وجه سبتمبر.. أغنية لوطن لم يكن

من المارشات التركية إلى وجدان وطني تحفظه الأغاني
جمال حسن
September 29, 2020

وجه سبتمبر.. أغنية لوطن لم يكن

من المارشات التركية إلى وجدان وطني تحفظه الأغاني
جمال حسن
September 29, 2020
الصورة ل: عبدالرحمن الغابري

  اعتاد رجلٌ في قريتنا أن يتساءل، وهو ينظر أمامه، ما إن كان هناك عالمٌ وراء الجبال التي تتراءى لعينيه؛ إذ بدت له الجبال نهاية العالم الذي لا يعرف عنه شيئًا. كان ذلك خلال حكم الإمام أحمد، في خمسينيات القرن العشرين الفائت. سبق أن كتبت قبل سنوات كثيرة عن ذلك. فرض حكم الإمامة عالمًا محدودًا ومُحكمًا في عزلته، احتجز فضاءنا الوطني في تلك الحواجز الطبيعية، ربما الإمامة عمّقتها ولم تخترعها، ثم جاء سبتمبر/ أيلول 1962، وأعاد إحياء الوطن؛ فوُلِدَ الغناء الوطني من فجره. 

    عندما اندلعت الحرب بين اليمن والسعودية، لم يكن هناك فضاءً وطنيًّا، يجسّده أي شكل من الغناء. تشكلت الحرب في فضاء التعبئة الدينية، وبالنسبة لساحل تهامة الذي سيطرت عليه قوات الملك عبدالعزيز بن سعود، كان الوطن شكلًا متخيّلًا لا يعني شيئًا في سيطرة طرف عليه، ولم يتكون مفهوم الوطن بشكله الحديث في الشمال سوى مع ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962. كان للغناء الوطني الوليد دورًا في تشكيل الوجدان اليمني، المقموع في صيغ من التحريم إلى التعسف والقهر.

     لم تدعم السعودية خصمها القديم فقط، من قلق العدوى التي ستصيبها من الروح الثورية؛ خصومتُها كانت مع وطنية وليدة في جوارها. في ظل هذه الروح ستحارب اليمن كلها ضده، وليس فقط جيش الإمام الذي لم يكن يختلف بالنسبة لكثير من اليمنيين عن أي غازٍ آخر. تفاعل الفنان الراحل علي الآنسي بأغنية "جيشنا يا جيشنا"، فمن ناحية -كان انقلابًا على الإمام- لاحقًا أصبحت ثورة، حين اصطف اليمنيون للدفاع عنها من الشمال والجنوب.

    تفجرت الأغاني الوطنية في تعز وصنعاء، والجلي أن هذا الأسلوب الحماسي الذي عرفناه في الغناء الوطني لم يكن جزءًا من تركيبة الأغنية اليمنية التقليدية، لكنه لم يأتِ من العدم أو السليقة. وضع الفنانون اليمنيون ألحانهم متأثرين بالمارشات العسكرية التركية، إذ كانت تلك الموسيقى الوحيدة التي تبثها إذاعة صنعاء في الفترة الإمامية. تطور الأمر عند نهاية الخمسينيات حين بثت الإذاعة أناشيد مصرية ذات طابع قومي، في محاولة من الإمام لإثبات توجهه القومي، مع إعلانه الانضمام لوحدة مصر وسوريا. غير أن أسلوب المارش التركي، اتخذ سِماتٍ يمنية واضحة. 

    واللافت هو التطلع الذي نَمَا مع سبتمبر، لتسجيل الأغاني بمصاحبة الكورال والفرقة الموسيقية. سنلحظ ذلك في أغنية مبكرة لعلي الآنسي أيضاً، "اليوم يا تاريخ قف"، التي شاركته الغناء فيها الفنانة نجاح أحمد والكورال. ومنذ مطلع الأغنية، يتضح تأثير المارش، وكان واضحًا أن هذا الغناء الجديد لم يكن مألوفًا، وكانت أصوات الكورال أقل انضباطًا، كما أن صوت المغنية غلب عليه الطابع الريفي. مع هذا سنلحظ مزيجًا رائعًا بين أسلوب المارش ولحن الريف في أغاني الآنسي الوطنية. على أن أسلوب الكورال سيتطور لاحقًا، خلال السبعينيات والثمانينيات. 

  على صعيد آخر، حافظت الأغنية الوطنية اليمنية في الشمال على أساليبها المقامية، وحل مقام "الراست" الشرقي بصيغته اليمنية المعروفة، كبديل لمقام "العجم"، والأخير يفضله الملحنون في العالم لصياغة لحن ثوري أو وطني. وكما جرى على النشيد الوطني لشمال اليمن "في ظل راية ثورتي"، جرى تعديل مقاميٌّ على النشيد الوطني لجنوب اليمن، "ردِّدي أيتها الدنيا نشيدي"، ليتحول من "الراست" إلى "العجم"، بحيث يصبح بإمكان الآلات النحاسية عزفه ضمن التقاليد الشائعة في العالم. 

