عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (7)

حكايتي مع كرة القدم والجوع الذي صنع حارسًا عظيمًا
محمد عبدالوهاب الشيباني
April 22, 2021

عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (7)

حكايتي مع كرة القدم والجوع الذي صنع حارسًا عظيمًا
محمد عبدالوهاب الشيباني
April 22, 2021

حينما كنا أطفالًا في "خرابة الحرازي"، كانت تستهويني لعبة اسمها "قاحش" (كرة صغيرة نصنعها من جلود الذبائح، ثم نحشوها بخرق قديمة قبل تخييطها)، تضرب بعصي متوسطة وغليظة أشبه بلعبة الكرة الأمريكية وقريبة من الهوكي. وحينما التحقت بالمدرسة العلمية بصنعاء في العام 1958، كانت تستهويني لعبة كرة القدم، التي كان بعض الطلاب يزاولونها بشكل سري. أما إصرارنا على ممارستها، رغم تحريم إدارة المدرسة، فكان نوعًا من الاحتجاج الصريح ضد الإدارة وضد نظام الإمامة بشكل عام، والذي كنا نراه بتخلفه واستبداده، مجسَّدًا بإدارة المدرسة ومديرها المتشدد يحيى النهاري، ولاحقه يوسف الأمير، وبمشرفي المدرسة وجلاوزتها الذين تحولوا إلى مخبرين على الطلاب. وقد كانوا بسبب مغامراتنا يطلقون علينا مسمى "أَسْماخ" وأشرار، (وأسماخ جمع سِمْخ باللهجة اليمنية، ومعناها الشجاع المتهور). 

أتذكر أنه في إحدى المرات قررنا اللعب في حوش المدرسة، في تحدٍّ صريح للإدارة وسط استغراب وخوف الطلاب والمشرفين، فتم إبلاغ المدير إلى مسكنه، فأمر جنود المدرسة وقائدهم الذي كان اسمه القادِري ومعه آخر اسمه الشامِسي، بالقبض علينا وإيداعنا في السجن لمخالفتنا قرارات المنع والتحريم، وإن عملية القبض على المجموعة تكون بأي شكل من الأشكال ولا يلومون إلَّا أنفسهم إن لم ينفذوا ما أمروا به.

عبدالرحمن الحرازي بالزي الرياضي

وحينما حضروا للساحة للقبض علينا، أمسكنا بكرتنا وجرينا باتجاه البوابة، وولينا هاربين باتجاه البونية ونحن حفاة وهم يجرون خلفنا، ثم وصلنا إلى صلبة القاع -حيث كنا نلعب الكرة فيها أحيانًا- وهم يلاحقوننا، ولم يكن أمامنا سوى الخروج من باب البلقة جريًا بمحاذة السور وصولًا إلى باب خزيمة، وهم بعدنا يجرون ويلهثون، فمشينا بمحاذة الدائر (السور) ولم يتراجعوا، وكان من حظنا أنهم لم يكونوا يتسلحون سوى بالعصي الغليظة (الصمول) وإلَّا كانوا أطلقوا علينا النار من شدة غيضهم، وحينما وصلنا باب اليمن لم ندخل منه، واستمرينا بالجري حتى باب ستران (باب قريب من قصر السلاح، وينفتح على المنطقة التي تقع بها مستشفى الثورة اليوم)، ولم ندخله، وبقينا نجري بمحاذة السور من وراء القصر وصولًا إلى حارتي "مسيك" و"فروة" في الجهة الشمالية الشرقية للمدينة، وحين التفتنا إلى الخلف رأينا بعضهم خلفنا، ويشيرون إلينا بإشارات قاسية، فبدأنا بالجري الشديد نحو باب شعوب، ومنه نزولًا إلى السائلة، وصولًا إلى باب الشقاديف (موقع فرزة الرادع اليوم)؛ اثنان من الجنود الشبان ظلوا يلاحقوننا ، وكان قصدنا أن نعود من جديد إلى المدرسة من بوابتها الرئيسة المطلة على ميدان شرارة، لكن حينما شاهدناهم خلفنا عدنا من جديد من اتجاه بئر السويدى (المنطقة التي بها الآن العمائر الحجرية لوزارة الأوقاف)، ثم مررنا خلف أعمدة الإذاعة في (باب الروم) ونعود إلى المدرسة من الجهة الشمالية الغربية التي دخلناها من البوابة بعد أن تمكنا من مغافلة الحارس الهمداني. 

كان الوقت يشير إلى المغرب تمامًا، وكان قد بلغ بنا التعب ذروته، جوعى وعطشى. في المدرسة تستر علينا الزملاء ليومين حتى هدأ الوضع، ومن ثم تخففت العقوبة إلى توبيخ من قبل مدير المدرسة؛ وحتى اليوم أستغرب الطاقة الكبيرة التي تملكتنا لقطع تلك المسافة كلها ونحن حفاة تمامًا، لكنها كانت قد عرفتنا بحدود المدينة وأسوارها وأبوابها من "بئر العزب" و"القاع" و"البَلَقة" و"بستان السلطان" و"باب اليمن" و"باب السلام" و"قصر السلاح" و"مسيك" و"شعوب"، إلى "باب الشقاديف" و"باب الروم".

