عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (12)

الرحلة الأولى إلى القاهرة ودمشق وقصة التوقيت العربي
محمد عبدالوهاب الشيباني
September 1, 2021

عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (12)

الرحلة الأولى إلى القاهرة ودمشق وقصة التوقيت العربي
محمد عبدالوهاب الشيباني
September 1, 2021

في العام 1971، وصلت من منظمة الأغذية والزراعة العالمية (فاو) منحة دراسية لأربعة أشخاص للدراسة في مدينة اللاذقية السورية، وهم: عبدالله عامر، محمد شرف الدين، أحمد الغرباني، وعبدالرحمن الحرازي. وحينما بدأنا معاملات السفر اكتشفنا أن بدل السفر وقيمة التذاكر كانت على الجهة التي نعمل بها (وزارة الزراعة)، ولن تتحمل المنظمة غير مقاعد الدراسة فقط، فذهبنا إلى وزير الزراعة، وكان وقتها القاضي عبدالجبار المجاهد، الذي اعتذر عن تكفّل الوزارة بالنفقات بحجة عدم وجود مخصصات لذلك، وأن حالة الوزارة صعبة ولا تستطيع توفير مثل هذه المبالغ البسيطة، فاقترحت أن يوجه بصرف مواد غذائية عينية من مخازن الوزارة تساوي قيمتها مبلغ بدل السفر الكلّي للأشخاص الأربعة وقيمة تذاكرهم، وبعد أخذٍ وردّ، وافق الوزير على المقترح، حتى لا يتعذر سفرنا وتُلغى المنحة.
وجه الوزير مخازن الوزارة بصرف كمية كافية من المواد التنموية التي تتحصل عليها وزارة الزراعة من الجهات الدولية وبرامج التنمية، وكان أمين المخازن هو الصفِي الشرفي، الذي سهَّل علينا أيضًا الحصول على مشترين مقتدرين من سوق الملح، الذين دفعوا ما غطى التذاكر وجزءًا من بدل السفر.
من بدل السفر القليل، تجهزنا بشراء ملابس جديدة، وقطعنا تذاكر على طيران اليمنية القديمة (داكوتا) التي أطلق عليها عبدالله عامر، أثناء إقلاعها الصاخب، اسم "الشمائلي"؛ ويعني الشيء الذي لا نفع فيه. كان خط رحلتنا: صنعاء - القاهرة، مع توقف طويل في مطار جدّة، استمر من قبل الظهر حتى بعد العصر، ولم يسمحوا لنا بدخول المدينة، وتركونا نستنشق روائح المجاري وعفونة البحر التي كانت تصل إلى صالات المطار.
وصلنا القاهرة الساعة الثامنة مساءً على الطائرة ذاتها، ونزلنا في فندق بسيط في "وسط البلد" كان يعرفه عبدالله عامر، الذي سبق أن زار القاهرة أكثر من مرة. تواصلنا بالطيران السوري الذي سيقلّنا عبر إحدى رحلاته إلى دمشق، فقالوا لنا إن موعد الرحلة الساعة السادسة. ذهبنا إلى "وسط البلد" نتجول ونشاهد جمال المدينة، وإلى "كازينو صفية حلمي"، وعدنا فجرًا إلى الفندق ونمنا حتى العاشرة. بدأنا بتجهيز حاجاتنا القليلة، وانطلقنا إلى مكتب الطيران السوري لإرشادنا كيف نصل إلى المطار أو بالأصح لتوصيلنا إليه، وحينما وصلنا إلى المكتب، وجدنا ثلاثًا من العاملات الجميلات فيه، فسألتنا إحداهن عن مرادنا، فانبرى ابن عامر بوصفه الخبير (المفتِّح) بيننا، بالحديث نيابة عنا. قال لها إننا مسافرون على الطيران السوري في رحلة اليوم المتجهة إلى دمشق، فقالت إن الرحلة قد غادرت قبل أكثر من ساعتين، فجنّ جنوننا وصحنا: "كيف غادرت، وأنتم قلتم إن الرحلة ستكون الساعة السادسة؟"، قالت: "نعم السادسة"، فسألت عبدالله: "وكم ساعتك الآن؟"، فأدار ذراعه الأيسر ونظر إلى ساعته (أبو صليب)، وقال: "أربعة ونص"، فقالت الموظفة: "كيف أربعة ونص، وهي العاشرة والنصف صباحًا؟!". هنا أخذنا البهوت، ودارت بنا الأرض؛ كيف سنسافر، وبأي وسيلة، وكيف سنقضي أسبوعًا جديدًا في القاهرة، ونحن عمليًّا بلا نقود، بعد أن عرفنا أن الرحلة على الطائرة السورية من القاهرة إلى دمشق تتم مرة واحدة في الأسبوع؟ وبعد أن هدأنا قليلًا، بدأنا نشرح للفتيات أننا ما زلنا نتعامل بالتوقيت العربي القديم، الذي يحتسب اليوم ابتداءً من السادسة صباحًا، ويعدّها بالواحدة، ويصير طبقًا لذلك توقيت السادسة لدينا هو الثانية عشرة ظهرًا؛ هنا بدأن بالضحك وبدأن يمازحننا، وبعد ذلك دخل مدير المكتب، وكان متشددًا معنا، فتدخلت الموظفات لديه لإعفائنا من رسوم التأخير، والحجز لنا على الرحلة القادمة.
قررنا الذهاب إلى السفارة اليمنية في "الدُّقّي"، ووجدنا القاضي أحمد عبدالله العمري، والذي بعد أن شرحنا له ورطتنا ضحك كثيرًا، ثم ساعدنا بالانتقال إلى فندق شعبي بالقرب من السفارة في الحيّ نفسه، إلى أن يحين موعد الرحلة القادمة، وعلينا تدبير إعاشتنا.


