عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (11)

الحكايات المهملة وإشكالات المسكوت عنه!
محمد عبدالوهاب الشيباني
May 27, 2021

عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (11)

الحكايات المهملة وإشكالات المسكوت عنه!
محمد عبدالوهاب الشيباني
May 27, 2021

الحكايات التي سردها عبدالرحمن غالب الحرازي لكاتب هذه السلسلة، كثيرة جدًّا: متنوعة، طريفة، وجديدة، وقد استوعبَ النصُّ المحرَّر معظمها، غير أن البقية من هذه الحكايات صارت، ولعوامل متعددة، خارج السياق الكتابي؛ إما لكونها زوائد تمثل عبئًا على السيرة الكلية المتخففة من الإنشاء والحشو، أو أن تجاوزاتها القولية، تضعها في مساق المسكوت عنه والمحرَّم الذي لا يُباح به في تقديرات المحرِّر والراوي ذاته، بسبب الخصوصية الشديدة التي تنهض عليها مثل هذه الحكايات، والتي يمكن أن تصير متنًا حيويًّا بكل سهولة ويسر، إن صار النص مسرودًا أدبيًّا خالصًا، يستطيع فيه الكاتب (أيّ كاتب كان) تحرير الحكاية وشخوصها من عِبْء التصريح، ووضوح التعيين والقصدية التاريخية، لصالح التخييل القادر على تطويع التاريخي لصالح الأدبي، وتجاوز المحاذير التي تتكبل بالخصوصية الفارطة، مثل التصريح بالأسماء على سبيل المثال.

في الحلقة الحادية عشرة، من "سيرة الظل"، سنحاول أن تكون -كمحتوى- منصوصًا حكائيًّا لوقائع مختلفة، وعن شخصيات متعددة ارتبطت بالراوي في أزمنة متعددة، ولا نقول إن مثل هذه الحكايات جديدة بالمرة على المتلقي المهتم بتاريخ اليمن المعاصر، غير أن زاوية النظر إليها وتعليلها هي المختلف في الأمر. 

(1) الهروب من أسوار المدينة 

من سنوات الدراسة في المدرسة العلمية، يتذكر عبدالرحمن الحرازي كيف أن مجموعة كبيرة من مشايخ حاشد وبكيل، وعلى رأسهم الشيخ حميد بن حسين الأحمر والشيخ سنان أبو لحوم، دخلوا إلى صنعاء في العام 1959، دخول الفاتحين؛ سكنوا قصر ولي العهد محمد البدر (دار البشائر)، وأن الأخير صار أشبه بسجين في قصره، وكان يتردد أن البدر استعان بالمشايخ وعسكرهم للضغط على الجنود، الذين بدؤُوا بالتمرد في صنعاء وتعز. وكانت حادثة قتل القاضي الجبري وأخية في تعز، وإحراق مسكن محمد العمري، هي التي جعلت البدر يستعين بهم، بذات الطريقة التي اتبعها الأئمة في تاريخهم الطويل، حينما كانوا يستعينون بنقباء وشيوخ القبائل من مناطق بكيل وحاشد، لإخضاع المناوئين لهم، وخصوصًا في اليمن الأوسط، فكان يُطلب من عرّيفة الجنود ومقادمتهم تنفيذ عمليات إخضاع مقابل تمكينهم من الأرض وأعشار خراجها، وأن الكثير من الأراضي الخصبة في محافظة إب، على سبيل المثال، صارت تتوارثها أسر النقباء والمشائخ الأوائل الذين قاولهم الأئمة لإخضاع هذه المناطق.

