نضالات المرأة في الجنوب اليمني

بين "يوتوبيا" الإنجازات وواقع التحديات
نجيب مقبل
March 30, 2023

نضالات المرأة في الجنوب اليمني

بين "يوتوبيا" الإنجازات وواقع التحديات
نجيب مقبل
March 30, 2023

في أحد الصباحات العدنية، كان لي شرف أن أدير ندوة في شهر فبراير الماضي، شاركت فيها نخبة من الإعلاميات؛ ضمن هذه الكوكبة النسائية المخضرمة الممتدة من نهايات الستينيات: رضية شمشير، ونادرة عبدالقدوس، والعاملة يومنا هذا، هدى الكازمي، ودفاع ناجي. كان لي شرف قيادة دفة الحلقة النقاشية حول دور الإعلاميات في عدن والجنوب اليمني الريادي والنضالي، منذ منتصف القرن الماضي؛ أي ما قبل الاستقلال حتى العقد الثالث من هذا القرن.

لا أريد الخوض في تفاصيل ما جرى في هذه الحلقة النقاشية، ولكنني بهذا الاستهلال أردت أن أشير إلى أهمية البحث والاستقصاء والبحث التاريخي والعلمي للأدوار المشرقة التي نهضت بها الصحفيات والإعلاميات في عدن والجنوب اليمني قبل وبعد الاستقلال الوطني، يمكن أن يرصد في عمل ببليوغرافي ورصد تحليلي تاريخي، مسيرتهن التي بدأت ريادتها مع الرائدة ماهية نجيب، وقد أصدرت أول صحيفة نسائية (فتاة شمسان)، وتوالت السبحة في المسيرة الإعلامية في عدن من خلال تلفزيون وإذاعة عدن وفي الصحافة الرسمية قبل وبعد الاستقلال.

ومن هذا التمهيد، أردت أن أربط دور الإعلاميات كتاريخ رياديّ ونضاليّ، مع مسيرة ريادة المرأة فيهما، باعتباره نتاجًا لهذه المسيرة الناصعة منذ منتصف القرن الماضي حتى اليوم.

مسيرة تستحق ليس دراسة وقائعها ورائداتها، بل تحليل مسيرتها صعودًا وانتكاسًا، وما جرى في نهر المسيرة النسائية من إبحار صعب في ومن حجارات عاثرة رميت في طريق الرحلة.

بين دفتي الكتاب

وقع في يدي كتاب مهم بعنوان: "نضالات المرأة في جنوب اليمن وآفاقها المستقبلية (1945-2014)"، وهو عبارة عن أربع دراسات متواترة زمنيًّا عن مسيرة المرأة، ويبدو أنّه حصيلة ورشة عمل لم يعلن الكتاب عن عنوانها أو مكان وزمان انعقادها.

ختمت الدراسة بالتأكيد أنّ ما حقّقته المرأة في تلك الفترة والحقبة، هو نتاج لإرث تاريخي نضالي، مع عدم إغفال بعض السلبيات التي رافقت عمل المرأة في اتحاد النساء والمنظمات الجماهيرية التي كانت تعتمد على دعم الحزب والدولة.

ويحلو لي أن أستعرض بكلّ حيادية ما احتوته الدراسات الأربع، بدءًا من الافتتاحية التي تقول: "سيقدم التاريخ بأمانة أنّ المرأة في عدن ومناطق الجنوب اليمني الأخرى، لعبت أدوارًا إيجابية وفاعلة على صعيدين؛ صعيد المرأة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لتأهيلها للوقوف إلى جانب الرجل، وعلى صعيد النضال الوطني الذي بلغ ذروته بانتزاع الاستقلال الوطني، في 30 نوفمبر 1967".

وتطيل المقدمة في شرح دور المرأة في الجنوب اليمني، بدءًا من المطالبة بأحقية التعليم إلى المشاركة في النضال في مرحلة الكفاح المسلح حتى الاندماج في حركة تطور المجتمع ومشاركتها في عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

المرأة العدنية وإثبات الهُوية

الدراسة الأولى للدكتورة أسماء الريمي، أستاذ مساعد، بقسم التاريخ في كلية الآداب، جامعة عدن، بعنوان: "المرأة العدنية في الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية في الفترة من (1937-1967)".

ومن العنوان، تناولت الدراسة وضع المرأة اجتماعيًّا، رصدت فيه التنوع السكاني لمدينة عدن والدور الذي لعبته الأندية الثقافية والجمعيات الخيرية في كسر الحواجز النفسية والاجتماعية، واشتراك المرأة العدنية مع نساء الجاليات الأخرى في عدد من النوادي والجمعيات التي بلغت (47)، وملاحظة أنّ اشتراك المرأة العدنية في هذه الجمعيات لم يعكس وزنها وثقلها الاجتماعي؛ بسبب أنّها كانت مثقلة بالعمل المنزلي، وتعاني من عدم استقرار اقتصادي ومالي.

