الماضي المقلق من العمر! (1-2)

قراءة في مذكرات د. محمد علي مقبل
محمد عبدالوهاب الشيباني
October 21, 2021

الماضي المقلق من العمر! (1-2)

قراءة في مذكرات د. محمد علي مقبل
محمد عبدالوهاب الشيباني
October 21, 2021

اختار الدكتور محمد علي مقبل عنواناً مراوغاً لكتابه السِّيرَوي الذي صدر مؤخراً في صنعاء، ورصد فيه وبشكل سريع محطات من رحلته في الحياة التي مرَّ بها أو توقف عندها، منذ كان طفلاً في قرية "المَدْهَف"- شرق "بني شيبة" التي ولد فيها في العام 1946، حتى عضويته في مجلس النواب، ممثّلاً عن الدائرة (15) بأمانة العاصمة في العام 2003.

العنوان المصاغ بـ"الماضي المقلق من العمر"، تكمن مراوغته بالقلق من الماضي الذي عِيش، وليس من المستقبل الذي لم يُعَش ولم تتكشّف مخبوآته بعد مثلما يظن الجميع. الماضي يصير مقلقاً هنا حينما يكون الزمن كتلة واحدة اختلط فيها الماضي بالمستقبل، فصار قلق المستقبل هو الماضي بعينه، والذي يحضر اليوم كمستعاد بتفصيل أيامه المنقضية بما راكمته الوقائع والأحداث. الماضي المقلق يُستعاد كمحكي نصّي، أهم مشغّلاته البوح العفوي والبسيط، الذي لم يتخلّص تماماً من ندوب الحزن ومياسم الألم.

الماضي المقلق عند كاتب السيرة هو:

 الصباح الفاجع الذي ارتسم في حياته وهو طفل في السادسة، حينما أبلغه أحد أقرانه في المعلامة (الكُتَّاب) بوفاة والدته، التي تركها قبل ساعات قليلة وهي تتمتع بكامل صحتها وحيويتها، ليكتشف حين عاد إلى منزل خاله، أن طلقة طائشة من سلاح ابن أخيها، قد أودت بحياتها بذلك الشكل الفاجع.

  هو ذلك الزمن الذي عاشه يتيماً في كنف الجدة، مع أختين أصغرهما لم تتجاوز الشهرين من العمر، وأكبرهما في الرابعة، بسبب وفاة الأم وبقاء الأب مهاجراً في مدينة عدن، ثم انتقاله إلى العربية السعودية.

  هو صورة البؤس التي كبرت معه منذ كان طفلاً، فالمواليد الجدد في القرية والمنطقة، مثل عموم اليمن، كانوا أقلّ من الموتى الذين قضوا بسبب الأمراض المنتشرة حينها، مثل الحصبة والإسهال والجُدري والملاريا والبلهارسيا، وهي الأمراض الفتّاكة التي كانت تصيب الكبار فتتم مداواتهم بالخرافات والقطران والكيّ.

  وهو صورة الليل الذي يُغرق القرى بظلامة الدامس، وهو كدّ النساء في الفلاحة وتربية الأطفال، في وقت اختار فيها الرجال طريق الهجرة إلى عدن، ومدن شرق أفريقيا، والعمل في مهن بسيطة في المقاهي والمطاعم، أو مهن شاقة على ظهور السفن التي تجوب البحار والمحيطات.

  بمقابل هذه الصورة القاتمة للبؤس، ثمة صور أخرى لم تزل تلتمع في ذاكرة صاحب السيرة في طفولته البعيدة، ومن أجملها: موسم الزراعة، حيث تقوم نساء القرية ومن تبقى من رجالها بحراثة الأرض وبَذرها، وإصلاح مصدّات السيول (المَكَاِسر)، وأجمل الصور البعيدة تلك التي ارتبطت بهطول الأمطار وتحوّل الماء إلى شلالات تهبط من رؤوس الجبال المحيطة بالقرية، وبرعْي المواشي، وحراسة الحقول من القرود، ومشاركة الأطفال ألعابهم البدائية التي تُستلهم من عوالم القرية المعزولة بين الجبال.

