"سُبَيْلةُ" الحَب في التداول الشفاهي وسط اليمن

التعبير عن الفرادة والخير والصفات النادرة
عبده منصور المحمودي
December 25, 2020

"سُبَيْلةُ" الحَب في التداول الشفاهي وسط اليمن

التعبير عن الفرادة والخير والصفات النادرة
عبده منصور المحمودي
December 25, 2020
© محمد المخلافي

 كغيره من أهالي القرية، انصدمَ الحاج محمد، بخبر وفاةِ الشاب خالد، الذي ارتقت روحه إلى السماء إثر حادثٍ مروري مُرَوِّع أسفر عن حالتي وفاة وخمس إصابات. انصعق الحاج محمد بالنبأ، ومثله انصعق مَنْ في مجلسه، تأوه بحزنٍ وحسرة متحدثاً معهم: خالد في أسرته "كان السُبَيْلةْ دِيْ بِهْ أحَّبْ!!". لقد استدعى هذه المقولة من التداول الشفاهي ليعبر بها عن الفرادة في شخصية خالد، وعن فداحة الخسارة المترتبة على وفاته.

   لهذه المقولة حضورها التداولي، في المقول الشفاهي للمديريتين: (ماوية) من محافظة تعز، و(الحشأ) من محافظة الضالع، مع امتدادٍ متفاوتٍ لهذا التداول، في أجزاء من المديريات المتماسة معهما.

   يأتي لفظُ (السُبَيْلَةْ) صيغةَ تصغيرٍ للفظ (السَّبُوْلَة)، و(السَّبُوْلَةُ) صياغةٌ محكيّة منحدرة من الجذر الفصيح: (سُنْبلة)، وقد طرأ في هذه الصياغة على الجذر الفصيح تحويرٌ فرضته نواميس المحكية اليمنية، التي تحيل فيها (السبولة) على "سنبلة الذرة البلدية خاصة"(1).

    وتظهر خصائص المحكية في جغرافية التداول لهذه المقولة؛ فنجدها في تسكين الصوت الأخير من الكلمة: (التاء المربوطة) من "السبيلةْ"، و(الياء) من "دِيْ"، و(الهاء) من "بِهْ"، و(الباء) من "أَحّبْ". مع خاصيةٍ جزئيةٍ ظهرت في ضمير الهاء المؤنث المتصل في شبه الجملة (بِهْ)، متمثلةً في حذف الفتحة الطويلة (الألف) من هذا الضمير: (به/بها).

    كما تتجلى تلك الخصائص، في اختفاء صوت (أل) التعريف القمرية من (أَحَّب/الحَبّ)، وتحويرها إلى (أل) التعريف الشمسية غير المنطوقة، مثلها مثل (أل) التعريف في (السُّبيلة).

   واتسم اللفظ (دِيْ) بتلك الخصائص، التي تظهر في دلالته على اسم الإشارة المذكر والمؤنث والجمع على حدٍّ سواء، حيث كان المفرد المؤنث هنا هو ما يشير إليه. كما تظهر تلك الخصائص في حلول صوت (الدال) محل صوت (الذال) في صيغته الفصحى (ذي/الذي).

      مهادُ التَّخَلُّقِ الأول لهذه المقولة هو البيئة الزراعية، التي تمثل أهم ملمحٍ من ملامح حياة الإنسان اليمني، وقد استقام في هذه المقولة معناها إحالةً على الفرادة في سنبلةٍ من سنابل حقلٍ زراعي، هذه الفرادة التي تمحورت في (الحَبّ) ثمراً للسنبلة التي تتميز به عن غيرها، من سنابل الحقل، التي تفتقد لمثل هذا التميز.

     وقد أصاب تتابعُ الزمن ومستجداتُ الحياة إحالةَ هذه المقولة على مهادها الأول بالتقلص المتنامي، لكن ذلك لم يفرغها من حيويتها الدلالية والتداولية، فقد ظلت من مكونات المقول الشفاهي الذي خصّبها بفضاءاتٍ جديدة، وأحال بها على معنى التفرد والتميز كسمةٍ بارزة في الشيء/ الشخص الذي يدور حوله حديثُ المقام، لتفرُّده بأفضليةٍ ملموسة، وبذلك شملت الإحالة في المقولة الإنسان والأشياء، مع غلبةٍ واضحةٍ لدلالتها على الإنسان باطرادٍ متنامٍ حد القول إن الندرة هي ما يُنتظر إحالاتها على غير الإنسان.

