عبد الرحمن الحرازي وسيرة الظل (8)

حملة علي السلال على آنس وأزمة الصف الجمهوري ومظاهرات صنعاء!
محمد عبدالوهاب الشيباني
April 29, 2021

عبد الرحمن الحرازي وسيرة الظل (8)

حملة علي السلال على آنس وأزمة الصف الجمهوري ومظاهرات صنعاء!
محمد عبدالوهاب الشيباني
April 29, 2021

في مطلع العام 1965 تزوجت للمرة الأولى من امرأة من نفس العائلة، وصادف بعدها بقليل خروج حملة عسكرية إلى آنس (إحدى مناطق محافظة ذمار) بقيادة نجل رئيس الجمهورية، علي عبدالله السلال، لإخضاع بعض الأسر الهاشمية التي راج أنها لم تزل "مُمَيْلِكة" وتدعم نشاط الملكيّين بالأموال والرجال، وإن شخصاً من قرية (المرون) ذات الأغلبية السكانية الهاشمية، أدعى الإمامة لنفسه. 

وصلت الحملة إلى (مخلاف حمير) والمخاليف القريبة، وكان مرشدها الشيخ البخيتي الذي أطلق رجاله على سكان القرى، وأرادوا نهب البهائم في قريتنا. تصدينا لهم بالرصاص، فطلبوا التفاهم معنا، وكان شرطهم لإيقاف اقتحام القرية (خرابة الحرازي) هو أن نُحضِر لهم المَرْوَني الذي ادعى الإمامة، فقلنا لهم هذا يسكن في منطقة أخرى، وبإمكان بعض العساكر الذهاب إلى الموضع الذي يقيم فيه وإحضاره، وبالفعل ذهبوا واحضروه مع مجموعة من المشايخ من بيت السلامي، وبيت العامري، وبيت المقداد من نواحي آنس، ثم قاموا بربطهم وأخذهم إلى صنعاء، بعدما أتجه علي السلال جنوباً وفي الغالب إلى تعز أو إب. المهم في الأمر أنه حينما وصل المعتقلون إلى نقطة عسكرية في شارع تعز في مدينة صنعاء على ظهر سيارة عسكرية، تم اطلاق الرصاص عليهم وقتلهم جميعاً، وبعد هذه الحادثة انقلبت آنس رأساً على عقب، وانظم كثير من أبنائها بشكل صريح إلى الملكيين، وبعض مقاتليهم صاروا قادة عسكريين كبار في صفوف الملكيين، وأبرزهم (قاسم سُقل) الذي قتُل لاحقاً على أيدي طلاب الكلية الحربية، بالقرب من جبل "نُقُم" وهو يحاول مع جنوده اقتحام مواقع الجمهوريين أثناء حصار صنعاء أواخر العام 1967. وبسبب مقتله فقد الملكيون واحداً من أشرس مقاتليهم، وكان يشكل مع قاسم منصّر أحد أهم أعمدة قوات الملكيين في فترة حصار صنعاء.

جنود مصريين في اليمن

عرفت قاسم سُقل باكراً، حينما كان يأتي مع والده الفلاح حاملين غلال أرض آل الحرازي في وادي الفضلي من البن والحبوب، فقد كان الفلاحون في تلك المناطق يعملون كشركاء في اقتسام الغلال مع الملاك الأصليين بعد ان يقوموا بفلاحتها وزراعتها في المواسم، وتبقى تحت أيديهم لسنوات طويلة، حتى أن بعضهم قاموا بتملكها نتيجة تغير بعض الظروف.