  من الطفولة البعيدة، يستعيد صاحب السيرة واحدة من أهمّ معالم المنطقة، وهي "مِعْلامَة" قرية "المدهف"، وأستاذها الجليل: الفقيه أحمد ابن أحمد، خرّيج زبيد، والذي بَقي يعلّم الأولاد لأكثر من 40 عاماً، وبعد إقفال "المعلامة"، تحوّل إلى قاضٍ شرعي معروف في المنطقة وخارجها.

  اكتسبت تلك "المعلامة" شهرتها في المنطقة بعد أن قام "نادي الاتحاد الشيباني" الذي تشكّل في مدينة عدن مطلع خمسينيات القرن العشرين الماضي، مثل بقية الأندية القروية، بتوسيعها وتزويدها بالطباشير والألواح وكتب القراءة المصورة، لتصير مقصداً للأطفال الراغبين بالتعلم ويأتون إليها من قرىً بعيدة.

في تتبعي لصورة عدن في النصوص الأدبية التي كتبت عن المدينة في ذات الفترة وما قبلها بقليل، اعتبرتُ أن عدن المُهاجَر إليها في الكتابات السردية، عند كتاب من أجيال مختلفة، كانت الملاذ والحضن لكل صاحب حُلم وأمل.

في استعاداته السيرَوية لتلك الحقبة وما قبلها، قال رجل الأعمال المعروف علوان الشيباني، الذي درس في ذات "المعلامة":

"عدت إلى القرية من جديد بعد نحو عامين من الإقامة في عدن، والتحقت بـ"المعلامة" مرة أخرى، لكن هذه المرة في ظروف أفضل، حيث صار لها مبنى من الحجر بجوار مسجد القرية، بدلاً عن موقعها القديم في غرفة عتيقة أو تحت إحدى أشجار الوادي، إذ توفرت لها سبُّورة "لوح الدرس" وطباشير وألواح حجرية وُزّعت على الطلاب، أٌرسلت جميعها إليها من نادي الاتحاد الشيباني في عدن الذي تأسس هناك برئاسة الفقيد عبده محمد الهَسُوس، أحد أبناء القرية ذاتها، وأحد أشهر وجهاء المنطقة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وصاحب "مطعم الهسوس" في وسط مدينة كريتر. وصرنا نحن تلاميذ "المعلامة"، بنِيناً وبَناتاً، وعن طريق الفقيه أحمد ابن أحمد، ندرس القرآن الكريم والتجويد واللغة العربية والحساب، في صف مختلط."

في سن العاشرة غادر محمد علي مقبل القرية صوب مدينة عدن، مثل ألوف الريفيين الذين شكّلت المدينة حاضنة دافئة لأحلامهم. يقول عن ذلك:

"مع غَبَش ذات يوم من أيام عام 1956، كنت أمضي في طريق السفر من قريتنا "المدهف" مع خالي وغيره [من المسافرين] في قافلة صغيرة من الحمير. مرّينا في طريق صعبة جبلية إلى [منطقة] "الزَّرَّيْقَة"، ومن هناك ركبنا فوق سيارة (لاندروفر)الشهيرة التي شقّت طريقاً طويلاً ترابياً عبر وادي الصّبَّيْحَة، وتحمِلنا إلى "بئر أحمد" ثم "البُرَيْقَة"، ومنها إلى "كريتر"، حيث كان يعمل خالي في التجارة" ص13.

  الطريق إلى عدن، في الكثير من المذكرات، كانت هي التي توصل المسافة بين عالمين متناقضين؛ الأول غارق في تخلّفه وانغلاقه، والثاني مُترع بحداثته وانفتاحه على العالم. لهذا كانت الدهشة التي تتملّك الهابطين إليها من الجبال عظيمة، ولا يسهل الفكاك من صدمتها إلاَّ بعد وقت طويل.

   في تتبعي لصورة عدن في النصوص الأدبية التي كتبت عن المدينة في ذات الفترة وما قبلها بقليل، اعتبرت أن عدن المُهاجَر إليها في الكتابات السردية، عند كتاب من أجيال مختلفة، كانت الملاذ والحضن لكل صاحب حُلم وأمل، ولكل من ضاقت به الأرض في البلاد المعزولة والفقيرة بحكامها المستبدين، وهي أيضاً موطن مفتوح للبشر القادمين إليها بتعدّدهم الثقافي والديني والعرقي من القارات الثلاث.

