الحرب إذ تغتال الشعراء (1-2)

الشاعر عبدالرحمن السقاف بين يدي موت رحيم
نجيب مقبل
November 29, 2021

الحرب إذ تغتال الشعراء (1-2)

الشاعر عبدالرحمن السقاف بين يدي موت رحيم
نجيب مقبل
November 29, 2021

حين سكتت أصوات الحرب في حارات عدن وتحررت من غزو آخر عام 2015، كنا نحن سكان المدينة البحرية الحالمة، ومعظمنا كنا نازحين في مدن وقرى وربما بلاد غير بلادنا التي ولدنا فيها، ننفض غبار الرماد والبارود وتراب النزوح عن منازلنا، ونمنح الأماكن التي هجرناها لأكثر من نصف عام وقع خطانا وأصوات حضورنا العائد من النزوح والرعب، ونرمي وراءنا أهوال الحرب التي كنا لا نسمع تداعياتها إلا من التلفاز وشبكات التواصل.

في غمرة هذه الأجواء المشحونة بمشاعر عودة الحياة إلى أرواحنا وتلمس أسباب البقاء أحياء من ركام الموت، رحنا بشغف نتلمس الأخبار عن بعضنا بعضًا؛ أخبارًا عن أهلنا وأصدقائنا وجيراننا وسكان الحي والشارع والسوق وعن كل أبناء المدن العدنية الذين تفرقوا، ونحاول الآن لملمة شمل المعرفة عنهم.

هل هم أحياء أو موتى، جرحى ومرضى أو معافون، حاضرون في الوطن أم أخذتهم سفن الغربة إلى جيبوتي والصومال ومنهما إلى دول العالم؟

في لحظة فارقة من استراحة المواطن المنهك بأهوال الحرب، تلقيت أخبارًا سارة وأخرى محزنة، ومن الأخيرة وصلني خبر وفاة الشاعر المرهف، الصوفي النبيل، والإنساني المتعب: عبدالرحمن السقاف، الذي مات في أتون أيام الحرب وهو نازح عن بيته وسكنه في حارة القاضي قبالة حي العيدروس، ومدينته الغالية على قلبه عدن القديمة المسماة مديرية صيرة أو كريتر، وهي منطقة كانت إحدى أشد المناطق تأثرًا بالحرب لقربها من تلال وجبال معاشيق، حيث يتراشق المتقاتلون ويروح ضحيتها المواطنون.

 هكذا كان الشاعر السقاف في آخر سنواته وأيامه لا يقوى على شيء سوى كتابة القصائد، والالتحام بأجواء الصوفية الشعرية. السقاف كان شاعرًا صوفيًّا مندمجًا بداخله مفارقًا لحياته المعيشية ولكل متطلبات الحياة والعائلة. لا شيء يشغله إلا روحانية الترتيل الصوفي النبيل.

وعلى الرغم من صدمة الخبر ووقعه الكئيب على النفس بفقدان شاعر وأخ وصديق طالما تمسك بالحياة وبروح الشعر، وهو في أوج ضعفه ومرضه، إلا أن أسباب موته هنا وسط جلبة وركام الحرب كانت أقرب إلى التوقع، بالنسبة لي على الأقل، لأسباب أوجزها:

- أن الشاعر عبدالرحمن السقاف برهافة روحه وبضعف جسده، استسلم أخيرًا لرصاصة رعب قاتلة وطائشة في قلب ضعيف ومريض ومؤهل للموت الرحيم؛ لأنه لم يكن ليصمد أمام أهوال ما يجري من أزيز الرصاص ودخان ونيران البيوت المستهدفة وأصوات الانفجارات وأخبار الموت المجاني الذي تنقله الأخبار والشائعات.

هزمته حرب 2015، بعدما كان صامدًا صمود الضعفاء لأكثر من 30 عامًا من حرب صيف 1994، ولم يتقبل ثقافتها البديلة عن ثقافة اليوتوبيا الحالمة بثقافة الفيد والاستحواذ والإقصاء وبنادق العسكر والأمن المركزي.