وأتذكر في أحدى المرات وكنت عائداً مع أخوة وأبناء عمومة لي إلى صنعاء، وكان ذلك في الغالب في منتصف العام 1965، وكنا ببنادقنا ومعروف عنا أننا جمهوريون، وكانت المنطقة مشتعلة، والقوات الملكية بقيادة سُقَل مسيطرة على مرتفع يطل على أطراف منطقة "مَعْبَر"، والقوات الجمهورية متمركزة في الجهة المقابلة، فكنا نخشى أثناء مرورنا من الطريق الاعتيادي أن تصطادنا رصاصات أحد الفريقين، فاخترنا طرقا بعيدة ونائية، غير أننا تفاجأنا بمجموعة من المسلحين القبليين الذين ينتمون لقرى آنس، يطلبون منا التوقف للتحقق من شخصياتنا، وحين عرفوا أننا من بيت الحرازي قاموا بإبلاغ قاسم سُقَل الذي كان في موضع قريب، ولم يعد المبلِّغ لوحده، بل عاد مع مجموعة من المسلحين القبليين بعد وقت ونحن واقعين فريسة لهواجس سوداء. كانت تتقدم الرسول ومن معه، "طاسة ومرفع" وتصدح حناجرهم بالزوامل. حينما رأيناهم من بعيد قلنا هذه نهايتنا، وأنهم يحتفلون بطريقتهم الخاصة بالقبض علينا، خصوصاً ونحن معروفين بأننا جمهوريين وسبتمبريين ومعنا أسلحتنا وذاهبين إلى صنعاء. وحينما وصلوا بطاستهم قال رئيس المجموعة أنتم ضيوف القائد، فقلنا نحن على عجلة من أمرنا، ويتوجب علينا الوصول إلى "معبر" بأقرب وقت حتى نتمكن من اللحاق بسيارات النقل التي سنستقلها إلى صنعاء قبل حلول المساء. لكنه قال أنه قد أمر بذبح "طلي" (خروف) وأرسل من يأتي بقاتكم من مزارع قريبة. فرضخنا للأمر، ثم نقلونا إلى "مقهاية" قريبة (نُزُل على الطريق)، قام صاحبها مع زوجته وابنته بتحضير الغداء المكون من السلتة والفتة والخبز. لم يحضر قاسم سقل المأدبة التي أولمها لنا، متحججاً، عبر أحد جنوده، بانشغاله بموضوع مهم في منطقة أخرى. جيء بالقات فجلسنا قليل من الوقت معهم، وحينما هممنا بالمغادرة قام مجموعة من الجنود بمرافقتنا إلى آخر نقطة في حدودهم، وكانوا "يخاللوننا" (يسيرون بموازاتنا) في صفين متقابلين، لتوفير كامل الحماية لنا . كان من محاسن الصدف بعد وصولنا معبر قبل المغرب بقليل أن "بابوراً" عتيقاً (شاحنة) لنقل البضائع جاء من نواحي مدينة ذمار، فصعدنا عليه، وعانينا الأمرين لكي نصل إلى صنعاء، التي دخلناها فجراً، بعد أن اضطررنا لأكثر من مرة من التوقف لأعطال كانت تصيب (الأنترناش) الهرِم. وإلى الساعة لم أجد تفسيراً للموقف النبيل الذي سجله سُقل معنا في ذلك اليوم.

جمال عبدالناصر مع شيخ قبلي

 كانت صنعاء وقتها تغتلي تماماً، فالخلافات بين السلال وخصومه من الصف الجمهوري قد بلغت ذروتها، وعبّرت عنها استقالة حكومة الاستاذ أحمد النعمان، بعد أن رفض المصريون دعمها بحجة أنها تظم في قوامها شخصيات بعثية أمثال وزير الخارجية محسن العيني، وما تلى ذلك من تشكيل حكومة جديدة برئاسة العمري لم يرض عنها الخصوم ، ثم ذهاب مجموعة من المشايخ المحسوبين على الصف الجمهوري إلى السعودية للقاء الملك فيصل في مقره الصيفي في الطائف منهم: سنان أبو لحوم، وعلي ناجي القوسي، ونعمان بن قائد بن راجح، وأحمد علي المطري، وقد اتفقوا مع الملكيين المقيمين في السعودية على جملة من البنود التي تحدد شكل الحكم وطبيعته. وقد عرفت تلك التفاهمات باتفاقية الطائف، وكان من أبرز بنودها (إقامة دولة اليمن تحت اسم الدولة اليمنية الاسلامية، وتقوم على أحكام الشريعة الاسلامية).

