تمثيلات وسمات نص الهجرة (2-2)

من الأميَّة إلى الأحلام التي تُشذبُها الرغبات
محمد عبدالوهاب الشيباني
January 7, 2021

تمثيلات وسمات نص الهجرة (2-2)

من الأميَّة إلى الأحلام التي تُشذبُها الرغبات
محمد عبدالوهاب الشيباني
January 7, 2021

عرضنا في الجزء الأول من تمثيلات وسمات الهجرة في النص الأدبي موضوع البحر، الذي مثل ركيزة قوية في المنصوص ومعالجات الكتابة عند معظم الكتاب، وهنا نستكمل عرض ثيمتين فاعليتين، هما أمية المهاجر وأحلامه.

(ب) الأمية التي حوَّلت أصحابها إلى حكائين 

مثلما تبينت الهجرة بجملة الأسباب التي عرضناها، وعلى رأس ذلك الظلم والجوع الذي أدرك المهاجرين، كشفت جملة النصوص التكوين المعرفي للمهاجرين، الذين هم في الغالب أميون، قذفت بهم ظروف الهجرة إلى عوالمها الجديدة، ليعملوا في أبسط المهن؛ عمال فحم في قيعان السفن، أو عربجية وحمالين في أسواق بورتسودان، أو أصحاب دكاكين بائسة في مدن الحبشة وقراها، أو عمال ورش ومحطات بنزين ومعامل في ميتشجن. أكثرهم كانوا يحفظون القليل من سور القرآن، التي تعلموها في كتاتيب قراهم البعيدة، ويفقهون القليل جدًّا من فك الكلمات:

"علي الزغير" في رواية "صنعاء مدينة مفتوحة" يقضي كل عمره في البحر، لكنه ظل على أمّيَّته وجهله، بالرغم من ذهابه في وقت مبكر من حياته إلى مدينة زبيد من أجل أن يتعلم، ولم يحدث ذلك. فضل اليافعي في رواية "قرية البتول" الذي كان أميًّا، وتعلم بعض الكلمات الإنجليزية على يد بحار صومالي، وتفتقت مداركه أكثر على يد رفيقه صالح الذي كان يقاسمه الغرفة، والأخير كان قد تخلص من أميته خلال إقامته، وعمله في مقهى في مدينة عدن، قبل ركوبه البحر للعمل على ظهر الباخرة الإنجليزية. 

"ناجي الزبيدي" في رواية "طيف ولاية" مهاجر أُمي، لا يعرف القراءة والكتابة، وإن كان يتحدث الإنجليزية التي اكتسبها من عمله على ظهر السفن، وتنقلاته في أوروبا وأمريكا، وإقامته في ليفربول. وبسبب أميته تنهبه زوجته الإنجليزية "إميلي" كل ممتلكاته، فقد "نصبت عليه واستغلت عدم معرفته القراءة وخدعته، فوقع على أوراق لا يعرف محتواها"، باع لها بموجبها المطعم الذي كان يمتلكه في ليفربول.

المهاجر "مثنى" في مسرحية "المغترب التائه" لعبدالكريم السوسوة، لا يعرف القراءة والكتابة، وحين يحقق معه ضابط الاستخبارات في عدن تتكشف أميته، حين يُبان الفارق بين وعيين، إذ غدت المصطلحات التي يستخدمها الضابط، وبعد ذلك السجين قاسم في تحقيقات الأول، ومحاورة الثاني معه تؤوَّل بواسطته بحدود معرفية بسيطة: "أنا عمري ما دخلت مدرسة، أنا هاجرت من اليمن قبل الثورة مع خالي، وعمري كان اثني عشر سنة وظليت أشقى في الحبشة وما كانش عندي وقت أفكر في الدراسة". العبد "سالمين" في رواية "عمار باطويل"، أيضًا يسافر إلى جدة مع مالكه وهو لا يفقه القراءة والكتابة.

النموذج الوحيد الذي ذهب إلى مستقره الجديد في جاوه، وهو على قدر من العلم، هو "عبدالله" في رواية "فتاة قاروت" فلم يكن، حسب النص، "من عامة الشعب، فقد تربى في حجر والده وأساتذته تربية حسنة، وأخذ بحظٍ وافر من العلوم والآداب، واتصل بكثير من العلماء وأهل الفضل في حضرموت، وله ميل زائد إلى الأدب وأهله". 

لكنهم قد يعودون من هجرتهم، وهم ممتلئون بالحكايات ودهشة الخارج، وقد كان "لفعل الهجرة من الريف إلى المدينة دور في انتشار"الحكاية"، فالفلاح العائد إلى قريته -يرجع ليحكي- يروي للناس ما شاهده في المدينة، ويضيف من خياله، بل يلون في كثير من الأحيان واقع المدينة، لا يضيف بؤسها، يروي وجهها اللامع الزاهي، ويسكت عن الأشياء الأخرى، التي تمس واقعه بالدرجة الأساسية"، كما يقول هشام علي.

