عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (4)

من سجن الرادع إلى ليلة الثورة
محمد عبدالوهاب الشيباني
April 1, 2021

عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (4)

من سجن الرادع إلى ليلة الثورة
محمد عبدالوهاب الشيباني
April 1, 2021

مثل عديد من الطلاب الذين بقوا في المظاهرة بعد أن وصلت إلى القرب من باب السبح، وجدت نفسي مستسلمًا لعنف العسكر والعكفة وعدوانيهتم، بعد حادثة إسقاط صورة الإمام وولي العهد وإسقاط راية المملكة الحمراء بسيفها ونجومها الخمسة ودوسها؛ لم أعد أمتلك القدرة على المقاومة، ولم أجد منفذًا للهرب كما فعل ابن عمي، الذي استطاع مغافلة العسكر والهرب باتجاه باب السبح، وصولًا إلى مسكن لأقرباء بعيدين لنا في صنعاء القديمة، حيث تخفَّى لأيام قبل أن يعود إلى المدرسة مع من عادوا.

 وبعد أن ساقونا بأعقاب البنادق والعصي الغليظة (الصموَل) إلى الرادع، استقبلنا جنود السجن بهتاف "حفظ الله الإمام، عاش الإمام"، وبأيديهم قيود وسلاسل حديدية ثقيلة، فكان كل من يقذفه العسكر إلى الباب يستقبله أحدهم بدق القيد على رجليه ساكبًا عليه شتائم حقيرة، ثم يدخله إلى زنازين المحبوسين الضيقة، والمعتمة، والقذرة؛ لتبدأ بعدها وليمة جديدة من الشتائم، أبطالها هذه المرة ليسوا الجنود، وإنما المساجين البائسين أنفسهم، الذين عاونوا عسكر السجن في تقييدنا وضربنا بحقد شديد لا نعرف له سببًا. 

قضينا ليلتنا الأولى في سجن "الرادع" في وسط جحيم حقيقي (جوع وعطش ووجع ومهانة)، ولم أستطع النوم من الوجع الذي استشرى في جسدي، ومن حنقي الشديد من الشتائم التي أغرقني بها، مع زملائي، العسكر المتعصبون، والمساجين الذين لا مصلحة لهم فيما يجري لنا من ترهيب نفسي وإيذاء جسدي.  

مرت أربعة أيام على وجودنا في السجن دون أن تحرك الجهات الأمنية والقضائية ساكنًا، بل تركتنا لازدراء العسكر وتنمرهم مع مساجينهم. قطعت المدرسة عنا الأكل والمعاش اليومي من "الكُدَم"، وكان يرثي لحالنا بعض المساجين الميسورين من المشايخ وأبنائهم، وبعض الوجاهات القبلية، وبعض أهالي المدينة الذين زج بهم الإمام السجن بعد أحداث دخول القبائل صنعاء. كانوا يتصدقون علينا بقليل من الكِسَر اليابسة وبقايا أكلهم، وفي اليوم الخامس تقريبًا وصلت اللجنة التي شكلها ولي العهد محمد البدر من كلٍّ من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (التي كان يرأسها في ذلك الوقت القاضي عبدالله الحجري)، ومن إمارة الجيش، ومثَّل الأولى في اللجنة القاضي زيد عقبات والثانية مثلها أبوطالب. فكانوا ينادون الطلاب من كشوف أعدها مدراء المدارس بأسماء الطلاب الذين اشتركوا في المظاهرات. مدير المدرسة العلمية وقتها يوسف الأمير كان يجلس بجوار عقبات وأبي طالب في باب السجن، وحينما كان يخرج الطالب المنادى باسمه بمعية شاويش السجن يسأله عقبات عن اسمه، ومن أين هو، فإن كان هاشميًّا ومن أسرة معروفة ومؤثرة، يمسكه من أذنه ثم يفركها بقليل من الخشونة ويقول له: "أنت عالِم وسيّد، ولا تكن تسمع كلام وهدار المخرّبين أصلح الله حالك يا ولدي"، ثم يأمر بإطلاق سراحه. وإن كان غير هاشمي، يسأله: "هل أنت عربي؟"، فإن أجاب نعم، يأمر بتقييد يديه إلى جانب قيد رجليه، ثم يأمر بإعادته إلى السجن. وإن كان "عربي وشرير"، حسب رأي مدير المدرسة الجالس بجواره، فإنه يأمر بإضافة "المرْوَد" إلى قيده (قطعة خشب ثقيلة تدخل بين قيدي الرجلين واليدين وتمنع المسجون من الحركة إلَّا بصعوبة شديدة).