عند عودة السلال من القاهرة، هدد حسن العمري بقصف المطار، لكن قائد القوات المصرية طلعت حسن هدده بإحراق أي دبابة تتحرك، وبعد وصول الرئيس تم إعدام محمد الرعيني وهادي عيسى والشيخ علي محسن هارون وآخرين، بتهمة التخابر مع إسرائيل، والتآمر مع الملكيين 

بعد هذه الحادثة جاء القرار الصاعق من القيادة المصرية بإبرام اتفاق مع السعودية بشأن الحرب في اليمن، عرفت بـ"اتفاقية جدة"، التي رأى فيها الصف الجمهوري انتصاراً للسعودية الداعمة للملكيين، لأنها اشترطت انسحاب القوات المصرية من اليمن مقابل ايقاف السعودية دعم الملكيين. وقد نظم الصف الجمهوري الموالي للسلال مؤتمراً شعبياً عُرف بـ(مؤتمر الجند) في تعز، شاركتُ فيه مع مجموعة من طلاب المدرسة، أكد على تمسكه بثوابت الثورة والجمهورية، في ردٍ على "اتفاقية جدة". بعد هذا المؤتمر استدعت القاهرة الرئيس السلال لإبلاغه بانزعاج الملك فيصل من مقررات هذا المؤتمر، الذي يناقض اتفاقية جده، وقد خرجت مظاهرات في صنعاء لدعم قرارات المؤتمر وتنديداً بـ"لجنة السلام" المشكّلة وفقاً لاتفاقية جدة، وكان السعوديون هم المتحكمين بقراراتها. وكانت تشاع أخبار قوية تقول أن هناك رغبة اقليمية بقيادة السعودية لتقسيم اليمن إلى يمنين، في الشمال يمن زيدي يحكمه الملكيون، وفي الجنوب يمن شافعي يحكمه الجمهوريون. 

 استبقت القيادة المصرية السلال في القاهرة وتركت أمر تسيير البلاد للرجل القوي حسن العمري رئيس الوزراء نائب القائد الأعلى، كواجهة عسكرية قوية يحتمي به خصوم السلال، لهذا حينما اُعلن عن عودة السلال إلى صنعاء في أغسطس 1966، بعد قرابة عام من وجوده في القاهرة، هدد الفريق العمري باقتحام المطار بالدبابات لمنع عودته، غير أن قائد القوات العربية في اليمن (القوات المصرية) طلعت حسن، هدده بإحراق كل دبابة ستتجه ناحية المطار. فاضطر العمري وكبار العسكريين المناوئين للسلال الاعتصام في ثكنات الجيش في "العُرْضي"، ثم أخرج المعارضون للرئيس السلال مظاهرات كبيرة كان في واجهتها علي سيف الخولاني وبعض المشايخ، وبالمقابل خرجت بعدها مظاهرات حاشدة لدعم السلال والقوات المصرية. أتذكر من مظاهرة دعم السلال أن بعض زملائي السابقين في المدرسة وصاروا طلاباً في الكلية الحربية وكلية الشرطة، وعلى رأسهم جار الله عمر، جاؤوا إلى المدرسة، وطلبوا مني ومن آخرين من المشرفين، أن نحشد الطلاب للمظاهرة، وسلمونا لافتات عليها شعارات داعمة للسلال والقوات العربية، وقد جابت المظاهرة الكثير من شوارع صنعاء.