     وفي نسقية الإحالات على الإنسان، انفتحت دلالة المقولة على التنوع في السمات المميزة لشخصيةٍ معينة قياساً بدائرتها الاجتماعية، وفي الفضاء الاجتماعي الذي تحيط به الشخصية المتفردة التي تحيل عليها. تتمدد دائرتها الاجتماعية؛ فنجدها في أول أشكالها دائرةً محدودةً تضمُّ أفرادَ أسرةٍ صغيرة، يكون أحد الإخوة فيها هو الشخصية المميزة في فضائها الاجتماعي. 

    كما نجد هذه الدائرة متمددةً اتساعاً تشمل به عائلةً من العائلات، فتكون فيها الشخصية المتفردة واحدًا من أفراد هذه العائلة، بغض النظر عن عمره، وعن توصيف قرابته فيها. ويغلب في هذه الحال أن تحظى هذه الشخصية باحترامٍ اجتماعي، كما أنها تحظى بتعاملٍ مختلف عن المعاملة التي يتم التعامل بها مع بقية أفراد عائلته. ومن يلحقْهُ ضررٌ أو أذىً من أفراد هذه العائلة، فلن يجد تَفَهُّمًا لما لحق به أكثر مما سيجده عند الشخصية المتفردة في العائلة، والتي ستستخدم تأثيرها على الفرد الذي ألحق الضرر بغيره، وستصل إلى تسوية المشكلة تسويةً ودية.

عكست الذهنية الاجتماعية، بتداولها الشفاهي لهذه المقولة، محدوديةَ ثقافةِ الوفرة، وهيمنة ثقافة القلة السائدة في الحياة اليمنية: قلة الثمر، والنفع، والإيجابية. بدءً من محدودية السنابل المثمرة بالحَب، وليس انتهاءً بقلة الشخصيات ذات النفع والإيجابية في الواقع اليمني الحديث والمعاصر.

   وتنامياً لماهية الاتساع في هذه الدائرة الاجتماعية- التي تنبثق منها المقولة وتصب فيها- يأتي شمولها لقبيلة الشخصية المتفردة، فيغلب على هذه الشخصية أن تحظى بوجاهةٍ اجتماعيةٍ تؤهّلُها لأن تتقدم القبيلة في أي خلافٍ من خلافات أفرادها مع شخصٍ منتمٍ إلى قبيلةٍ أخرى.

    ولا يقف هذا الانفتاح الدلالي عند هذا الحد، بل من ممكناته تجاوز الانتماء الأسري والعائلي والقبلي، ليشمل عدداً من هذه المحاور في محيطٍ جغرافيٍّ محدد، يكون في الغالب: (قرية/عزلة)، تُحاطُ فيه الشخصية المتفردة بميزات الوجاهة والاحترام الاجتماعي.

    تتعدّ سمات التميز والفرادة التي تؤهل الشخصية إلى هذا المستوى من الحظوة بهذه الإحالات الشفاهية، وتختلف هذه السمات باختلاف محيط الشخصية الاجتماعي، وتنوعه، وتفاوت مستوى التقدم فيه. ومن هذه السمات: الكرم، النزاهة، الأخلاق، الشجاعة، احترام الآخر، الإنصاف، تقديم العون، المستوى العلمي والثقافي،...إلخ.

    وفي دلالات المقولة يبدو نوعٌ من الإشارة إلى اختصاص هذه الشخصية دون غيرها بسمات التفرد، وقد يكون لهذه الإشارة ارتباطٌ واقعي بما تشير إليه- على ندرته- لكن تكثيف المعنى في المقولة، وفي ذهنية مجتمعها، تكثيفاً متضمناً هذا النفي الضمني لإمكانية اتسام شخصيةٍ أخرى بسمات الفرادة، هو الذي رسَّخَ في المقولة دلالتها على هذه الضمنية.

    وبملامسةٍ واقعيةٍ لارتباطِ دلالاتِ المقولةِ بما تحيل عليه، يتضح أن ذاك النفي الضمني في حكم المحدود؛ لأن الذات الإنسانية خليطٌ من الخير والشر في أي مجتمع، وتأسيساً على ذلك، فمن غير الممكن أن ينحصر الخير المطلق في هذه الشخصية المتفردة. وبمعنىً آخر، فإن للخير تمظهراتٍ عند أفرادٍ آخرين من مجتمع الشخصية المتفردة، لكنه تمظهرٌ نسبيٌّ لا يرتقي بصاحبه إلى التربع على هذه الميزة الاحتفائية بإحالات التفرد عليه.

