بنك البنوك وسنوات التأسيس الأولى (2)

خارطة المديرين ومفاعيل الثقافة العصرية وحواملها
محمد عبدالوهاب الشيباني
June 10, 2021

بنك البنوك وسنوات التأسيس الأولى (2)

خارطة المديرين ومفاعيل الثقافة العصرية وحواملها
محمد عبدالوهاب الشيباني
June 10, 2021

(2)

 أشرنا في الجزء الأول من هذا الموضوع إلى أن البنك اليمني للإنشاء والتعمير نشأ على أنقاض فروع البنك الأهلي السعودي في اليمن، الذي كان البنك الوحيد العامل في المملكة المتوكلية اليمنية. ويقول في هذا السياق، أول رئيس لمجلس إدارة البنك الدكتور حسن محمد مكي في كتابه (أيام وذكريات - 2008):

"عقب تفجر الخلاف مع السعودية، وإعلان دعمها المعروف لمطالبة بيت حميد الدين باستعادة الحكم في اليمن، تقرر في الأيام الأولى من عمر النظام الجمهوري إنشاء لجنة رقابة على تصفية أعمال البنك الأهلي التجاري السعودي، وكان له ثلاثة فروع في صنعاء والحديدة وتعز، وكان فرع الحديدة أكبر الفروع ويشكّل ما يشبه المركز الرئيسي في اليمن من حيث موجوداته وأنشطته المالية. وكانت لجنة الرقابة على تصفية أعمال هذا البنك برئاستي وعضوية محمد سعيد العطار ومحسن السري، ويساعدنا خبير في العمل البنكي من البنك الأهلي المصري للإشراف على البنك السعودي وحراسته بعد أن سحب جميع الودائع التي لديه بالعملة الصعبة إلى مركزه الرئيسي في جدة، ولم يبقَ في الفروع الثلاثة سوى الموجودات المالية في الداخل بالعملة المحلية [ريالات ماري تريزا الفضية والبُقَش]، وبذلك كنا لجنة حراسة على البنك". [ص 131].

 أما قرار التصفية فقد اتخذته قيادة وزارة الخزانة (المالية)، التي كان يتولى حقيبتها في حكومة الثورة الدكتور عبدالغني علي أحمد، والذي يصح تسميته أبا الاقتصاد اليمني الحديث، الذي جمع بين الالتزام السياسي الناضج، والكفاءة الإدارية العالية.

وثائق التأسيس والمواد الأرشيفية للبنك اليمني، تتيح للباحث الوقوف على الحالة التبشيرية لليمن الجديد الخارج من ظلمة الدهر، من خلال نماذج مؤسسي ومسيّري البنك لحظة ولادته، فالأسماء التي أوردها حسن مكي في النص المقتبس من مذكراته بوصفها لجنة تصفية البنك الأهلي التجاري السعودي، وصارت لاحقًا هي الإدارة التنفيذية للبنك اليمني، تحيل- من منظور قرائي متعدد الأوجه- إلى عدد من التمظهرات الثقافية والجغرافية والاجتماعية في حضورها العام. ويمكن أن نقول في هذا السياق، إن حسن محمد مكي، ومحمد سعيد العطار، ومحسن حسين السري، أسماء رائدة عكست حالة التعدد في اليمن الكبير، وتعكس حال تركيبته في ذلك الوقت؛ فالأول ينتمي إلى تهامة اليمن العامة بشامها ويمَنها، وهو سليل أسرة معروفة في المخلاف السليماني في منطقة "صِبْيا". انشق والده عن الأدارسة وسلطة آل سعود، أثناء الحرب اليمنية السعودية، وبعد اتفاقية الطائف في العام 1934، فضَّل الانضمام إلى سلطة الإمام يحيى الذي عينه واليًا على ميدي، ثم الحديدة، قبل أن يسجن بعد حركة 1948. أما ولده حسن فقد كان ضمن طلاب بعثة الأربعين طالبًا التي ابتعثت في العام 1947، إلى لبنان قبل أن تستقر بعد ذلك بعام في مصر. بعد استكماله للدراسة الثانوية في مصر ابتُعث إلى إيطاليا في العام 1953، فدرس الاقتصاد والعلوم السياسية وتخرج من جامعة بولونيا، حاملًا شهادة الدكتوراه في العام 1960. وحينما عاد إلى اليمن من جديد عمل في العديد من الوظائف.

بعد قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، عاد محمد سعيد العطار إلى صنعاء ليكون ضمن المؤسسين الأوائل للبنك اليمني للإنشاء والتعمير، وكان أول مدير عام له 

 الاسم الثاني هو محمد سعيد العطار، المولود في العام 1927، في مدينة جيبوتي لمهاجر يمني من منطقة بني شيبة بمديرية الشمايتين بمحافظة تعز. تلقى تعليمه في مدارس المستعمرة الفرنسية حينها، وأكمل تعليمه العالي في باريس. وعمل باحثًا في كلية الاقتصاد في جامعة السوربون بين أعوام 1958 و1962، ونال منها شهادة الدكتوراه في الاقتصاد السياسي عام 1962، عن كتابه الرائد "التخلف الاقتصادي والاجتماعي في اليمن".