كان قرار إطلاقي من سجن "الرادع"، في 23 سبتمبر 1962، ضمن مجموعة من السجناء الذين أمر الإمام الجديد محمد البدر بإطلاقهم على طريق وعوده بالإصلاح، بعد أن أمسك بالسلطة بعد وفاة والده في تعز ودفنه في صنعاء. غير أن خروجي كان في 25 سبتمبر، بسبب ديون تراكمت عليَ لصاحب مقهى في السجن

حينما وصلتُ إليه، بعد مناداتي من كشف المدرسة، وعرف من أكون، أمر بإعادتي إلى السجن بقيدي الوحيد، وبعد مرور شهر فكوا قيد إحدى الرجلين، ووضعوا حلقتها الثقيلة على الحلقة الحديدية الثانية في الرجل الأخرى، فصارت رجلي اليمين ثقيلة جدًّا بفعل الحلقتين الحديديتين. أما سبب فك القيد من إحدى رجليَّ، فكان بسبب مراجعة والدي لزيد عقبات، والذي كان يعرفه من أيام عمله في قضاء آنس، والتي مكنته من تملك أراضٍ وأموال غير منقولة في مخلاف حِمْيَر، تولى الوالد مع آخرين من الوجاهات الاجتماعية الإشراف على بعضها، وخصوصًا تلك القريبة من خرابة الحرازي (قريتنا). ولم يعد والدي إلى القرية، إلَّا بعد وعد من زيد عقبات بإطلاق سراحي السريع، لكن ذلك لم يحدث، وإن الذي حدث أن سيارات شحن خاصة بالجيش، أو سيارات نقل يستأجرونها من أشخاص كانت تأتي إلى السجن مساء، وتحمل بعض الطلاب المصنفين بـ(الأشرار) إلى سجون "وشْحَة" في لواء حجّة و"الأهنوم" و"السنارة" في صعدة، وتكون أيضًا قد أفرغت حمولتها من مساجين جدد أتوا بهم من تلك المناطق. وكنت قريبًا جدًّا من أن أكون واحدًا من هؤلاء، لولا تلك العلاقة بين والدي وعقبات.

عبدالرحمن الحرازي

 بقيت في السجن أزيد بقليل من ثلاثة أشهر، وكانت بالنسبة لي مدة كافية لأعرف الحياة الأخرى لليمنيين داخل سجون الإمامة القاسية التي تفتقر لأبسط شروط الإنسانية، ليس فقط من الحياة داخل السجن والإعاشة فيه، وإنما للمظلوميات الكبيرة للكثير منهم، والذين يموت البعض منهم في أقبيته المظلمة والقذرة بدون محاكمات، أو يقضون سنوات طويلة لمجرد أن خصومَهم نافذون يرغبون ببقائهم في السجن لأطول فترة ممكنة، وإن بعضًا منهم مسجونون برغبة من أصدقاء لعسكر السجن الذين يتفننون بإلصاق التهم بمن يريدون نظير القليل من المال وهكذا. 

بقيت في السجن بثوبي الوحيد الذي بدأ بالتهتك ولم يحمني من لسع حشرات البق والبراغيث؛ كنت وبشغف أتابع أخبار الزملاء من غير المسجونين معنا، فعرفت أن بعضهم هرب باتجاه عدن والبعض عادوا إلى قراهم، وقليل عادوا إلى المدرسة، التي عاودت فتح أبوابها بعد أيام من المظاهرة، بعد أن حررت أُسرهم تعهدات مغلظة بعدم تكرار ما حدث من قبل أبنائها. 

بعد ثلاثة أشهر كان قرار إطلاقي من السجن، وكان يوم 23 سبتمبر 1962، ضمن مجموعة من السجناء الذين أمر الإمام الجديد محمد البدر بإطلاقهم على طريق وعوده بالإصلاح، بعد أن أمسك بالسلطة بعد وفاة والده في تعز ودفنه في صنعاء. غير أن خروجي الفعلي من السجن لم يكن غير عصر يوم 25 سبتمبر 1962، بسبب ديون تراكمت عليَّ لصاحب مقهى في السجن كان اسمه (علي العِلَاق) وهو سجين معتق في "الرادع"، وكان يقال إنه أشهر لص وقتها في صنعاء، وكانت تستخدمه إدارة السجن في كثير من العمليات القذرة، وكان هناك أيضًا سبب إضافي لتأخر خروجي، وهو عدم دفعي لرسم فك القيد الذي يعطى كهدية لشاويش السجن. وبعد يومين تقريبًا، تدبر أخي الأصغر أحمد الذي صار طالبًا في المدرسة العلمية، المبلغ من بعض معارفه. كان إطلاقي صباحًا، وأول ما صافحت عيني الضوء خارج السجن أحسست أن الحياة، على بؤسها خارج السجن، تستحق المغامرة.