    لكن النشيد الوطني أيضًا تطور ليتخذ مجالين؛ أحدهما تقليدي وهو الشائع، ثم كانت هناك محاولات لتطوير النشيد في صيغ أحدث. وأثمر هذا النشيد عن تطورات في الأسلوب التقليدي، ولعلها بلغت ذروتها مع أناشيد أيوب.  

     ظهرت بعض الملامح الحديثة كما في نشيد "توقدي مشاعل الفخار" عبر توظيف مقام العجم، وكان غناء الكورال يبدو أفضل مما كان عليه. اللافت هو ظهور النساء بتلك الأزياء المشرقة، مثل الفرق المعروفة في بلدان عربية أخرى، وكأنها صورة لا صلة لها باليمن الذي أصبحنا نعرفه. وبين تلك الأغاني، لم نرَ أغنية يمنية يرددها كورال كبير بمصاحبة الفرقة الموسيقية في انضباظ مماثل، أو بالنسبة لما سمعته أنا، مع أن لحن الأغنية اعتمد على جمل لحنية سهلة وبسيطة. وبرزت الحداثة في عدن، التي ساهمت في الفضاء السبتمبري، ثم أصبحت بالنسبة لها نموذجًا من أجل الثورة ضد الاستعمار.

تمنحنا أغنية "مواكب الزحف" أسلوبَ أيوب طارش التعبيري، وبساطته اللحنية التي صاغها في ملامح مفهومةٍ لكل اليمنيين باختلاف مستواهم الثقافي، وهكذا وصل أيوب إلى اليمنيين من صعدة إلى المهرة.

    ظهرت كثير من ملامح التطور، بصورة لا يمكن نكرانها، في الفرق الموسيقية، وحتى في أسلوب عزفها، لكنه ظل تطورًا محدودًا، لم يُكتب له الاستمرار حتى يبلغ مرحلة النضج. 

    وفي ظل تداعيات الثورة والإحساس الوجداني بروحها، كانت أغاني أيوب طارش الوطنية المثال الأوضح على تطور النشيد الوطني التقليدي، إذ اتخذ في أسلوبه طابعًا يمنيًّا يلتقي مع كل الأشكال الغنائية المحلية. وعلى مدى بساطته وتآلفه مع الروح اليمنية، أضفى عليه بعض ملامح التطور في الغناء العربي مع الحفاظ على أسلوبه اليمني. أعطى أيوب الغناء الوطني طابعه التعبيري الخاص. على سبيل المثال، في أغنية "مواكب الزحف" من كلمات عباس المُطاع، يبدأ لحنه بصيغة تقليدية على مقام "الراست"، ثم يتخذ منحى تصعيديًّا في الأجزاء الأخرى من اللحن مع تحولات مقامية.

    يتطرق أيوب إلى الغناء الوطني في مفهوم تعبيري واسع، وهذه الأغنية تُعتبر مثالًا على التنويع اللحني في صيغٍ تعبيرية واضحة. فالبداية ذات طابع جلل يتغنى بالمواكب الزاحفة، وتتولد مفاهيم غنائية بسيطة ومستعارة من روح الشعب اليمني. فمن ناحية تتوسع على أشكال مختلفة، وكذلك لا يُخفي أيوب تأثره بالغناء العربي، والمعروف عنه عشقه لموسيقى محمد عبدالوهاب. ويبدو أن هذا التأثر صاغه في قيم لحنية جديدة دون الانخراط في التقليد، ليحافظ على الأسلوب اليمني. 

    لنلاحظ كيف يغدو اللحن رخيمًا عندما يذكر "أيلول"، وكيف يتحول من الحماسة إلى الوقار عند الانتقال إلى "سلِ النجوم التي كنا نساريها"، ثم التصعيد عند كلمة "سبتمبر" يتبعه انخفاض، وهو يعبر عن عدم بقاء طاغٍ في أراضينا. فالدلالة على شهر الثورة تتخذ ثلاثة مستويات سبق وذكرنا اثنين منها، والأخير يأتي بعد تصعيد حماسي إلى تنغيم "سبتمبري" كدالة لحنية تتطور إلى تنغيم يتسم بالحميمية، ويستمر التصعيد بعد قفلات تبدو "كليشية" في اللحن، لكنها تمنحنا أسلوبَ أيوب التعبيري، وبساطته اللحنية التي صاغها في ملامح مفهومةٍ لكل اليمنيين باختلاف مستواهم الثقافي، وهكذا وصل أيوب إلى اليمنيين من صعدة إلى المهرة. 

     عبّر صوت أيوب عن ثورة سبتمبر من منظور واسع، وبصورةٍ ما حاول أن يصكّ أسلوبه الخاص في فضاء غنائي متعدد الأشكال. كان ضمن جيل أو جيلين انبثق وجدانهم التعبيري من "سبتمبر" و"أكتوبر". حاولت ثورة سبتمبر أن تقضي على العزلة، ونتج عنها تيارات تعبيرية صاغت مفهومًا جديدًا للأغنية. والأغنية مثل الثورة وصلت سقفًا من التحديث، تحالفت ضدها التقاليد ورواسب الماضي، ومشاعر قديمة في الداخل والخارج، لطالما أُضمرت لها. غاب الوطن الذي حلم به اليمنيون، وما زال باقيًا في الأغنية.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English