 ويقول الحرازي في روايته: كنا نرى الشيخ حميد [بن حسين] الأحمر، يخرج من بوابة القصر راكبًا خيلًا مزيَّنًا وأمامه مرافقوه من المسلحين القبليين، "يزمِلون" (ينشدون) ويرقصون على إيقاع الطبول والمرافع، وكان يظهر خلفه دائمًا القاضي أحمد السياغي (أحد الشخصيات المقربة من الإمام ونائبه في إب) في حركة لم نكن نعرف مغزاها. كان الإمام وقتها يتعالج في إيطاليا من أمراض مزمنة استدعت بقاءه هناك أشهرًا طويلة، وحينما عاد إلى الحديدة في أغسطس 1959، عن طريق البحر، ألقى خطابه المشهور الذي يعرف بخطاب "هنا الفرس وهنا الميدان"، متوعدًا كل المتربصين بالحكم من مشايخ وعسكر بالقتل والتشريد، ولم يصبح الضوء على صنعاء إلّا وكان المشايخ ومرافقوهم، قد غادروها تحت جنح الظلام، ومن لم يخرج من أبوابها، فقد تسلق أسوارها هربًا(*). 

(*) يقول القاضي عبدالرحمن الإرياني في الجزء الأول من "مذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني":

"وقد كان لهذه الخطبة أثر في نفوس الناس، وكان أول من أصابه الفزع والهلع بعد سماعها، القاضي أحمد السياغي، فقد ولّى هاربًا إلى بيحان -بعد أن قال له الإمام: أين كنت يا (قحطانيّ)، في إشارة إلى عمله ضد الإمامة الهاشمية، وطلب منه الذهاب إلى المطار وركوب الطائرة إلى تعز لإتيانه بشرف المروني ومن معه من ضباط الجيش المتمرد. ذهب السياغي وعادت الطائرة بالمطلوبين، ولكن السياغي قد ركب الفرار إلى خارج البلاد، [وتحديدًا] إلى إمارة بيحان المشمولة بالحماية البريطانية، فنجا برأسه، ومن نجا برأسه فقد ربح، وقد ساعده على الفرار الشيخ سنان أبو لحوم- كما كان هذا هو حال القوات الشعبية ومشايخها، فقد غادروا صنعاء في ليلة واحدة، أما كبارهم الذين كانوا بجانب البدر، فلم يخرجوا من أبواب صنعاء، وإنما تسلقوا أسوارها وفروا هاربين. وشعر الفارّون بالهوان الذي أوقعهم فيه فرارهم من صنعاء لمجرد سماع صوت أحمد". [ص346-347].

 يقول الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر في الصفحتين 54، 55 من مذكراته:

"أثناء العيد، قام العسكر بحركات جديدة في صنعاء وفي تعز، حيث ادّعوا أن بيت الجبري أخذوا حقوقهم وقتلوا اثنين إخوة لهم، مما جعل البدر يتخوف منهم فعلًا، وكتب لنا ولغيرنا من المشايخ أن نعجل بدخولنا صنعاء، وخلال شهري ذي الحجة ومحرّم، توافد مشايخ القبائل على صنعاء من كل مكان، وفتح البدر خزانة الدولة وكان يصرف لهم ولقبائلهم بسخاء، واستغل حميد الفرصة بتواجد المشايخ الذين أقبلوا من كل مكان ومعه الشيخ سنان أبو لحوم، والقاضي أحمد السياغي الذي كان رئيس المجلس النيابي ومشائخ آخرين بتوعية هؤلاء المشائخ وتعبئتهم وتهيئتهم للتغيير".

بعد أن أطلق الفريق العمري الرصاص على المواطن الحرازي، لم يمضِ وقت طويل من الليل حتى أصدر رئيس المجلس الجمهوري القاضي عبدالرحمن الإرياني، قرارًا بتجريد العمري من رتبه العسكرية وإقالته من رئاسة الوزراء وتحويله إلى المحاكمة

