المسرحُ اليمنيّ: ماذا جَنت الحرب؟

هل يمكن الحديث عن حركة مسرحية يمنيّة؟
أحمد الأغبري
March 29, 2021

المسرحُ اليمنيّ: ماذا جَنت الحرب؟

هل يمكن الحديث عن حركة مسرحية يمنيّة؟
أحمد الأغبري
March 29, 2021

بعد أكثر من مئة سنة من عمر المسرح اليمنيّ، ما زال هذا المسرح عبارة عن تاريخ من النهوض والتعثر لدرجة يختلف المؤرخون في منح صفة (حركة) على تجربة العمل المسرحي العريق في هذا البلد. إذ يرى البعض أن ما قدّمته المئة سنة ونيف من عمر هذا المسرح لم تتجاوز (الإرهاصات) التي تأخرت معها ولادة مسرح حقيقي.

يعود تاريخ ظهور المسرح الحديث في اليمن إلى بداية القرن العشرين، حيث احتضنت مدينة عدن أول عرض مسرحي في العام 1904، من خلال فرقة هندية زائرة، بينما شهدت المدينة في العام 1910، أول عرض مسرحي يمني بعنوان "يوليوس قيصر"؛ وفي ذلك العام كانت قد تشكّلت أوّل فرقة تمثيل يمنية، ومثَّل تأسيسها، من طلبة المدارس حينها بمدينة عدن، بداية لمرحلة توالت بعدها مراحل ومحطات تحقق فيها للمسرح في هذا البلد حضورًا أخذ يتسع منذ خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ليشهد في السبعينيات والثمانينيات انعطافة مهمة انتشرت معها الفرق المسرحية، وتزايد أعداد المسرحيين من الجنسين في المحافظات، وارتفعت مؤشرات العروض، وتحققت له عديد من النجاحات، التي أخذت تتراجع تدريجيًّا منذ عقد التسعينيات، مع إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990، حتى عاد المسرح في هذا البلد حاليًّا، ومع تأثير الحرب، إلى مراحل متأخرة، لدرجة قد يصبح من الطبيعي لدى البعض طرح تساؤل مفاده: هل ما زال في اليمن مسرح؟!

ويعزو البعض ذلك إلى ما فقده المسرح في اليمن منذ عقد التسعينيات، من مقومات نتيجة تجاهله وتهميشه من قبل صانع القرار، لا سيما مع تكريس حضور قوى الإسلام السياسي ضمن بوتقة الحكم الذي هيمنت عليه القوى التقليدية عمومًا، والتي عملت على تهميش الفنون بما فيها (المسرح)، خوفًا من تأثيره في الوعي الجمعي؛ فأخرجته من المدرسة والجامعة؛ وبالتالي فقد هذا الفن أهم أوردة تغذيته، بموازاة تقليص حضوره في المؤسسة الثقافية الحكومية. وهنا خسر المسرح الكثير، باعتباره يعتمد على مسرح الدولة، بينما صارت الدولة تهمله وتقصيه! وكما قال الشاعر والكاتب المسرحي الراحل محمد الشرفي لكاتب السطور في ذات مقابلة؛ فإن «الوحدة اليمنية كانت مخيبة للآمال في بعض المجالات، ومنها المسرح، حيث استقبلت الدولة الجديدة عناصره بخوفٍ سياسي وديني؛ فوصول الإسلاميين بعد الوحدة لكثير من المؤسسات، بما فيها جامعة صنعاء، عرقل مسيرة الفنون وغيبها تمامًا، فأخرجوها حتى من المصانع. وشهد البلد قبل الوحدة تفتحًا نحو الضوء؛ لكن هجمة الإسلاميين بعد الوحدة أجهضت ذلك التفتح». وهو الواقع الذي استمر حتى وصل الحال إلى أن صار المسرح بصنعاء لا يتجاوز حضوره الاحتفائي في مناسبة يوم المسرح العالمي (27 آذار/ مارس)؛ وحتى تلك الأعمال المناسباتية لم تكن تظهر بمستوى المناسبة وفق أحدهم؛ لأن التحضير لها كان يأخذ أيامًا قليلة تخرج خلالها الأعمال هزيلة لا تضيف شيئًا. وهنا لا يمكن تجاهل محاولات بعض وزراء الثقافة، ضمن دولة الوحدة، خدمة الفنون، إلا أن تلك المحاولات لم تنطلق من استراتيجية حكومية تضمن لها الاستمرارية، وبالتالي لم تتجاوز ميزانية وزارة الثقافة المرتبات ونفقات التشغيل المكتبي، فيما خرج صندوق التراث والتنمية الثقافية عن مسار الأهداف التي أُنشئ لأجلها، ونتيجة لذلك بقي المسرح يتكرس عملًا مناسباتيًّا.