ففي الحرب الأولى، استسلم جسده مريضًا لضعف مقاومته لهذه الجائحة الكبرى التي شلت كيانه وجودًا وجسدًا وجعلته خائرًا لا يقوى على الوقوف، ولكنها لم توقف شعلة عقله ونور شعره، فظل طوال هذه السنين رغم هزيمته الجسدية التي استسلم لها، واعتكافه بعيدًا عن الناس ونوبات مرضه الرعاشي التي شلت قواه، فقد ظل يقاوم بنفحات شعره وقصائده، وقاوم هذه الثقافة الدخيلة التي جلبتها حرب صيف 1994، وظل يعلي من شأن الحب والتسامح ويجاهر بانتصارهما على كل ألوان التعسف والاستباحة وثقافة الفيد المادي والمعنوي.

أما في هذه الحرب الدائرة في عقر داره ومدينته، فإنه أسقط آخر دفاعاته الباقية، فأودت بما تبقى لديه من بقايا إنسان على الأرض وشاعر محلق في سماء مدينة تنتحر الآن تحت سقف قتال مرير.

مات الشاعر السقاف قتيلًا بدون رمية رصاصة مادية أو شظية قذيفة أو ما شابه، ولكنه استشهد لأن أهوال الحرب ورعب أوقاتها ومآسي أخبارها أجهزت على جسده الضعيف والمريض ونالت من حياته؛ لأنه لم يتصور وقوعها بهذه الفظاعة، وكعادة المرهفين في العالم يسقطون قتلى كما سقط الشاعر العربي اللبناني خليل حاوي قتيلًا برصاصة انتحاره؛ لأنه لم يستوعب استقبال حرب مجرمة كالغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.

هكذا هم الشعراء المرهفون الذين يعيشون على حد الهاوية زمنًا طويلًا من العمر، وتأتي نهايتهم بمثل هذه المأساوية! ولم يكن الشاعر عبدالرحمن السقاف استثناء عن ذلك.

الشاعر السقاف بين ضعف الجسد وقوة الكلمة

كان الشاعر السقاف في حياته الاعتيادية قبل نشوب الحرب، مشروع شاعر آيل للموت:

- جسد نحيف مخضل ومرتعش اليدين والقدمين، أشبه بالملاكم العالمي محمد علي كلاي في إصابته بالباركنسون.

- قلب وروح منعزلان عن العالم والأصدقاء والناس جميعًا في بيته المتواضع بحافة القاضي أمام مسجد جوهر، إلا من النزر اليسير من الزوار، وأنا واحد منهم. 

- لسان متلجلجة الحديث وخافتة الصوت، وفي أحاديثه تتراكم المعاني وتتلعثم الكلمات حتى لكأنك تختار منها ما يناسب المعنى الذي يريد ولا تخطئه عين الفاهم.

- الشاعر السقاف أثقلته الحياة بركام من خراب الدنيا ووعثاء الحياة، ترك الوظيفة كإذاعي ومؤلف في الإذاعة والتلفزيون، وغاب عن المناسبات العامة الأدبية والحياتية، واستسلم لقدرية المرض ينهش في جسده دون سبب مرضي واضح، كأنما حمل أثقال العالم على كاهليه مثلما حمل سيزيف على كتفيه صخرة المعرفة نيابة عن العالم والبشر أجمعين.

السقاف بهذه الصورة العجائبية حمل أوزار الدنيا بكلكلها على منكبيه، ولم يقدر على شيء سوى كتابة الشعر.

كنا نزوره أنا ورفيق دربه الغنائي الفنان عصام خليدي أملًا في أن نشد أزره وننفض من كاهل روحه ما يثقله من أعباء إنسانية، ونحاول بما نملك من مقدار محبة دون عطف أن ندمجه في مجريات الحياة بتفاصيلها التافهة وجماليات أحداث وأقوال نصطنعها ونكرسها على مسمعه، ونتشارك معه الأحاديث والنكات والذكريات الجميلة، ونجاهد ألّا يمل من وجودنا المستقطع معه دون أي إشعار بالاستعطاف أو الشفقة؛ لأننا كنا نؤمن بقوة إيمانه بذاته وقدراته الإبداعية وكينونتها ووجوده الحي، وكان بعد كل ذلك ينهض من فراش مرضه المفترض ويمشي أمامنا؛ إما إلى الغرفة المجاورة أو إلى الحمام، وهو الذي يقول أهله إنه لا يسير إلا متكئًا على أحد منهم.