ومن أبرز الجمعيات: (جمعية المرأة العدنية)، التي تأسّست عام 1954، وكانت حرم محمد علي لقمان وحرم جرجرة من أبرز قياداتها. وتعتبر هذه الجمعية من المنظمات النسائية الأولى التي نادت بتحرير المرأة اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا.

وبيّنت الدراسة الصراعَ الذي دار في مدينة عدن، حول تعليم الفتاة كمدخل رئيس للنهوض بدور المرأة، واستطاع أنصار هذا التيار أن يشكّلوا وعيًا وطنيًّا واجتماعيًّا، مؤكّدة على التنوع الثقافي الذي صاغ ثقافة سكان مدينة عدن، وشكّل مصدرًا لعمق هذه الثقافة وحداثتها وعمق الهُوية الوطنية.

إنجازات المرأة 

وتناولت المرحلة الثانية، (1967-1990)؛ المرأة في الدستور الذي أكّد أنّ الدولة تضمن للرجل والمرأة حقوقًا متساوية في كل مناحي الحياة، وتعمل بهدف خلق الظروف التي تسمح بمشاركاتها في العمل الإنتاجي والجماهيري مع أمومتها، وتتحصل على الاهتمام بهدف حصولها على التأهيل العلمي.

كما تناولت قانون الأسرة الصادر عام 1974، الذي أشار إلى أنّ الرجل والمرأة العازمين على الزواج متساوون في الحقوق والواجبات، ومنع الوالد من تزويج العروس/ الفتاة دون إذنها ومشاركتها، ودون أخذ موافقتها، وتحديد سن الزواج للرجل ببلوغ الـ18 عامًا والفتاة 16 عامًا. واشترط ألّا يسمح بالزواج إذا كان الفارق بين الرجل والمرأة 20 عامًا، وتحديد شروط الزواج من الثانية، وحدد المهر بمئة دينار .

ورصدت الدراسة مسار عمل اتحاد نساء اليمن ودوره الرقابي في قضايا الأسرة، ودوره في محو أمية النساء، وفي الاهتمام بالنشاط الإبداعي والثقافي والفني والأعمال الإبداعية اليدوية للنساء.

كما بيّنت ارتفاع عدد العاملات إلى (26000) عاملة عام 1980، وحصول 3000 امرأة على التأهيل التكنيكي الثانوي والمتوسط، ودخول قاضيات ومحاميات وقانونيات في السلك القضائي، وضمان حقوق المرأة في الضمان الاجتماعي، والمشاركة الخارجية للمرأة .

وختمت الدراسة بالتأكيد أنّ ما حقّقته المرأة في تلك الفترة والحقبة، هو نتاج لإرث تاريخي نضالي، مع عدم إغفال بعض السلبيات التي رافقت عمل المرأة في اتحاد النساء والمنظمات الجماهيرية التي كانت تعتمد على دعم الحزب والدولة .

حقوق المرأة في التشريع اليمني

أمّا الدراسة الثالثة، فكانت بعنوان: "التزام المشرع اليمني باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة"، للدكتورة سهير علي أحمد، أستاذة القانون المشارك- نائبة عميد كلية الحقوق بجامعة عدن؛ حيث ذكرت أنّ اليمن أصبحت طرفًا دوليًّا في الاتفاقية.

كما أكّدت أنّ وضع المرأة خلال الفترة (1967-1990)، شهد عددًا من التغييرات، وأهمّها:

-  إقرار حرية الترشح والانتخاب لكلا الجنسين بطريقة حرّة وعامّة ومتساوية ومباشرة.

 - المساواة بين المواطنين في الحقوق والحريات.

 - الحقوق المتساوية للمرأة والرجل في مختلف الميادين، فتبوّأَت المرأة مواقع صنع القرار، ومنها الحقوق السياسية التي جعلتها تنخرط في صفوف الحزب في عدن والجنوب اليمني، وفي أعلى أداة للسلطة (مجلس الشعب الأعلى) حتى وصلت إلى هيئة رئاسة المجلس، وانضمّت إلى أجهزة القضاء كقاضية وفي هيئات الادّعاء العام.

 - التوقيع على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة. 

وقد تناولت الدراسة مقارنة بين الدستورين اللذَين كانا معمولًا بهما في جنوب وشمال اليمن؛ فقد كان الأول متقدمًا في تلبية شروط الاتفاقية الدولية بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، في حين شهد الثاني تراجعات في تلبية هذه الشروط.

بعد التنقل بين دفتي الكتاب، يمكن القول: إنّ نضال المرأة في الجنوب اليمني قد تعدّدت أشكاله ومستوياته، ووفقًا لذلك فإنّ هذا النضال مستمر في مختلف الاتجاهات، رافعة هذا التراث المجيد منذ نشاط الجمعية العدنية النسوي في أربعينيات القرن الماضي.