مع افتقاد المسرح اليمني للاستمرارية والتواصل عرضًا وتأهيلًا، كان من الطبيعي أن يفقد كثيرًا من مقوماته؛ فتلاشت واختفت الفرق المسرحية، وتعرضت الكوادر المسرحية للإحباط جراء انشغالها بالبحث عن لقمة العيش، ما تسبب في التحاق بعضها بمهن أخرى كبيع القات مثلًا، فيما تدهورت أوضاع خشبات العروض مع تراجع التأهيل وتوقف التعليم والابتعاث الخارجي في معظم الفنون في مقدمتها المسرح، وغير ذلك من الخسائر التي ظلت تنزف على الرغم من محاولات مسرح الشباب، وتحديدًا في عدن، عمل إنعاش متكرر للمسرح اليمني، لكن هذا المسرح كان قد دخل في حالة موت سريري، حتى كانت الحرب الأخيرة في آذار/ مارس عام 2015. 

ما الذي جنته هذه الحرب؟

يقول المخرج المسرحي أمين هزبر: «عادة تعمل البلدان خلال الحروب على توظيف المسرح في رفع مستوى الوعي الإنساني لدى المجتمع وإعادة الاعتبار للضمير الاجتماعي من خلال ترميم الخراب التي تُحدثه الحرب في النفوس والضمائر، لكن ما حصل في بلدنا كان مختلفًا تمامًا. لم يعد هناك مسرح؛ فالبرنامج الاحتفائي المناسباتي اختفى، وصار المسرح غائبًا حتى في يومه العالمي في السنوات الأخيرة».

وكان آخر احتفاء شهدته صنعاء بمناسبة اليوم العالمي للمسرح في العام 2016، من خلال عرض نظمته وزارة الثقافة وجامعة صنعاء؛ وتمثل هذا العرض، الذي شهدته قاعة جمال عبدالناصر بكلية الآداب، في مسرحية "مرابيش بلا حدود" للكاتب محمد القعود والمخرج أمين هزبر.

مع غياب الأعمال الاحتفائية باليوم العالمي للمسرح، صار النشاط المسرحي بصنعاء خلال الحرب مقصورًا في أعمال مناسباتية موجهة تخدم الحرب.

يقول هزبر في حديثه لـ"خيوط": «في العام قبل الماضي نظمنا دورة تدريبية كان نتاجها ستة أعمال مسرحية، وكنا نحرص أن نعرضها في اليوم العالمي للمسرح، لكنا لم نحصل على أي تمويل، وبالتالي مرت المناسبة كبقية الأعوام خالية من أي احتفاء». 

لم يصل المسرح اليمنيّ إلى مرحلة يُطلق عليه فيها اسم (حركة)، ذلك أنه بقي تجربة يراوح فيها بين النهوض والتعثر في رأي البعض؛ وبالتالي لم تتشكل حركة واضحة الملامح على الرغم من العُمر الطويل منذ ظهوره قبل أكثر من مئة سنة

ظل مسرح الدولة هو مظلة أي إنتاج مسرحي بصنعاء لسنوات طويلة، وبخاصة منذ تسعينيات القرن الماضي، ومن ثمّ ظهرت فرق شبابية، وتحديدًا في السنوات الأخيرة، والتي أسهمت في ظهور أعمال مسرحية خارج عباءة مسرح الدولة، وذلك تحت مظلة ما يُعرف بمسرح الشباب؛ وهي التجربة التي سبقت فيها عدن صنعاء بما في ذلك خلال الألفية الثالثة. لكن هذه الأعمال تراجعت كثيرًا في صنعاء خلال سنوات الحرب بسبب ما تفرضه من ظروف مختلفة حد توقفها؛ ومن أبزر هذه الأعمال التي شهدتها صنعاء خلال الحرب، كانت المسرحية الكوميدية الاجتماعية "فيلم يمنيّ" للمؤلف والمخرج محمد الفقيه، والتي عُرضت عام 2017، بالمركز الثقافي بصنعاء، وحققت نجاحًا لافتًا بدليل أن الجمهور دفع قيمة تذاكر الدخول، في إشارة إلى جمهور بحاجة إلى مسرح. 

فيما يتعلق بالمحافظات الخاضعة لسلطة الحكومة المعترف بها دوليًّا، فقد شهدت، خلال ما مضى من سنين الحرب، تنظيم دورتين من المهرجان الوطني للمسرح، واحتضنت الدورة الأولى مدينة عدن عام 2018؛ وعند الإعلان عن الدورة فوجئ المنظمون في وزارة الثقافة بعدم وجود خشبة عرض مؤهلة لاحتضان العروض جراء ما لحق الخشبات من تدمير بسبب الحرب. وعلى إثر ذلك، أطلقت وزارة الثقافة هناك مشروع إعادة تأهيل مسرح "حافون" بالمعلا وقاعة ابن خلدون بجامعة عدن. ولم يشارك في الدورة سوى بضع فرق من بعض المحافظات. أما في عام 2019، فلم تتمكن الوزارة من تنظيم الدورة الثانية للمهرجان، والتي تأخرت إلى العام 2020، وكانت المشاركة فيها مقصورة على بضع محافظات أيضًا جراء الحرب.

