اليمنيون في العالم الافتراضي

اللجوء لمواقع التواصل الاجتماعي؛ كسب استعطاف أم قلة حيلة؟!
وفاء سليم
August 16, 2021

اليمنيون في العالم الافتراضي

اللجوء لمواقع التواصل الاجتماعي؛ كسب استعطاف أم قلة حيلة؟!
وفاء سليم
August 16, 2021

نالت وسائل التواصل الاجتماعي رواجًا فعليًّا في اليمن مع بدء ثورة فبراير عام 2011، لمواكبة الأحداث السياسية في البلاد حينها، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي آنذاك أشبه بحلبة مصارعة لمؤيدي ومناهضي النظام السابق، إلا أن مسارها تغير، وخلقت واقعًا إلكترونيًّا يوازي الواقع العام في الآونة الأخيرة، تزامنًا مع اشتداد النزاعات الداخلية.

وقامت بخلق ساحة يمنية ذات أهمية كبيرة نزح إليها الملايين من اليمنيين بعد أن أُغلقت في وجوههم كل الأبواب وعاشوا في عزلة عن العالم، فزادت قوة وسائل التواصل الاجتماعي بشكل ملحوظ في ظل تغيب الدولة الواحدة في اليمن، فلجأ إليها الكثير للبوح عما في داخلهم بسبب الضغوطات التي يواجهونها نتيجة لتصاعد الصراعات السياسية في البلد والتي ساهمت في تردي الأوضاع الاقتصادية وتزايد في انتشار البطالة.

في حين اتخذ البعض الآخر منهم مواقع التواصل الاجتماعي لطرح قضاياهم بعد أن وصلوا لطريق مسدود على أرض الواقع، وطرف ثالث اتخذ من مواقع التواصل الاجتماعي ملاذًا للتسلية وقضاء وقت الفراغ.

تغريدات ومنشورات بالصوت والصورة، طرحت قضايا لامست المجتمع اليمني ولاقت مساندة وتعاطفًا شعبيًّا استمر للضغط على الجهات المعنية لأخذ القرار، وتداولها ناشطو مواقع التواصل الاجتماعي لتصبح قضايا رأي عام وأخرى انتهت على المواقع بعد أيام دون جدوى.

ترى الأغلبية، حسب الاستبيان الذي قامت به "خيوط" أن مواقع التواصل الاجتماعي قد تحل محل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بنسبة 9, 52%، بسبب قربها الكبير من المجتمع اليمني، خاصة بعد أن امتلكت سلطة تجاوزت السلطة الرابعة في التأثير العام والضغط على صناع القرار

ويبقى التساؤل المطروح: هل سيلجأ اليمنيون في المرحلة القادمة لرفع قضاياهم على الشبكة العنكبوتية لإثارة الرأي العام والضغط لنيل حقوقهم بعد أن هرموا وضاقت بهم السبل، والبعض منهم اتخذ وسائل التواصل وسيلة للإساءة للآخرين وممارسة النقد بحق وبدون حق لدرجة التحريض في بعض الأحيان.

سلطة أولى

يعيش الكثير من اليمنيين لساعات طويلة متنقلين بين مواقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك/ تويتر/ سكايب، والتي أتاحت لهم الاتصال مع الآخرين بكل سهولة ويسر وجعلتهم يتجاوزون الحصار الذي فرضته عليهم الحرب في السنوات الأخيرة.

حيث تحولت مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك، من وسيلة للتعارف والبحث عن الأصدقاء ونشر الحياة اليومية العادية إلى وسيلة لنشر بعض القضايا والأحداث والمستجدات الساخنة في اليمن.

وذلك ساعد في فتح أبواب جديدة، وظفها البعض لنشر القضايا الإنسانية المغيبة عن المجتمع اليمني؛ نتيجة لعدم تسليط الضوء عليها من قبل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة اليمنية، والتي تركت مساحة كبيرة للجانب السياسي، ولم تظهر بعض القضايا إلا بعد أن طُرحت في مواقع التواصل الاجتماعي وصارت هاشتاغات يتداولها الجميع على حساباتهم.

ويعود ذلك، حسب قول الإعلامي صلاح الصباحي إلى أن "القنوات الإعلامية لا تضمن أن تلقى تفاعلًا واستجابة من الجمهور لقضية فردية أو مطالبة لحق إلا بعد إثارتها في مواقع التواصل الاجتماعي لترى مدى صداها واهتمام المتابعين بها، كما أن غالبية القنوات تتبع جهات مختلفة؛ لذا تخاف من تهمة الانحياز فتفقد مصداقيتها لدى جمهورها".