وفجأة ودون سابق إنذار، يعود ويجلس على فراشه ويخرج من تحت مخدته دفترًا، ويقول لنا: "الآن سأقرأ لكم آخر قصيدة كتبتها". ويلقي علينا آخر قصائده القصيرة التي امتاز بها عن أقرانه الشعراء، والتي وصفها الشاعر العربي الكبير الراحل سعدي يوسف بشعر (الومضة) وأثنى عليه بها. أثناء قراءته تخف اللجلجة ويكثر ارتعاش الجسد من الانفعال والاندماج مع المعنى.

بدا لي من يومها أن الكتابة مصدر قوته الوحيد الذي يستعيض به عن الضعف الكامن في كل كيانه الجسدي، وأن روحه وحدها التي تشتعل ألقًا داخل اللحم والعظام المتهالكة، وأن القلم سيفه الوحيد الذي يقاتل به صروف الحياة، وأن الكلمات والمعاني والشعر عمومًا مصدر البقاء على رمق الحياة.

نخرج من بيت الشاعر عبدالرحمن السقاف، ونحن في حيرة من أمرنا:

- من أين لذاك الجسد المنهك والمثقل والمريض أن يصدر تلك القوة التي تبقيه حيًّا متعافيًا من أوهام المرض التي أوصله إلى مرحلة الباركنسون الجسدي، ولم تصل جرثومتها إلى عقله وروحه.

أظنه الشعر؛ به يحيا وبه يستمد قوة البقاء في حاله التي يرثى لها عيانًا.

هكذا كان الشاعر السقاف في آخر سنواته وأيامه لا يقوى على شيء سوى كتابة القصائد، والالتحام بأجواء الصوفية الشعرية. السقاف كان شاعرًا صوفيًّا مندمجًا بداخله، مفارقًا لحياته المعيشية ولكل متطلبات الحياة والعائلة. لا شيء يشغله إلا روحانية الترتيل الصوفي النبيل، واصطياد الأحداث والذكريات والأماكن من بحر صيرة وطرائق مسجد العيدروس ورائحة الفل والكاذي والبخور.

صدمة حضارية أنهكت روحه

صحيح أن عبدالرحمن السقاف لم يكن سياسيًّا أو مؤدلجًا أو شخصًا صاحب قيم ثورجية أو عضوًا في الحزب أو أشيد (اتحاد الشباب اليمني الديمقراطي) أو غيرها من الأشكال النضالية القائمة آنذاك، ولم يكن معروفًا عنه نزوعه إلى أي معطيات التجربة التقدمية القائمة آنذاك في الجنوب (جمهورية اليمن - الجنوبية أو الديمقراطية الشعبية)، فقد عرف عنه عزوفه التام عن أي معطيات مما ذكر، وكان في حياته وفي عمله في الإعلام بالإذاعة والتلفزيون شخصًا حياديًّا، منتصرًا لذاته الإبداعية، ومعبرًا عن ذات مستقلة في كل المراحل منذ الاستقلال حتى يوم وفاته.

حين سقط الجسد متثاقلًا ومرتجفًا ومتمارضًا في مهاوي الصدام مع واقع الحياة، كانت الروح باقية على عافيتها؛ لأنها مصدر إلهام جديد للبقاء حيًّا حتى تمر على أشواك هذا الزمان المر.

لكنه في المقابل، كان هو ابن المرحلة التي عاش في خضمها وتأثر بقيمها التقدمية التي تنتصر للحرية والفقراء والكادحين وحرية الإبداع، وتشرّب كثيرًا من القيم الإنسانية التي كانت مركز تفكيره.

ومن هنا كانت صدمته الحضارية مع ثقافة الفيد وحياة الاستهلاك والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي التي جلبتها حرب صيف 1994.