    البدايات

كان المسرح اليمني شهد بداياته الأولى بمدينة عدن في مستهل القرن الماضي؛ وهي البدايات التي أخذت تتبلور في العشرينيات من خلال المسرح المدرسي؛ ليشهد المسرح اليمني في الثلاثينيات مرحلة جديدة من خلال مسرح الهواة والفرق الأهلية في عدن؛ وهي المرحلة التي واكبها في شمال اليمن بداية مسرحية متأخرة من خلال ما كانت تقدّمه المدارس والكتاتيب من تمثيليات وفق الكاتب المسرحي الراحل محمد الشرفي، ليشهد المسرح اليمنيّ في عدن خلال الخمسينيات والستينيات حضورًا مختلفًا وفاعلًا.

وعلى الرغم من ذلك، بقي المسرح اليمني حتى بدايات النصف الثاني من القرن العشرين عبارة عن محاولات غير مكتملة تقاوم التعثر لتمثل الستينيات بداية جديدة عقب قيام الثورة في الشمال وفي الجنوب؛ لتبدأ مرحلة (المسرح التلفزيوني) ضمن برامج تلفزيون عدن، وخلال تلك الفترة انتشرت الفرق المسرحية في محافظات الجنوب؛ فيما تأسست أول فرقة في صنعاء عام 1969 من خلال عدد من الهواة؛ وهي فرقة مصنع الغزل والنسيج. عقب ذلك أسهم ما عُرف بـ"المسرح العسكري والجامعي" في تعزيز حضور العمل المسرحي من خلال ولادة ما عُرف بالمسرح الحكومي؛ فتشكلت فرقة وطنية للمسرح في عدن ومثلها في صنعاء عام 1976 ليشهد المسرح نشاطًا ملحوظًا في الثمانينيات؛ فانتشرت الكثير من الفرق في المحافظات، وشهد المسرح حينها نشاطًا متواصلًا في تلك المرحلة التي يطلق عليها المسرحيون اليمنيون (المرحلة الذهبية) لمسرحهم؛ لأن المسرح دخل عقب إعادة تحقيق الوحدة في أزمة تغييب مع غيره من الفنون؛ فبدأ يتراجع ويفقد تدريجيًّا بعض مقوماته؛ وكأنه صار ترفًا في وعي صناع القرار الثقافي في البلاد للأسف الشديد، وتلك –ربما- كانت الحقيقة، حيث بقي المسرح وكل الفنون في البلد تفتقد لاستراتيجية نشاط وتطوير في برامج الوزارة المختصة. ومع بقاء المسرح بلا خطط أصبح هامشًا يقتصر حضوره على أعمال احتفائية. وفي عتمة تلك المرحلة عادت المبادرات الفردية لمسرح الشباب في عدن، وبخاصة مع بداية الألفية الثالثة في محاولات لتجاوز المألوف من العمل المسرحي المغيب حكوميًّا؛ ومن خلالها ظل هذا المسرح يحاول النهوض مجددًا ليسجل في كل عمل ولادة جديدة من رحم التعثر حتى كانت الحرب الراهنة؛ فكانت المعاناة أكبر بكثير. 

نتيجة لكل ذلك لم يصل المسرح اليمنيّ إلى مرحلة يُطلق عليه فيها اسم (حركة)، ذلك أنه بقي تجربة يراوح فيها بين النهوض والتعثر في رأي البعض؛ وبالتالي لم تتشكل حركة واضحة الملامح على الرغم من العُمر الطويل منذ ظهوره قبل أكثر من مئة سنة. وهو حكم قد يكون قاسيًا، وقد لا يقبله البعض الذين سيشيرون إلى عددٍ من المسارح والمسرحيين وتاريخ من العروض المسرحية في مختلف إرجاء البلاد. لكن كل ذلك لم ينتظم في مسار يمكن من خلاله الحديث عن مسرح مكتمل الهُوية وباعتباره حركة مسرحية حقيقية. وتتحمل مؤسسات الدولة –بلا شك- خلال الفترة الماضية مسؤولية هذا التدهور؛ لأنها تجاهلت المسرح كثقافة وفنان ودار عرض ومعهد تأهيل ومقعد تعليم وبرنامج متواصل.

•••
أحمد الأغبري

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English