   وبذلك، فَتَنَوّعُ تمظهراتِ سماتِ التفردِ والإيجابية والخير، في شخصيةٍ ما، هو ما يؤهلها لأن تكون في هذا المستوى من المكانة الاجتماعية، التي يُخَصُّ صاحبُها فيها بإحالات المقولة ودلالاتها عليه.

     قد تتردد هذه المقولة للدلالة على الفرادة والتميز؛ وصفاً لشخصيةٍ معينةٍ ما زالت على قيد الحياة، لكن تداولها الشفاهي يغلب عليه أن يستأنس بها حينما تفارق هذه الشخصية الحياة، ويكون التعبير أكثر تمزقاً وتأوهاً حينما تُنْتزعُ من هذه الشخصية حياتُها انتزاعاً، وهي في أوج عنفوانها وعطائها.

     لقد عكست الذهنية الاجتماعية، بتداولها الشفاهي لهذه المقولة، محدوديةَ ثقافةِ الوفرة، وهيمنة ثقافة القلة السائدة في الحياة اليمنية: قلة الثمر، والنفع، والإيجابية. بدءً من محدودية السنابل المثمرة بالحَب، وليس انتهاءً بقلة الشخصيات ذات النفع والإيجابية في الواقع اليمني الحديث والمعاصر.

   واستضاءةً بأول مهادٍ للمقولة- الزراعة- يمكن استشفاف أسباب هيمنة ثقافة القلة ومظاهرها الحياتية، فيأتي في مقدمتها الجفافُ ذا فاعليةٍ محورية مُسْفِرةٍ عن قلةِ هذه النوعية من السنابل، لكنه ليس السبب الوحيد في هيمنة القلة، فالبيئة الزراعية تتمخض عن أسبابٍ أخرى متناوبة مع هذا السبب، أو متماهية فيه. منها تذبذبُ مستوياتِ الخصوبةِ في تربة المزرعة، والذي ينعكس على مستويات النضج في محصولها، الذي يتذبذب بين سنابلَ مثمرةٍ بالحب، وسنابل غير مثمرة. ولا يصل إلى مستوى النضج المثمر حَبّاً إلا سنبلةٌ محظوظةٌ بنموها في منبتٍ أكثر خصباً ورواءً في المزرعة.

     ويأتي من تلك الأسباب، تفاوتُ مستوياتِ الجودة في حراثةِ المزرعة، من موضعٍ إلى آخر؛ فحيثما يكون مستوى الجودة عالياً تظهر هذه النوعية من السنابل، وحيثما يصيب العاملين الكسلُ وينخفض مستوى جودة حراثتهم تختفي السنابل المثمرة.

     ويبدو أن هذه الأسباب المرتبطة بتذبذب خصوبة تربة المزرعة، أو بتفاوت مستويات الجودة في حراثتها، هي الأسباب الأكثر ملازَمةً لهذه المقولة في انطلاقتها الدلالية على الإنسان؛ حيث تتذبذب كلُّ دائرةٍ اجتماعية ومكانية بين الخصوبة المعرفية والفكرية والثقافية، وبين مستوياتٍ متفاوتةٍ من هذه الخصوبة. كما تتنوع بين بيئةٍ تحظى بالعمل المخلص من أفرادها على ارتقائها ورخائها، وبين بيئةٍ يضرب التواكل مفاصلها وتستبد اللامبالاة بها. فبيئة الدائرة الإيجابية تثمر شخصيةً متفردة فيها، والبيئة السلبية لا تساعدها خصوصيتها على مثل هذا الإثمار. وإن كان للاستثناء فاعليةٌ تتجاوز مثل هذه المحددات الدلالية والواقعية، بل قد يصبح الاستثناءُ قاعدةً والقاعدة استثناءً.

هامش:

(1 ) مطهر علي الإرياني، "المعجم اليمني (أ) في اللغة والتراث، حول مفردات خاصة من اللهجات اليمنية"، دار الفكر، ط1، دمشق، 1417هـ ـ 1996م، ص: (423).

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English