(2) التخلص من الرجل القوي

لم يبق من الرجال الأقوياء بعد أحداث أغسطس 1968، وتصفية عبدالرقيب عبدالوهاب في يناير من العام 1969، غير الفريق حسن العمري، رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، والذي صنعت منه فترة الحصار اسمًا قويًّا، وكان من الصعب إزاحته بسهولة، فكان لا بد للقوى المتربصة بالحكم من إنتاج سيناريو محكم للتخلص منه. كان القاضي عبدالرحمن الإرياني، الرئيس المدني الذي قفز به انقلاب الخامس من نوفمبر 67، إلى الواجهة السياسية، والمعروف بدهائه ومكره المبطن بنعومة ظاهرة، أو كما يقول العميد محمد علي الأكوع:

"عالمًا أديبًا أريبًا شاعرًا مهذبًا، شديد الاعتزاز بنفسه وبمزاياه الحسنة كلها، لولا التقية المتفشية في الأسرة عامة وفيه خاصة، والمكر الحريري في مواجهة خصومه، سواء من الأئمة أو من الآخرين". [صفحة 443، من كتاب "شخصية الإمام أحمد حميد الدين ورجالات عهده"]. 

كان -كما أسلفنا- بحاجة إلى مركز قوى جديد يعينه على مراكز القوى التي أفرزتها مرحلة الصراع مع الرئيس السلال والمصريين، وتاليًا في معركة كسر العظم مع الملكيين؛ أي إنه كان يريد الحكم بأدوات جديدة، غير تلك التي استهلكها الصراع خلال الأعوام التسعة المنقضية.

بعد أقل من شهر من توليه رئاسة الوزراء في أغسطس 1971، خلفًا للأستاذ النعمان، أُقيل حسن العمري من جميع مناصبه السياسية والعسكرية، بعد حادثة قتله للمصور الحرازي. ويروي عبدالرحمن الحرازي هذه القصة بالتفاصيل التي سنوردها تاليًا كما سمعها من صديقه (ع. ه. ج) أحد الحراسات الشخصية والموثوقة للفريق العمري وقتها، ويقول عبدالرحمن في روايته، عن هذا الشخص: 

"في ساعة متأخرة من ليل إحدى أيام أبريل الأولى من العام 1971، رن الهاتف السرّي لرئيس الوزراء، والذي لا يعرف رقمه غير قلة قليلة من رجالات الدولة وفي المواقع الحساسة؛ كان المتحدث شخصًا مجهولًا، باشر الفريق بجملة من الشتائم، وقذف أهل بيته ثم أنهى المكالمة بقفل السكة، ولم يترك للفريق معرفة من يكون، وبسبب المكالمة المباغتة استشاط غضبًا واتصل بقيادة وزارة المواصلات، التي كان في يوم من الأيام وزيرها -في سنة الثورة الأولى- وطلب منهم، وعلى وجه السرعة، توجيه المختصين في السنترال الرئيس بصنعاء، معرفة وجهة الاتصال وصاحب الاتصال، وبعد ساعة اتصل به أحد المختصين، وقال له إن الاتصال صادر من بيت الحرازي بشارع جمال، فطلب من حراسته إحضار الشخص المتصل من البيت الذي حددته المواصلات، ولأن قائد الحراسة لا يعرف من هو الحرازي المطلوب تذكر أن ضمن طاقم رئيس الوزراء مصور بذات اللقب، فذهب إليه وطلب منه تعريفه مع الجنود ببيت الحرازي في شارع جمال، وبالفعل وصلوا إلى البيت المطلوب فوجدوا بابه مغلقًا، فدقّوه (طرقوه) بعنف، وحين لم يُستجب لطرقهم اقتحموه، وحين دخلوا وفتشوه وجدوا في مجلسه رجلًا نائمًا وثملًا، وإلى جواره ما يشير إلى أن أشخاصًا عديدين كانوا يشاركونه سهرته، وتدل على أثرهم القناني الفارغة وبقايا الطعام في الحجرة. أخذوه إلى الفريق، والذي واجهه بسؤال مباشر: هل أنت من اتصل وشتمني وأهل بيتي؟ الرجل لم ينكر، بل وأطلق على السائل ألفاظًا نابية، فلم يتمالك الفريق العمري نفسه، فأخذ مسدسه الشخصي وأطلق عليه رصاصة قاتلة في الرأس. لم يمضِ وقت طويل من الليل حتى أصدر رئيس المجلس الجمهوري القاضي عبدالرحمن الإرياني، قرارًا بتجريد العمري من رتبه العسكرية وإقالته من رئاسة الوزراء وتحويله إلى المحاكمة، غير أن أطرافًا في السلطة اكتفت بإزاحته ونفيه إلى القاهرة، دون محاكمة، وأُخرج السيناريو لاحقًا بأن الأمر لم يتعدَّ سوء فهم، وأن الاستقالة التي قبلها مجلس الشورى كانت مسببة بأسباب صحية! وهكذا طويت صفحة رجل انقسم فيه رأي الذين يعرفونه.