واقترحت الدراسة عددًا من التعديلات الدستورية في الدستور، تجسّدت في التزام الدولة بالمعاهدات والمواثيق الدولية، وتحقيق مبادئ المساواة، والمواطنة المتساوية، وتجريم العنف ضدّ المرأة، والحصة النسائية، والتمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للنساء.

من الإقصاء إلى النضال السلمي مجدّدًا

من جانبها، تعرّضت دراسة الأستاذة منى سعيد هيثم، لمشكلة الإقصاء للنساء في الجنوب اليمني، في مرحلة ما بعد حرب 1994، التي أدّت إلى تقليص دور المرأة، وسعت إلى إقصائها من مركز صنع القرار، وساهمت كذلك في ظهور أنماط ثقافية وعادات تجاوزتها النساء في عدن.

 ورصدت الباحثة خطوات الإقصاء، التي تمثّلت:

اقتصاديًّا؛ في تسريح آلاف النساء من أعمالهن وفقدانهن لمصادر الدخل الوحيد، وسياسة الخصخصة التي أخرجت النساء من سوق العمل، ودخول النساء مرحلة الفقر الشديد والمستمر.

ثقافيًّا؛ ظهور مواقف سلبية رافضة لمشاركة المرأة في المشهد الثقافي والرياضي، وأسباب تتعلق بتدمير المنشآت الثقافية، مثل المسرح الوطني ودور السينما وقاعات الفنون، وإلغاء الفرَق المسرحية وفرَق الرقص الشعبي الرسمية.

كما شهدت عدن بعد الوحدة في العام 1990، تراجعًا شاملًا لمختلف مكونات الرياضة النسوية واستبعاد مشاركة الفتيات في الألعاب الرياضية، ومنها كرة القدم وكرة اليد والتنس وغيرها من الرياضات التي كان للمرأة مشاركة ريادية فيها قبل 1990. 

قانونيًّا وسياسيًّا؛ التراجع التشريعي لإنجازات تحقّقت لها سابقًا قبل العام 1990، مثل أحكام المساواة والحماية والتمكين والرعاية للأطفال والأمهات، حيث صمَتَ دستور دولة الوحدة عن تحديد الآليات والإجراءات لإزالة التمييز القائم على الجنس في القوانين النافذة والسياسات.

المرأة والنضال السلمي

أكّدت الباحثة منى هيثم، أنّ دور المرأة في الثورة السلمية التي انطلقت عام 2007، في مناطق الجنوب اليمني، كان محوريًّا، حيث اضطلعت بدور فاعل في كافة أشكال النضال السلمي.

وأشارت الباحثة إلى انخراط النساء من كلّ الفئات العمرية والمستويات العلمية والاجتماعية في صفوف الحراك، وكان لخروجهن زخم رفع من الحماس العفوي لدى الأحرار في الساحات السلمية في كافة مديريات المحافظات الجنوبية من اليمن، ضمن إطار الحراك السلمي كحركة نضالية سلمية.

وكانت مشاركة المرأة في الحراك السلمي، قد تمثّلت في الحضور والتنظيم والتحضير للفعاليات وإلقاء الخطابات في فعاليات "الحراك الجنوبي"، وفي اللجان التحضيرية في المليونيات، وشاركت في الاعتصام والوقفات الاحتجاجية وفي العصيان المدني.

وخلصت الباحثة إلى أنّ لدور المرأة في الفعل الثوري أثرًا يعكس مدى وعي المرأة بالقضية الوطنية وتفاعلها الإيجابي نحوها، والذي شكّل انتظامها في المقاومة المدنية السلمية رافدًا عزّز من استجابة المنظمات الدولية الراعية للحقوق والحريات السياسية.

لنا كلمة

بعد التنقّل بين دفتَي الكتاب، يمكن القول: إنّ نضال المرأة في الجنوب اليمني، قد تعدّدت أشكاله ومستوياته، ووفقًا لذلك فإنّ هذا النضال مستمر في مختلف الاتجاهات، رافعة هذا التراث المجيد منذ نشاط الجمعية العدنية النسوي في أربعينيات القرن الماضي حتى المشاركة النضالية والفدائية في مرحلة الكفاح المسلح (1963-1967)، ومن مكتسبات المرأة التي تحقّقت في ظلّ الدولة الوطنية الناشئة بعد الاستقلال عام 1967، حتى ما ظهر من انتكاسات وقعت على الحقوق المكتسبة للمرأة في دولة الوحدة وما بعدها .

هذا النضال مستمر ومعبر عن طموحات المرأة في استعادة حقّها المشروع في التمكين السياسي والاجتماعي، وما مشاركتها في الحراك السلمي إلّا استمرارٌ لهذا النضال المتوقد والذي يطمح إلى مستقبل أكثر أمانًا وأصدق أمنية في عدالة قضيتها.

•••
نجيب مقبل

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English