وترى الأغلبية، حسب الاستبيان الذي قامت به "خيوط"، أن مواقع التواصل الاجتماعي قد تحل محل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بنسبة 9, 52%، بسبب قربها الكبير من المجتمع اليمني، خاصة بعد أن امتلكت سلطة تجاوزت السلطة الرابعة في التأثير العام والضغط على صناع القرار في أغلب الأحيان؛ بينما يرى البقية 1, 47% أن وسائل الإعلام ما زالت محافظة على مكانتها. من جانبه أكمل صلاح الصباحي القول: "قد تحتل مواقع التواصل الاجتماعي مكانة كبيرة إلا أنها لن تحل محل القنوات الإعلامية التي تم تأسيسها منذ سنوات طويلة، خاصة أن علاقة المجتمع اليمني ما زالت متمسكة بالتلفزيون والإذاعة في سماع آخر الأخبار".

وقد حظت بعض القضايا بتفاعلٍ على مواقع التواصل الاجتماعي؛ أدى ذلك إلى الحسم فيها وإنصاف ذويها، كان أبرزها قضية الشاب الأغبري التي أثارت ضجة شعبية في الشارع اليمني بعد أن تناقلها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك، حيث تم القبض على الجناة وإصدار حكم بحقهم.

هاشتاغات لا تكفي

لا تزال الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة اليمنية محل جدلٍ كبيرٍ حتى على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تصدرت هاشتاغات قضايا المرأة اليمنية رأس الهرم في مواقع التواصل الاجتماعي وساهمت في بعض الأحيان بمساندتها، رغم اختلاف وجهات نظر رواد المواقع الاجتماعية بين مؤيد ومعارض لهذه القضايا، كان أهمها قضية الشابة العنود شريان، التي تشوه وجهها وفقدت إحدى عينيها مطلع فبراير/ شباط، بعد أن سكب عليها طليقها مادة حارقة ثم لاذ بالهرب، إلا أن الحملات الإلكترونية المطالبة بالقبض عليه استمرت عبر وسوم "# اشتي-حقي"، و"نطالب-بحق-العنود"، غرد بها ناشطون على تويتر، وقام بنشرها وتداولها العديد من رواد فيس بوك، حتى تم إلقاء القبض عليه من قِبل عناصر الشرطة اليمنية في محافظة صعدة (شمال العاصمة صنعاء).

ومن جانبها قالت د. سعدية، استشارية نفسية، إن العديد ممن يتعرضن لانتهاكات، خاصة التعنيف الأسري من ضرب وإيذاء، يبحثن عن الأمان والشعور بالاهتمام؛ لذا لو وجدن في مواقع التواصل الاجتماعي إنصافًا وتحقيقًا للعدل فسيلجأن لنشر قضاياهن للحسم فيها؛ لأن ذلك سيكون أسرع من الانتظار لمراكز الشرطة وجلسات المحاكم. 

وبالرغم من إثارة مواقع التواصل الاجتماعي لبعض القضايا التي تُظهِر انتهاكات تتعرض لها العديد من النساء، آخرها قضية الطبيبة منيرة الحداد التي قُتِلت مع طفلتها البالغة من العمر 5 سنوات، في منتصف يوليو/ تموز على يد زوجها بسبب خلاف على حضانة أطفالها، إلا أن هاشتاغا: "#كلنا-الدكتورة-منيرة-الحداد"، و"#اعدام-الجاني-مطلب-أكيد"، لم يلقيا صدى كبقية القضايا السابقة رغم بشاعة الحادثة.

لا يملك عصا سحرية

وفي الوقت الذي باتت فيه بعض النساء اليمنيات خارج حدود البلاد يطالبن بحقوقهن على مواقع التواصل الاجتماعي بكل حرية، يتم تسليط الضوء عليهن في الشبكة العنكبوتية ومن قنوات إعلامية عربية وعالمية بعد إثارتهن للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يراه البعض مبالغًا فيه؛ كـ"أمينة علي" التي ظهرت بفيديو تدعي أنها تعرضت للقمع من قبل أهلها الذين أجبروها على الزواج بابن عمها الذي يكبرها بسنوات، واستمرت في تعرضها للاضطهاد والاعتداء الجسدي والجنسي منه ومن جميع أفراد العائلة، فهربت إلى مصر وقام أصدقاؤها بتفعيل هاشتاغ: "#إنقاذ-أمينة" بعد أن طالبت باللجوء لأي دولة توفر لها الحماية.