حينما سأل رجل الأمن ابن عامر: "هويتك؟"، قال له: "هويتي سماع أم كلثوم!"، فاعتقد الأمني أن عبدالله عامر يسخر منه، فأمسكهما بتلك الطريقة الفكاهية التي أوصلهما بها إلى الفندق.

بعد أربعة أيام، اتصلت بنا السفارة تبلغنا أن منظمة الأغذية والزراعة ألغت المنحة بمجملها، وأبلغت الوزارة بذلك، وأن علينا العودة إلى صنعاء، فرفضنا رفضًا قاطعًا العودة إلى صنعاء، وقلنا سنصل إلى اللاذقية، وعلى الطيران السوري إعادتنا إلى صنعاء. العجيب أن القاضي العمري تفهّم أمرنا وساعدنا في الإقامة حتى موعد رحلة الطيران إلى دمشق، بل وأعطانا توصية لأخيه حسين العمري الذي كان وقتها طالبًا ويعمل في سفارة اليمن بدمشق، وهو الذي استقبلنا في المطار، ورتّب لنا إقامة في "فندق بلقيس" بالقرب من "الحميدية" على حساب السفارة اليمنية، التي كان السفير فيها وفي بيروت يحيى المضواحي، وكان في صنعاء وقت وصولنا دمشق.
بقينا في دمشق لأسابيع عديدة نقتات على حسنات السفارة التي لم تستطع إعادتنا إلى صنعاء لقلة إمكانياتها، ومن طرائف الإقامة في دمشق، أن عبدالله عامر ومحمد شرف الدين، قررا ذات فجر التجول في دمشق القديمة، فلبس عامر القبعة والنظّارة الشمسية والبالطو، وعلق الكاميرا على جنبه الأيسر، ولم تثنهما نصائحي بأن الوقتَ مبكرٌ وقد يثيران شبهةً ما.
بعد حوالي ساعة، انفتح باب الغرفة بقوة، وظهر أحد المخبرين السريين الغلاظ، ممسكًا بالاثنين بطريقة فكاهية، وكانا بين يديه أشبه بقطّين صغيرين، فدفعهما إلى وسط الغرفة، ثم طلب مني جوازيهما، فناولته ما طلب. وبعد تفتيش قصير، غادر مع شخصين آخرين معتذرًا، لكنهم عادوا بعد وقت لتقديم شكر خاصّ لنا؛ فقد قادهما الحضور إلى الفندق، حسب قولهم، إلى اكتشاف أحد المطلوبين الأمنيين الذين يبحثون عنه منذ مدة طويلة، وكان يختفي بالفندق ذاته، باسم مستعار.
ولمعرفة ما الذي حدث حتى أوصل رجال الأمن الأمن، عبدالله عامر ومحمد شرف، بتلك الطريقة إلى الفندق، قال عامر إنه، وأثناء تجولهما فجرًا في محيط الفندق وبتلك الطريقة الفكاهية، شكّ بهما رجال الأمن فطلبوا منهما ما يثبت هُويتهما.
وقال محمد شرف الدين أنه حينما سأل رجل الأمن ابن عامر: "هُويتك؟"، قال له: "هويتي سماع أم كلثوم!"، فاعتقد الأمني أن عبدالله عامر يسخر منه، فأمسكهما بتلك الطريقة التي أوصلهما بها إلى الفندق.
وحينما عاد السفير يحيى المضواحي من صنعاء، لم يستطع حل مشكلتنا في العودة، لكنه بعد أيام قال لنا إن رئيس الوزراء محسن العيني ومجموعة من الوزراء وقادة الجيش، سيعودون من جولة خارجية عن طريق بيروت.
عندما وصلنا بيروت، كان الذي ينوب عن السفير المضواحي، هو محمد عبدالقدوس الوزير، الذي استقبلنا وأسكننا بفندق شعبي في منطقة "الحمراء" على حساب السفارة، وتدبر لنا قليلًا من المصاريف التي بالكاد كفتنا.