كنا نتخذ من "صلَبة" القاع (ساحة واسعة) التي كانت محاطة بالتين الشوكي مكانًا للعبنا كرة القدم مع أولاد منطقة أحياء القاع والبونية وباب البلقة، وهذا المكان اليوم هو الحديقة القائمة أمام مبنى أمانة العاصمة (وزارة الخارجية سابقًا)، وكنا نذهب أيضًا للعب في منطقة العرضي في المساحة القائمة أمام المؤسسة الاقتصادية العسكرية (موقع موقف السيارات وفرزة الباصات)، وخصوصًا حينما كنا نقابل فريق النجم، الذي كان قبل ذلك اسمه الفريق الأحمر نسبة إلى لون الفانيلات التي يرتديها لاعبوه، تمامًا كما كان يطلق على فريقنا بالأصفر نسبة إلى لون الفانيلات التي نرتديها.

سمّينا فريق المدرسة العلمية بفريق "الجمهورية"، وحينما ذهبنا لمباراة مع فريق "النجم"، قابلنا رئيسه عبدالله حسن خيران وزيد الذاري قبل وصولنا الملعب، واقترحا علينا تغيير الاسم إلى "الهلال"؛ لأن هناك من أبلغ "ولي العهد" باختيارنا اسمًا غير مرغوب، وبعد الثورة تحول الاسم نادي الوحدة و"النجم" إلى أهلي صنعاء

حينما أسسنا فريق المدرسة أطلقنا عليه اسم "فريق الجمهورية" في فعل تحدٍّ للسلطة، وحينما قررنا اللعب تحت هذا الاسم، في مباراة لنا مع فريق النجم من مدينة صنعاء القديمة وكان يشرف عليه حسن خيران (أحد ضباط ثورة سبتمبر) وزيد الذاري أحد لاعبي الفريق، قابلانا في وسط مقبرة خزيمة ونحن ذاهبون إلى ميدان العرضي، وطلبا منا تبديل الاسم فورًا؛ لأن هناك من أبلغ ولي العهد بأن طلاب المدرسة العلمية اختاروا اسمًا غير مرغوب، واقترحا علينا استبداله باسم "الهلال"، ويبقى الفريق الذي يشرف عليه خيران باسم "النجم". طبعًا وافقنا على هذا المقترح، ولم يستمر طويلًا بهذا الاسم طويلًا، إذ قمنا مباشرة بعد ثورة سبتمبر 1962، بتغييره إلى اسم "نادي الوحدة"، بعد أن استبدلنا اسم المدرسة العلمية باسم مدرسة الوحدة أيضًا. فريق المدرسة العلمية الذي بدأ اسمه بالأصفر ثم نادي الهلال صار نادي الوحدة، وهو ذات النادي المعروف اليوم بنادي وحدة صنعاء، أما نادي النجم، بفانيلاته الحمراء، فهو ما يعرف اليوم بنادي أهلي صنعاء.

كان مدرب الفريق هو يحيى ناصر الظرافي، وأبرز لاعبي الفريق علي محمد صلاح، وأحمد الشبيبي وعبدالرزاق الرقيحي وعبدالوهاب عمران وحمود الأشول، ودائمًا ما أقول إن الجوع صنع واحدًا من أعظم حارسي المرمى في تاريخ اليمن، وهو يحيى ناصر الظرافي . فقد كنا أثناء التدريبات نصنع مرمى من كومتين متباعدتين من التراب وما بينهما يصير المرمى، الذي يقف بمنتصفه الحارس، فيأتي لاعب من الفريق ويضع الكرة على بعد مسافة ثلاثة أو أربعة أمتار، على كومة صغيرة من التراب، ثم يصوبها بدقة وقوة على أحدى زاويتي المرمى، بذات طريقة تنفيذ ركلات الجزاء القائمة اليوم، فإن قام حارس المرمى الظرافي بصد خمس ضربات يحصل على نصف كدمة، كنا نقوم بافتراقها من مخصصاتنا اليومية، لهذا كان يبذل المستحيل لصد الكرات، فتراه ينط بليونة على زوايا المرمى مثل بهلوان، وكانت هذه العملية هي أيضًا بمثابة تدريب له، لهذا مع الوقت صار يحيى الظرافي حارس نادي الوحدة والمنتخب، حتى وهو طالب في الكلية الحربية التي دخلها في العام 1963، وقد استشهد على أيدي مهربي ممنوعات أوائل السبعينيات في منطقة حزيز، حيث كان قائدًا لحملة عسكرية تلاحق المهربين جنوب صنعاء، وقد تم تسمية الملعب الرئيس في صنعاء وقتها باسمه، ولم يزل حتى اليوم يحمل ذات الاسم، وهذا الملعب هو الذي أنشئ على أطراف مقبرة خزيمة الشمالية، وإلى جواره أنشئت أول مدرسة ثانوية نموذجية بدعم مصري، وكان اسمها في البداية مدرسة الثورة، قبل أن تصير مدرسة جمال عبدالناصر الثانوية.