وبعد قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، عاد إلى صنعاء ليكون ضمن المؤسسين الأوائل للبنك اليمني للإنشاء والتعمير، وكان أول مدير عام له، وفي العام نفسه عين مستشارًا في مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية والتنموية.

وخلال الفترة من 1964 إلى 1965، شغل منصب وزير الدولة ورئيس للبنك اليمني للإنشاء والتعمير. وفي عام 1965، عين وزيرًا للاقتصاد والتجارة، وفي عام 1967، عين نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للاقتصاد، وكذا رئيسًا للبنك اليمني للإنشاء والتعمير، وكان أحد أبرز الوجوه الاقتصادية التي بقيت في صنعاء أثناء حصارها من القوات الملكية. وفي العام 1968، عين مندوبًا دائمًا لليمن في الأمم المتحدة، وفي عام 1974، انتخب أمينًا عامًا تنفيذيًّا للجنة الاقتصادية لغرب آسيا (اسكوا) ونائبًا للأمين العام للأمم المتحدة. وخلال هذه الفترة عمل مستشارًا غير متفرغ لرئيس الجمهورية العربية اليمنية سابقًا، ولرئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية - سابقًا. وفي عام 1985، عاد من جديد إلى صنعاء ليعين نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للتنمية ورئيسًا للجهاز المركزي للتخطيط.

الاسم الثالث هو محسن حسن السري، وهو من مواليد منطقة وادي السر في مديرية بني حشيش بمحافظة صنعاء في العام 1930، وكان ضمن بعثة الأربعين طالبًا. أكمل دراسته الثانوية بحلوان- مصر، قبل أن يبتعث للدراسة في إيرلندا فيحصل على بكالوريوس تجارة من ترينيتي كوليدج – دبلن. عاد إلى اليمن باكرًا وعمل في عديد من الجهات الحكومية، منها الخزانة والخارجية. وعاد للأخيرة وزيرًا في الحكومة الخامسة التي شكلها اللواء حمود الجائفي في مايو من العام 1965، واستمرت لثمانية أشهر فقط، ليعود بعدها إلى البنك كرئيس لمجلس الإدارة لخمسة أعوام متصلة بين عامي 1973و 1978.

ما يهمني في أسماء التأسيس الباكرة للبنك، هي جملة الحوامل المختلفة للوعي العصري الذي قدم صورة اليمن الجديد من خلال هذه المؤسسة؛ فالشخصيات هذه تنتمي إلى ثلاث مناطق جغرافية لليمن؛ الأولى لغربه، والثانية لوسطه، والثالثة لشماله. ولم يكن في الأمر مشغلًا تمثيليًّا للجغرافية، وإنما لمؤهلاتهم وكفاءتهم التي ارتبطت بدرجة رئيسية بالمؤهلات العلمية التي يحملونها، تحصلوا عليها من خارج البلد الذي تلفه العزلة، ويتنفسه التخلف.

أسباب مختلفة قادتهم للدراسة والتأهيل خارج حدود مملكة الإمام المعزولة عن العالم. الأول ذهب ضمن بعثة رائدة ستغير تاليًا وجه اليمن، أما الصفة التي حملها فيها فهي ابن موظف كبير في سلطة الإمام في منطقة الحديدة وتهامة، والثاني كابد ليتعلم بصفته ابن مهاجر يمني في المستعمرة الفرنسية جيبوتي، رأى في التعليم خلاصًا حقيقيًّا كما فعل غيره من المهاجرين الأوائل الذين اكتشفوا وجه اليمن المتخلف، حين قارنوا صوره البائسة بالصور العصرية لبلدان المهجر التي عاشوا فيها(*)، والثالث ابن فلاح من منطقة محيطة بصنعاء، ساعدته الظروف وقتها في الذهاب بمنحة لطلاب من شرائح مختلفة في المجتمع، تم ترشيحهم من المدارس الرئيسية في صنعاء وتعز والحديدة، كان يعدهم سيف الإسلام عبدالله ابن الإمام يحيى ليكونوا ذراعه المختلف في إطار التنافس داخل بيت الحكم قبل مقتل والده في فبراير 1948. تخرج الأول من جامعة إيطالية، والثاني من السوربون الفرنسية، والثالث من جامعة إيرلندية (يصح أن تكون جامعة بريطانية على اعتبار أن إيرلندا كانت ولم تزل جزءًا من مملكة التاج البريطاني). 