  وفي تلك الفترة تم إعدام أحد الواجهات السياسية والعسكرية والذي تولى مواقع حساسة في رئاسة الدولة، محمد الرعيني، إلى جانب العسكري هادي عيسى والشيخ علي محسن هارون وأخرين، بتهمة التخابر مع إسرائيل، والتآمر مع الملكيين لإسقاط النظام الجمهوري. قام السلال بتشكيل حكومة جديدة برئاسته، بعد اعتقال حكومة العمري وبعض أعضاء المجلس الجمهوري الذين ذهبوا إلى القاهرة لمقابلة عبدالحكيم عامر لوضعه في صورة الخلاف مع السلال والقيادة المصرية، وصار عبدالله جزيلان نائباً لرئيس الوزراء ونائباً للقائد الأعلى في الحكومة الجديدة.

بعد مظاهرات أكتوبر 1967، وقتل المصريين في صنعاء، عاد من بقي منهم إلى الحديدة، وهناك قابلوا السلال، الذي غادر بعدها إلى القاهرة وبغداد، وكلف القاضي عبد الرحمن الإرياني بالقيام بمهامه

 كانت الأجواء مشحونة، والدعاية الملكية على أشدها والصف الجمهوري مضعضع، حتى جاء السادس من يونيو 1967، ليفعل فعله في أحلام الجمهوريين ووعيهم، فبات خروج القوات المصرية وبشكل نهائي من اليمن أمراً محتماً، وتيقنّا تماما أن هناك خطراً حقيقياً يتهدد الجمهورية، وكنا نسمع أخباراً متضاربة حول استيلاء القوات الملكية على المواقع التي أخلاها المصريون في حجة وصعدة، وإن مقاتليهم باتوا يتوافدون على المناطق القبلية في محيط صنعاء، مسلحين بأحدث الأسلحة، ولديهم من الذهب ما يسيل لعاب كل من يستطيع حمل السلاح في وجه الجمهورية في المناطق القبلية.

انعقد مؤتمر المصالحة في الخرطوم في أواخر أغسطس 1967م، وتم بموجبه تشكيل لجنة ثلاثية لحل المشكلة اليمنية، غير أن قيام مظاهرات عارمة ضد وصولها إلى صنعاء، أوائل أكتوبر/ تشرين الأول، ومحاصرة مقر القيادة العربية التي انتقل إليها الوفد، أبطل عملها. وزاد الأمر تعقيدا حينما قام جنود في القيادة بإطلاق النار بشكل مباشر على المتظاهرين، والذي أدى إلى سقوط ضحايا. اشتعلت بعدها صنعاء جراء هذا الحادث، فبدأ الاعتداء على الجنود والمدنيين المصريين الذين كانوا يتسوقون استعدادا لمغادرتهم، وقد تضاربت الروايات حول عدد القتلى المصريين جراء ردة الفعل العنيفة هذه، فمنهم من قال بالثلاثين، ومنهم من أضاف على العدد صفراً لتصير ثلاثمائة. لم أكن مشاركاً في هذه المظاهرة، لكن حينما بلغني أمرها وأنا في مقر عملي، ذهبت للبحث عن أخي الذي كان مشاركاً فيها، ووجدته معتصماً مع المئات في باب القيادة، وحين لم أستطع اخراجه منها، بقيت إلى جواره.

أفرجت السلطات المصرية عن معتقلي الحكومة اليمنية وأعضاء المجلس الجمهوري في أكتوبر/ تشرين الأول 1967، بعد حادثة صنعاء التي حمّل المصريون السلال وزرها، وعاد أكثرهم إلى الحديدة، وهناك قابلوا السلال، الذي غادر بعدها إلى القاهرة وبغداد، وكلف القاضي عبد الرحمن الإرياني بالقيام بمهامه.

 كنت لم أزل أقيم في المدرسة وأشرف على أنشطتها، بالرغم من أني متخرجاً من المعهد الزراعي، وصرت موظفاً في وزارة الزراعة، التي كانت تتخذ من بيت العباس (مقر رئاسة الوزراء اليوم)، مقراً لها، في وقت كان فيها عبدالله بركات وزيراً للزراعة، وهو من اعتمد شهادات المعهد التي توظفنا بها.

"يتبع"


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English