بعد نحو ساعة من الاشتباك بين عبدالله القوسي وحراسة القصر الجمهوري، حضرت قوات خاصة اقتحمت المنزل وأخذت عبدالله القوسي إلى وزارة الداخلية، وهناك اختفى إلى الأبد.

بقينا في بيروت أسبوعًا كاملًا بانتظار طائرة رئيس الوزراء التي تأخرت عن الموعد الذي أُبلغ به السفير المضواحي، وهو الموعد الذي على ضوئه تحركنا إلى بيروت.
أخذنا محمد عبدالقدوس الوزير، لمقابلة رئيس الوزراء في الفندق الذي كان ينزل فيه لنشرح له وضعنا، والطلب منه إعفاءنا من قيمة المواد الغذائية التي سجلتها الوزارة علينا مقابل بدل السفر، فأمر وزير الزراعة عبدالجبار المجاهد، الذي كان ضمن وفده، بإعفائنا منها، ووافق أيضًا على عودتنا إلى صنعاء بالطائرة ذاتها.
في اليوم التالي، غادرنا بيروت على طائرة رئيس الوزراء التي كان عليها، بالإضافة إلى وزيري الداخلية والزراعة ورئيس هيئة الأركان، وبعض رجال الأعمال من بيت غمضان الذين رأفوا بحالنا فمنحونا مئة دولار، وذات المبلغ أيضًا منحنا إياه وزير الداخلية علي سيف الخولاني، أما الذي أوصلنا بسيارته إلى ميدان التحرير، فهو رئيس الأركان حسين المسوري.
القوسي الذي حاصر بوابة الرئيس
بعد فترة ليست بالطويلة من فكّ حصار صنعاء، وفي أحد الصباحات الباردة وأنا خارج من "بيت المطهر" (المعهد الزراعي حينها)، سمعت إطلاق نار كثيف صادر من بيت الشيخ القوسي باتجاه البوابة الشمالية للقصر الجمهوري، التي تُفضي إلى مبنى صغير بجوار القصر يسكنه رئيس المجلس الجمهوري القاضي عبدالرحمن الإرياني. كنت أعرف بحكم الجوار الطويل أبناء الشيخ القوسي، ومنهم عبدالله بن محمد بن ناجي القوسي، الذي كان يقوم بالضرب على البوابة، وحينما سمعني أنادي عليه، من الزقاق الذي يفصل "بيت المطهر" عن المنزل الذي يتمترس في إحدى نوافذ طابقه الثاني. طلب مني الصعود إليه، فصعدت ووجدته وحيدًا وأمامه مجموعة من البنادق (الشيكي، والجَرْمَل) وذخائرها، وكان في حالة انفعال شديد، ولسانه لا تهدأ من شتم الرئيس، واتهامه بالتآمر، وطلب مني الاتصال بسائق عمه ناصر للحضور لأخذ النساء والأطفال من البيت، وبالفعل حضر السائق بعد وقت قصير من مكان ليس بالبعيد، وأخذ النساء والأطفال.
كان الشارع في حالة رعب حقيقيّ من تبادل إطلاق الرصاص بين عبدالله القوسي وحراسة القصر، وبدأت الإشاعات تكبر في المدينة بتوصيف الحالة كانقلاب على الرئيس، وبعد نحو ساعة حضرَت إلى المكان من جهة حيّ "البونية" قواتٌ خاصة بقيادة عبدالكريم حميد، وكانت هذه القوات تُعرف بصاعقة الأمن المركزي؛ اقتحمت المنزل من الجهة القِبلية (الشمالية)، وسيطرت على الوضع، وأخذت عبدالله القوسي إلى الداخلية، وهناك اختفى إلى الأبد.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English