من الذين تولوا منصب الرئيس في البنك، الأستاذ علي لطف الثور، الذي وُلد في حارة طلحة بصنعاء القديمة في العام 1940، وأكمل تعليمه في القاهرة أواسط الستينيات بتخصص اقتصاد وعلوم سياسية

غير الشخصيات الثلاث المؤسسة، يمكن أيضًا النظر إلى خارطة الإدارة العليا للبنك في السنوات الستين المنصرمة، من موقع هذا التنوع الذي يحيل في كل مرة إلى اليمن الكبير. فمن الشخصيات الرائدة في هذا المنحى اسم رجل الأعمال المعروف علي محمد سعيد أنعم (رئيس مجموعة شركات هائل يعيد أنعم) الذي تولى رئاسة البنك في العام 1963، بعد أن كان قد تعين وزيرًا للصحة في أول حكومة للثورة، وهو ينتمي إلى منطقة "الأَعرُوق" بناحية "حَيفان" في محافظة تعز. الذي تلا علي محمد سعيد في موقع رئيس البنك، كان محمد عبدالوهاب جباري، المولود في حوطة ذمار في العام 1926، لأسرة ذات وجاهة اجتماعية في المنطقة، درس في مكتب أيتام صنعاء وفي مدرستها العلمية قبل أن يغادر إلى القاهرة منتصف الخمسينيات ويلتحق بجامعة عين شمس، التي تخرج فيها من كلية التجارة في العام 1960.

 أما طاهر أحمد رجب الذي تولى رئاسة البنك في العام 1966، فهو من مواليد مدينة الحديدة في العام 1932، وكان والده تاجرًا وملّاحًا معروفًا وقريبًا من حاشية الإمام يحيى في الحديدة؛ ارتأى أن يحصل ولده طاهر وأخوه على تعليم مميز، لهذا أخذهما في المرة الأولى إلى عدن ليدرسا في إحدى مدارسها الحديثة، لكنه سرعان ما أخذهما في إحدى رحلاته إلى القاهرة مع هدية للملك فاروق، وكانت عبارة عن تيسٍ غريب الأطوار، وبه استطاع الحصول على منحة مستديمة لولديه على حساب القصر في العام 1947. بعد القاهرة سافر طاهر إلى إيرلندا ليكمل تعليمه الجامعي قبل أن يعود مع تباشير ثورة 26 سبتمبر، ليشغل العديد من المواقع منها موقع الرئيس في البنك.

من الذين تولوا منصب الرئيس في البنك، الأستاذ علي لطف الثور، الذي وُلد في حارة طلحة بصنعاء القديمة في العام 1940، وأكمل تعليمه في القاهرة أواسط الستينيات بتخصص اقتصاد وعلوم سياسية، وخلال مسيرته السياسية والمهنية تولى العديد من المواقع، منها وزير للخزانة في الحكومة السادسة عشرة، التي شكلها عبدالله حسين الكرشمي في سبتمبر من العام 1969، بعد عام واحد من رئاسته لمجلس إدارة البنك في العام 1968. وفي العام 1970، تم تشكيل حكومة جديدة برئاسة محسن العيني، استُبعد فيها الثور من موقع وزير الخزانة، ليعود من جديد رئيسًا للبنك حتى العام 1973. 

(*) في تتبعي لحالات من أعلام الهجرة المنسيين، توقفت ذات مرة عند قصة بحار بسيط غادر إحدى قرى الأعبوس في نواحي حَيْفان قبيل قيام الحرب العالمية الثانية، وكان كل همّه، وهو منهمك في أعماله الشاقة، كيف باستطاعته أن يخلق من أولاده نموذجًا مختلفًا من خلال التعليم؛ وجاء في النص:

"كانت المهمة شاقة، وتحت تأثير درجة حرارة عالية في عمق السفينة. أدرك حينها أن هناك فرقًا بين من يعرف ويقود السفينة في بحار لا نهاية لها، وبين من يقضي ساعات طويلة في عمق السفينة، فقرر أن يعلم أبناءه؛ وفي خضمّ هذه التجربة الصعبة بدأت رغبته تتعاظم في التعلم ليساعد نفسه كما قال "للخروج من جهنم".

 ومنذ تأسيس نادي الاتحاد العبسي عام 1952، والذي كان البحَّار علي محمد سعيد أحد قادته، وكان من أهدافه الرئيسية: الاهتمام بالتعليم وبناء المدارس، وقد ساعد بعد تأسيسه في تجهيز وتسفير وتقديم الدعم لعدد من شباب منطقة "الأعبوس" الذين حصلوا على منح دراسية للخارج "ينظر موقع المهرية نت (الآثار المتبادلة للهجرة اليمنية في القرن العشرين وبعض أعلامها المنسيين"2") 24 يناير 2021.

"يتبع"


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English