذ عدة عقود حديث طويل، أيضًا تسببت الحرب بتدمير أربع قطع تاريخية قديمة، وأربع مدن تاريخية مدرجة على لائحة التراث العالمي، وثمانية معالم أثرية في مختلف المحافظات، ومتحفين كبيرين، وعشرة آثار دينية، وفق ما وثقه تقرير منظمة مواطنة لحقوق الإنسان السنوي لسنة 2018، في تقريره المعنون بـ"تجريف التاريخ؛ انتهاكات أطراف النزاع للممتلكات الثقافية في اليمن".

تشويه المواقع الأثرية

تعد الشخبطات، سواء كانت رسومًا أو كتابات تشويهية، أحد أنواع هذا العبث، الذي تتعرض له الكثير من المواقع والقطع الأثرية من قبل البعض (كما يظهر في بعض الصور المتداولة). في هذا الصدد يؤكد علي سعيد سيف، أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الآداب قسم الآثار والسياحة جامعة صنعاء، أن "الآثار اليمنية تتعرض، وخاصة في الآونة الأخيرة، لكثير من النهب والهدم والإهمال والتدمير، وذلك لظروف تكالبت على اليمن في شتى المناحي، أبرزها ما سببته الحرب التي ألقت بظلالها على قطاع الآثار تحديدًا، مما جعل هناك تسيبًا وإهمالًا من قبل الجهات المختصة"، مشيرًا إلى أن "ما يجري في بعض المواقع الأثرية من كتابات للذكريات أو أسماء أو غيرها، يفقدها قيمتها التاريخية، ويحدث نوعًا من التشويه من الناحية الجمالية بين ما نقش في تلك الفترة وما كتب اليوم، بين خطنا والخط المسند القديم، ويستطرد سيف: "ولذلك أدعو كافة المواطنين إلى عدم الكتابة على الآثار والقطع الأثرية".

وتطرق الدكتور علي سعيد في حديثه لـ"خيوط" إلى إشكالية أخرى تفقد الآثار اليمنية قيمتها، وهي "النبش في المواقع الأثرية وإخراج القطع بطريقة غير علمية، تفرغها من محتواها التاريخي والأثري؛ لكوننا نجهل من أي طبقة جاءت القطعة، ونجهل تاريخها، وإلى أي فترة تعود، هل من العهد السبئي أو الحميري أو المعيني... إلخ؟! لا نعرف أشياء كثيرة، وبالتالي يتم تعريض القطع لمخاطر المناخ والتعرية".

ويعد غياب الدور الرسمي، وكذلك دور المنظمات المهتمة بقضايا التراث، مهددًا حقيقيًّا، خاصة في ظل استمرار حالة العبث الممنهج وغير الممنهج بآثار الحضارة اليمنية، ما يجعل المواطن اليمني هو خط الدفاع الأخير أمام ظاهرة تجريف الآثار المتواصلة واستنزاف الذاكرة التاريخية لليمن.

وتأتي الدعوات المطالبة بإعلان يوم وطني للآثار اليمنية، انعكاسًا لهذا الوعي الشعبي المتعطش لبعث مكانة اليمن الحضاري، وإعادة الاعتبار للآثار اليمنية، وضرورة التحرك الجاد للمحافظة عليها وإيقاف استنزافها.


•••
أحمد الكمالي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English