من قبل كان عدنيًّا بالمعنى المدني ولا يتلاقى مع ثقافة العنف الثوري أو الاجتثاث الثقافي التي طالت بعد الاستقلال الوطني، عددًا من كبار السياسة والثقافة والأدب والشعر.

فهو ابن عدن الثقافة والتنوع والتسامح والثراء الإنساني، وظل وفيًّا لهذا المعتقد المدني، ويكره الحرب والتعصب والقبلية والنزعات الثورجية المتطرفة، بل كان حالمًا بأهل وتراث عدن وتفصيلات أماكنها من البحر والساحل والجبل إلى السوق والمسجد وكل ما يمت لعدن ومدينة كريتر (صيرة). وكل هذه التفصيلات جسّدها في شعره.

ومن الناحية الإبداعية كان أقرب إلى تراث الشاعر العدني الكبير لطفي جعفر أمان في غنائياته رغم مفارقته له في طريقة الكتابة الشعرية وأسلوب التناول.

فهو مثلًا، أخذ من لطفي أمان استدعاءه التفصيلات المكانية العدنية، مثل: صيرة، العيدروس، شمسان، الزعفران، إلخ. كما اقترب منه في شعره الغنائي من حيث استدعاء اللهجة العدنية في نصوصه. وبالمجمل كان السقاف متواصلًا مع التراث العدني وأعلامه، ولهذا تفصيل يطول الحديث عنه.

مقاومته الناعمة لضعفه الكامن في جسده

القوة المعرفية التي كانت تشتعل في رأس السقاف وعقله وتتحول إلى كلمات شعرية غنائية ذات نفحة صوفية، هي التي كانت تخفف من اصطدامه بقبح الحياة اليومية ومشاغلها التافهة.

وحين سقط الجسد متثاقلًا ومرتجفًا ومتمارضًا في مهاوي الصدام مع واقع الحياة، كانت الروح باقية على عافيتها؛ لأنها مصدر إلهام جديد للبقاء حيًّا حتى تمر على أشواك هذا الزمان المر.

ودليل ذلك قوة الشعر في المبنى والمعنى الذي يجافي تهاوي الجسد وسقوطه بين علب الأدوية وأوهام المرض الجسدي.

الشاعر المرهف الرقيق الإنساني لم يقوَ على مجاراة الحياة اليومية، ومسايرة عبثها من سياسات متطرفة وطائشة، ومن صراعات ودماء على الأرض، ومن قلة حيلة في عدم مجاراة التبدل القيمي التي أحدثته (الوحدة) ومآلاتها في حرب صيف 94، وانهيار القيم الطوباوية وبزوغ القيم الاستهلاكية والنفعية وثقافة الفيد، وكل الاضطرابات الداخلية التي صارت تهدد الهدوء النفسي المتناغم مع ذاته ليحل محله ثقافة (جري الوحوش) التي لا يمتهنها الشاعر ولا هي من مكوناته.

كل تلك العوامل وغيرها، ساهمت في اصطناع صراع داخلي ونفسي للشاعر السقاف، وفي هذه المعركة غير المتكافئة أدواتها وشخوصها، سقط الجسد وبقيت الروح.

انهار عبدالرحمن الإنسان الطيب الودود، ولم يبقَ من صموده المتهاوي جسدًا سوى قوة الكلمات التي يصوغها شعرًا نقيًّا. حتى كانت الصدمة الكبرى في حرب 2015، التي أحرقت ما تبقى من صموده المذهل طوال السنوات الماضية، وجاوزت آخر متاريس المقاومة النفسية والوجودية لتصيب قلبه برصاصة رحمة لا يلقّاها إلا الشعراء الإنسانيين أمثال عبدالرحمن السقاف، المنهك جسدًا والصامد روحًا وشعرًا حتى آخر قطرة روح مكافحة.

كانت الحرب بأهوالها وأزيزها ودماء معتركيها وأخبار الموت والدمار وحطام الخراب، رصاصة رحمة بشعة وقاسية أطلقها ممتهنو الحرب في صدر أرق وأرهف من في الأرض: عبدالرحمن السقاف.


•••
نجيب مقبل

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English