تتحدث الأخصائية الاجتماعية فاطمة صالح، عن ضعف الاهتمام من قبل الأسرة والحرمان من الحب والحنان، والتأثير الخارجي من المشاهير ومحاولة تقليدهم، ونظرة المجتمع المحيط للفتاة تحديدًا على أنها زائدة في هذه الحياة، دون تشجيعها على ممارسة هواياتها، إضافة إلى الكبت نتيجة العادات والتقاليد التي قيدت الشبان والفتيات وحرمتهم من ممارسة الحق في ميولهم لمواهبهم وتنميتها

لم تكن تلك المرة الأولى التي تظهر فتاة يمنية في الخارج وتقوم باستغاثة ومناشدة المنظمات لحمايتها، فقد سبقتها حياة الريامي التي ظهرت بفيديو على تويتر وناشدت المنظمات أن توفر لها الحماية بسبب تعرضها لتهديد من قبل طليقها بأخذ طفلها وترحيلها إلى اليمن، فتوافد ناشطون على نشر هاشتاغ #أنقذوا حياة، وما هي إلا أشهر وأطلت بصورة جريئة من السويد.

حيث يرى الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي أن هناك من يستغل منصات التواصل الاجتماعي لاستعطاف الرأي العام لأسباب شخصية، وساهم في ذلك أزمة اليمن السياسية.

وذلك إثر على قضايا المرأة الإنسانية سلبًا بنسبة 60,4% حسب الاستبيان الذي أجرته "خيوط"، فهناك تراجع من قبل أُخريات مُنعن عن التعبير رغم تعرضهن للانتهاكات من تعنيف وقمع وإساءة؛ خوفًا من الانتقاد على شخصها أو ما تواجهه من معاناة، وبرغم أن الواقع الافتراضي يؤثر على الشارع العام إلا أنه لا يملك عصا سحرية لتقييم من يستحق المساندة والتعاطف ومن لا يستحق، ولن يستطيع تغيير أنماط المجتمع وسلوكه في ظل تغيب قوانين رادعة وحاسمة تطبق على أرض الواقع.

عالم افتراضي

أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في فتح بوابة للشباب للتعبير عن ذواتهم وأفكارهم وإظهار مواهبهم، لكنها أيضًا جعلتهم هدفًا سهلًا، وعرضتهم لمخاطر سوء استعمال منصات التواصل الاجتماعي من إدمان وتنمر وانتقادات قادتهم للإصابة بالاكتئاب أحيانًا، خاصة بعض الفتيات اللواتي هربنَ من واقعهن الحقيقي إلى العالم الافتراضي أمام شاشة إلكترونية تظهر فيها جرأة تتنافى مع القيم الإنسانية والدينية متحدية الأعراف والتقاليد، تزامن ذلك مع ظهور المنصة الأكثر شعبية Tik Tok، وهي خدمة شبكة اجتماعية منشؤها الصين، تستخدم لمشاركة مقاطع فيديو قصيرة؛ مما ساعدهن على الانتشار بشكل أوضح مثير للجدل، واكتفى بعض ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي بانتقادهن والسخرية منهن للحصول على متابعات أكثر دون مراعاة لأساليب النصح والتوعية.

ويعود ذلك، وفق الأخصائية الاجتماعية فاطمة صالح، إلى ضعف الاهتمام من قبل الأسرة، والحرمان من الحب والحنان، والتأثير الخارجي من المشاهير ومحاولة تقليدهم، ونظرة المجتمع المحيط للفتاة تحديدًا على أنها زائدة في هذه الحياة، دون تشجيعها على ممارسة هواياتها، كما قالت الأخصائية الاجتماعية فاطمة صالح، إضافة إلى الكبت نتيجة العادات والتقاليد التي قيدت الشبان والفتيات وحرمتهم من ممارسة الحق في ميولهم لمواهبهم وتنميتها.

وقد حذرت دول عربية وعالمية من التطبيق، إلا أن اليمن لم تعره أي اهتمام، علمًا بأنه يمكن اختراق هذا التطبيق واستغلال مستخدميه، وهذا يعكس مدى قلة الوعي في اتخاذ إجراءات الحماية لخصوصية رواده الشخصية.


•••
وفاء سليم

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English