المهم وصلت إلى ميدان شرارة (التحرير الآن) وأنا أجرجر قدمي، لا أستطيع المشي بسبب فترة السجن والتقييد الطويل، التي جعلتني أشبه بمعوق شديد الاستسلام. وصلت إلى المدرسة واستقبلني أخي أحمد وزملاؤه في الشعبة الثانية، وأول ما فعلته قمت بأخذ بعض المستلزمات من أخي والذهاب إلى "المصبانة" (مكان يقوم فيه بعض الأشخاص بغسل ملابس الناس بالقرب من منطقة بئر السويدي "مباني الأوقاف")، حيث كان الغيل الأسود يُتلقف هناك بعد مروره من أسفل جامع حجر القديم في "شرارة". اغتسلت و"صبَّنت" (غسلت) ثوبي، وحين عدت إلى المدرسة ظهرًا، تناولت الغداء مع طلاب الشعبة، ولأول مرة منذ ثلاثة أشهر أحس بطعم الأكل برغم رداءته، إلّا أنه يبقى أفضل من بواقي طعام السجن. وبعد مسامرة طويلة مع الزملاء في المدرسة خلدت إلى النوم في الحادية عشرة مساء، وفي بالي أني سوف أصحو باكرًا من أجل السفر إلى القرية للسلام على الوالد وطمأنة الوالدة، وأخذ قسط من الراحة والاستشفاء من آثار السجن. غير أن مثل هذا التخطيط تبدد بعد ساعة ونصف حينما سمعنا في محيط المدرسة دوي انفجارات مرعبة لم نعهدها من قبل.

بعد جهد وافق الحارس على فتح جزء من الباب بما يكفي لمناولة السائل طلبه، وسألنا قائد الدبابة: ما الذي يجري؟ فقال مبتسمًا: في الصباح ستعرفون كل شيء

تلك الانفجارات أحدثت رعبًا وخوفًا شديدًا في أوساط طلاب المدرسة، فمنهم من اختفى في الحمامات ومنهم من تخفى تحت فُرُش "العطب" (مراتب قطن قديمة وثقيلة)، أو تحت "الزعل" (فُرش مصنوعة من وبر البهائم، وتحديدًا الأغنام)، ومنهم من أصابتهم حالات هستيرية شديدة، ترافقت بحالات إسهال وقيء. وحين هدأ الضرب في الساعة الثانية تقريبًا، خرجت تحت جنح الظلام، أنا وزميل لي من المناطق الوسطى (خُبان) اسمه محمد أحمد الشامي ويلقب بـ"الحُرِّي"، لمعرفة ماذا يجري في الجوار، متناسيًا كل الأوجاع التي في جسدي. فسمعنا دقًّا (طرقًا) شديدًا على باب المدرسة الخشبي الضخم، غير أن حارس المدرسة الحاج صالح الهمداني لم يفتح الباب، بل أمسك ببندقيته العتيقة وبقيَ متحفزًا لأي طارئ يأتيه من ناحية الباب، وحينها طلبنا منه أن يفتح الباب لمعرفة هوية الطارق في هذا الظرف وماذا يريد، وأنه قد يكون يحمل رسالة ما، وما إلى ذلك من المبررات التي أردنا من سوقها تليينه لفتح الباب! لكنه أصر وبكل صلابة على موقفه، وقال: "إن من يعطيني أمرًا لفتح وإغلاق الباب هو مدير المدرسة يوسف الأمير"، حتى أنه وجه سلاحه تجاهي وتجاه صاحبي إن لم نسكت، فلم يكن أمامنا غير تركه وشأنه. ثم تسلقنا السور لمعرفة هوية الطارق، فأخذتنا الدهشة حينما شاهدنا وبصعوبة مصفحة عسكرية واقفة بمحاذاة باب المدرسة وماسورة رشاشها موجه باتجاه دار البشائر، وأن أحد جنودها خرج من قمرة القيادة ليدق باب المدرسة طالبًا طعامًا وماء، وقال إن اسمه عبدالله المؤيد، فما كان منا سوى الهبوط من جديد إلى باحة المدرسة والذهاب إلى المطبخ للبحث عن أي شيء يؤكل، فجمعنا مع آخرين ما في "الجمن" (أوانٍ فخارية لحفظ القهوة) من بقايا قهوة، وملأنا الفارغات منها بماء، ثم بحثنا عن بقايا "كِدَم" يحتفظ بها الطلاب في صناديقهم، ثم عدنا للحارس الهمداني؛ لم نعد أنا وصاحبي "الحُرَّي" فقط، بل صرنا مجموعة كبيرة، وطلبنا منه فتح الباب لمناولة قائد الدبابة ما جمعناه من الخبز والقهوة الباردة والماء. وبعد جهد وافق الحارس على طلبنا، وفتح جزءًا من الباب بما يكفي لمناولة السائل طلبه. وسألناه: "ما الذي يجري؟"، فقال مبتسمًا: "في الصباح ستعرفون كل شيء". أغلق الحارس الباب، فعدنا إلى السور ورأينا الدبابة تتحرك شرقًا باتجاه ميدان "شرارة". لم نكن وحدنا متعلقين على السور الطيني للمدرسة، بل كان معظم الطلاب قد تخلصوا من خوفهم وخرجوا من (مُستخبَّاتهم) لمعرفة ما يجري بعد ساعات من الرعب، قضوها تحت الفُرش أو في الحمامات.


"يتبع"

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English