أثناء زحف العمران على مقبرة خزيمة بعد الثورة، تم إخراج رفاة "شيخ الإسلام" محمد علي الشوكاني الذي كان مدفونًا فيها، بمبادرة من القاضي محمد إسماعيل العمراني، وتمت إعادة دفنه في مقبرة صغيرة في محيط جامع الفليحي

 أما الكرة التي كنا نلعب بها فقد كانت ثقيلة مصنوعة من الجلد، نضع بداخلها بالونًا من الربل الأسود (تيوب)، ثم نملؤه بالهواء بواسطة "بزبوز" مثل تلك التي تستخدم لتعبئة عجلات الدراجات الهوائية (بمب الهواء)، وكانت كثيرًا ما تتفكك أوصال الكرة ورُقعها الكثيرة، فنقوم بتكليف أحد أعضاء الفريق بإعادة تخييطها مقابل نصف كدمة، وكان أشهر وأتقن شخص يقوم بهذه العملية علي محمد صلاح، لاعب وكابتن الفريق (نائب رئيس هيئة الأركان السابق). وكانت أدواتنا الرياضية البسيطة نشتريها من مخصصاتنا البائسة، وقد كنا نقوم بشراء فنائل داخلية أبو أكمام بلون موحد وهو الأصفر، ثم نشتري علبة رنج ونذهب لخطاط، فيقوم بكتابة اسم الفريق وشعار الهلال على صدر الفانيلة (تي شيرت). أما الأحذية البدائية التي كانت أقرب لأقمشة الشراع، فقد كنا نشتريها في وقت متأخر من محل لبيع النياشين والبدلات العسكرية في ميدان شرارة، وأظنه محل "جحيش".

وفي الحديث عن مقبرة خزيمة، فقد كانت تمتد من موضعها الحالي إلى نادي الضباط ومدرسة أروى غربًا، وشمالًا إلى موضع بيت الثقافة، وعلى امتدادها شرقًا إلى موضع سينما بلقيس بمحاذة الأطراف الجنوبية لحي بستان السلطان، وكانت أطرافها الشمالية بموقع المدرسة والميدان تكثر فيها أشجار الأَثْل التي تغطي المكان، وإلى جوارها كان مسلخ اللحوم والمدبغة أو ما كان يعرف شعبيًّا باسم (المَسْحَط).

وعى أرض المقبرة القديمة نشأت من بعد الثورة العديد من المباني الحكومية والأهلية، منها نادي ضباط القوات المسلحة، ومكتب رئاسة الجمهورية، والهيئة العامة للآثار، ودار الكتب، وفندق تاج سبأ والبنك المركزي اليمني، وسينما بلقيس، والهيئة العامة للطيران ومدرستا أروى والكويت وكلية الشرطة. كانت مقبرة مهولة جدًّا، ويفصلها عن أحياء المدينة سور يمتد من باب البلقة، وصولًا إلى شارع القصر وإلى باب خزيمة بالقرب من سينما بلقيس الآن، ويحوط هذا السور حي بستان السلطان، وصولًا إلى السائلة، التي تفصله عن أحياء صنعاء القديمة. وقد كان أول اختراق للمقبرة بشق الطريق الرئيس الذي يوصل منطقة (عَصِر) غرب المدينة بباب اليمن في شرقها، وهذا الطريق هو امتداد لطريق الحديدة-صنعاء، الذي بدأ الصينيون بشقه أواخر الخمسينيات. أما الاختراق الثاني فقد كان بشق شارع علي عبدالمغني باتجاه شارع كلية الشرطة، واستحداث مبنى نادي الضباط ومرافقه. وقتها تم إخراج رفاة "شيخ الإسلام" محمد علي الشوكاني الذي كان مدفونًا فيها بمبادرة من القاضي محمد إسماعيل العمراني، وتمت إعادة دفنه في مقبرة صغيرة في محيط جامع الفليحي. ويقول القاضي العمراني إن هذا الأمر تم بعد الثورة بخمس سنوات، في وقت كان أحمد قاسم العنسي وزيرًا للأوقاف، الذي وافق على دفن رفاته، بجنازة رسمية وشعبية.

وكنا حينما نريد اختصار المسافة للوصول إلى العرضي، نخرج إلى المقبرة عبر فتحة صغيرة أُحدثت في السور؛ هذه الفتحة تُخرجنا إلى (المَسْحَط)، وكان الفلاحون القادمون من قرى حدَّة و"سَنَع" والقرى الجنوبية لصنعاء، يدخلون مع مواشيهم ومنتجات حقولهم من الخُضار والفواكه عبر طريق سابلة داخل المقبرة، توصلهم إلى باب خزيمة، ومنه يصلون إلى سوق باب السَّبَح، بعد أن يكون مأمور الضرائب قد فرض على منتجاتهم مبالغ محددة، نظير بيعها في السوق.

"يتبع"        


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English