فمن هو الحرازي الذي قتله الفريق العمري؟ 

يقول الراوي، إنه صاحب استديو تصوير يقع في منطقة "بئر البَهمة" في شارع جمال، وكان أحد مؤسسي نادي الشعب الرياضي بصنعاء، وكان يرتبط بعلاقات ممتازة مع وجوه في السلطة، كانوا من ذوي الاهتمامات بالشأن الرياضي.

أما كيف تحصل على الرقم السري الخاص بالفريق العمري، ومن هي الشخصيات التي كانت برفقته ليلة الحادثة وغادروا مباشرة بعد المكالمة؟ فيقول الراوي، إن من كان برفقته شخصيات عسكرية وازنة (يتعذر ذكرها بالاسم)، صارت لها مواقع حساسة في الحكومة التي تشكلت برئاسة محسن العيني بعد إقالة العمري، منها موقع نائب رئيس الوزراء. والحادث الذي يبدو من وجهة نظر كثيرين جنائيًّا، ترتبت عليه عملية الإزاحة، غير أن المواقع التي شغلها رفاق تلك السهرة، تدل على أن الأمر كان مخططًا للتخلص من الرجل القوي(**). 

(**) هناك رواية أخرى لهذه الحادثة رواها لي (علي السري)، وبحضور عبدالرحمن الحرازي نفسه على طاولة المقهى، وقال إنه سمعها من والده الذي كان صديقًا لشقيق العمري من أمه وهو من روى القصة للأب، وعن الشقيق قال الأب: إن حرازيًّا كان يعمل مع العمري لديه تليفون باع رقمه لقريب له يملك (استوديو الشعب) دون علم العمري، الذي اتصل على الرقم ليلًا ودون أن يتحقق من هُوية الشخص الذي ردّ عليه، وأصدر له مجموعة من الأوامر السرية (تتصل بعملية تحرك عسكري للإطاحة بالقاضي الإرياني)، فما كان من صاحب الاستوديو إلَّا الإبلاغ عن هذه التحركات لأصدقائه المحيطين بالإرياني، وحينما علم العمري بذلك طلب من حراسته إحضار الحرازي صاحب البلاغ، فأحضروه إلى كشك بجوار مبنى وزارة الصحة (الثقافة حاليًّا)، وحينما واجهه لم ينكر فقام بضربه بعقب بندق (جرمل)، قبل أن يوجه له رصاصة قاتلة من ذات البندق. وإن صديقه الشيخ عبدالله الأحمر، رئيس مجلس الشورى حينها، سهّل عملية خروجه بطائرة خاصة، بعد اتهامه بقتل مواطن.

الروايتان تتفقان على واقعة القتل وعلى الشخص المقتول، وعلى عملية تجريد الفريق العمري من كل مناصبه كرجل قوي، وإخراجه من البلاد، غير أنهما تتقاطعان في رواية مشهد القتل وزمنه ومكانه والأداة المستخدمة فيه. 


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English