أول مشاركة سياسية لصاحب المذكرات، كانت في المظاهرة الاحتجاجية التي خرجت من أحياء كريتر المختلفة متجهة إلى مقر المجلس التشريعي، للتنديد بالسياسة البريطانية التي كانت تُحاك لإنشاء ما سُمِّي بـ"مشروع اتحاد الجنوب العربي".

  فترة عدن في حياة صاحب كتاب "الماضي المقلق من العمر" ستتكثّف في "مدرسة بَازَرْعَة الخيرية"، التي أسسها رجل الأعمال محمد عمر بازرعة في عدن أواخر أربعينيات القرن العشرين الماضي، والتي كانت عند كثيرين غيره من المثقفين الذين دوّنوا مذكراتهم، محطة مهمة في حياتهم، حين تلقّوا فيها تعليماً حديثاً على يد نخبة مميزة من التربويين والمثقفين ورجال الحركة الوطنية اليمنية، في وقت أُقفلت أمامهم كل أبواب المدارس الحكومية التي كانت لا تقبل في فصولها غير مواليد المدينة، أو الذين تحصّلوا على "مخَالِق" (شهادات ميلاد) من الدوائر البلدية والصحية في المستعمرة الإنجليزية.

يقول صاحب "الماضي المقلق من العمر" عن مدرسة بازرعة:

"التعليم فيها كان أفضل حالاً، وتدرّس المواد العلمية، وقد كان التعليم فيها من الأول ابتدائي إلى الثالث متوسط، وضمّت نخبة من أفضل المدرّسين، وعلى رأسهم محمد سعيد الصائغ، وعلي عبدالرزاق باذِيب، وعلي عبدالعزيز نصر، وعبدالله حسن العديني".

  في مذكرات غيره من الذين درسوا في مدرسة بازرعة، لم تُفهم الإشارة إلى أساتذة مهمّين مرّوا على المدرسة، ومنهم الأستاذ علي عبدالكريم الشيباني، وحسين سالم باصدِّيق، ويحيى مكي، وقاسم غالب، والشيخ علي محمد باحميش، والأستاذ الفلسطيني أبو لبن.

أول مشاركة سياسية لصاحب المذكرات، كانت في المظاهرة الاحتجاجية التي شارك فيها طلاب المدارس والعمال والسياسيين والموظفين، وخرجت من أحياء كريتر المختلفة متجهة إلى مقر المجلس التشريعي، للتنديد بالسياسة البريطانية التي كانت تُحاك لإنشاء ما سُمِّي بـ"مشروع اتحاد الجنوب العربي"، وقد قوبلت أو جُوبهت تلك المظاهرة الجماهيرية الحاشدة بالعنف، وإطلاق القنابل المسيلة للدموع من قبل قوات الاحتلال الإنجليزي.

أما أول انتماء سياسي له، حسب قوله، وهو لم يزل طالباً في مدرسة بازرعة الخيرية، فقد كان لـ"حركة القوميين العرب" في ذروة الاستقطابات السياسية في مدينة عدن التي كانت تتنافس في شارعها السياسي أحزاب واتجاهات وتنظيمات مختلفة مثل: "الجمعية العدنية"، "رابطة أبناء الجنوب"، "الجبهة الوطنية المتحدة"، "حزب الشعب الاشتراكي"، "حزب اتحاد الشعبي الديمقراطي"، "حزب البعث العربي الاشتراكي"، و"حركة القوميين العرب".

"في أجواء الاستقطاب، وجدت نفسي منضمّاً إلى شباب حركة القوميين العرب، اعتقاداً من وعي تلك الأيام، أنها أقرب الحركات إلى فكر القومية العربية والوحدة العربية، وقد استقطبني إلى الحركة الأخ المناضل المرحوم هزاع علي ناجي، فاتحاً صفحة جديدة من مسيرة حياتي السياسية، شأني في ذلك شأن كل الشباب والطلاب في ذلك المجتمع المدني، وقد عملت لمدة طويلة في الحقلين التنظيمي والفكري." الكتاب ص 20-21.

(يتبع)


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English