حينما يعود الشاب "عبدالله" من" ديترويت" إلى قرية أبويه بمنطقة "جُبَن"، في رواية "رجال الثلج"، كان يتحلَّق حوله شباب القرية ليحدثهم عن أمريكا "الأسطورة التي تصم الآذان، وعن الحلم الكبير

يرد على لسان أحد رعية الشيخ في قصة "العائد من البحر"، لزيد دماج، وهو يتحدث عن المهاجر العائد؛ "يقولون أنه يحكي لهم مغامراته في البحر، ومشاهداته في البلدان التي رآها". 

"المهاجر الحقيقي"، عند ذات الكاتب، العائد من وراء البحار بدأ يقص رحلته منذ مغادرته لميناء "مرسيليا" في "بلاد الفرنجة"، وكيف تنقل من ميناء إلى آخر، ومن بلدة إلى أخرى ومن بحر إلى بحر!! لم يعر ذلك اهتمام الشيخ أو أي من حضوره، وحين قاطعه الشيخ بالسؤال عن كيفية وصوله من أسمراء؟! أجابه: جوًّا، فوق السحاب، وتارة تحتها، على الطائرة. 

"الذماري"، في نص ثالث للكاتب نفسه، وهو يحكي للمقهوية "وردة" في صنعاء عن رحلته "وصف لها البحار والموانئ ونوادر اللغة وفتيات الحانات في هونج كونج وزنجبار. طلبت منه أن يتكلم بلغة الطبيب، فأجاب رغبتها وبدأ يتكلم بالإيطالية ويترجم لها وهي تضحك بلذة لكلامه". 

"الرجل العربي"، في رواية "فتاة قاروت"، الذي يقابل عبدالله في القطار فيحكي له وبلهجة حضرموت، عن المظاهر السلبية للمهاجريين العرب الحضارم في جاوة، ومنها تعمير هذه البلدان دون حضرموت، ويُكسبُون أنفسهم عادات مختلفة عن تلك التي تربوا عليها هناك في أرضهم البعيدة:

"أما عبدالله فقد أعجب بحديث الرجل، وما يبديه من الآراء الصائبة، وندم على عدم التفاته إليه أول الأمر، وصار يقارن بين أفكار ذلك المتخرج من المدارس الأوروباوية الحسن العزة المرتب الهندام وأفكار هذا العامي الذي لم تطأ قدمه مدرسة، ولم يفتكر يومًا تزيين ظاهره بما يناسب ذوق المنتظمين، فرأى عبدالله فرقًا كبيرًا بين الرجلين ورأى أن حب الوطن وأهله والغيرة عليه وعليهم يتجلى بأكمل معانيه في كلام هذا العامي، كما سمع عكس ذلك في صاحبه المتفرنج".

حينما يعود الشاب "عبدالله" من" ديترويت" إلى قرية أبويه بمنطقة "جُبَن"، في رواية "رجال الثلج"، كان يتحلَّق حوله شباب القرية ليحدثهم عن أمريكا "الأسطورة التي تصم الآذان، وعن الحلم الكبير الذي يود كل واحدٍ منهم أن يجرب حظه فيه، ولأنه قد ترعرع هناك فقد كان يحس بنوع من الحنين إليها، خصوصًا حينما تأخذه سكرة القات، فيسهب في الوصف وأصحابه مشدوهون لما يقول". 

(ج) الأحلام البسيطة التي تُشذبُها الرغبات

 باستثناء "سالمين" عند عمار باطويل، الذي لا يرغب بالعودة إلى حضرموت؛ لأنها تذكره بتاريخ العبودية، وذوبان مالكه السابق "حمد" في المجتمع الجداوي الجديد-نسبة إلى مدينة جدة، فإن معظم الشخصيات المهاجرة التي تناولها الأدباء المعاصرون لديها أحلام العودة إلى وطنها ورؤية هذا الوطن، الذي غادرته ذات وقت فقيرة ومظلومة، وقد صار بحالة أخرى، غير تلك التي تركتها، وهو يعاني الفقر والتخلف والانغلاق والاستبداد:

"أتمنى ألا أموت حتى أرى بلدي هذه مثل تلك البلدان التي زرتها. أتمنى أن تكون كتركيا، أتمنى أن أرى الطريق مرصوفة، وخطوط السكك الحديدية تخترق جبلنا كتلك التي تخترق جبال الحبشة. وأرى السدود على وادينا هذا، وغيره من أودية بلادنا الكثيرة، فلا يموت السيل، ولا تضيع مياهنا في الصحراء، ولا يلتهم السيل أطفالنا وماشيتنا وأرضنا. أتمنى أن أرى بلادنا كبلاد الآخرين، أتمنى ألا أموت حتى أشاهد ذلك"، كما يقول المهاجر العائد محمد مقبل في رواية "صنعاء مدينة مفتوحة".

في نص "أبو رُبيَّة" في مجموعة "الأرض يا سلمى" لمحمد عبدالولي نلحظ الحنين الباذخ للرسام المجنون لليمن، حين يرسم بعصاه تضاريسها من جبال وأودية وشموس وحيوانات، ويقول أنا أرسم شيئًا يشبهني"

 "محمد المهاجر" في رواية علي محمد زيد "تحولات المكان"، صاحب المدرسة الخاصة الغريبة العجيبة في صنعاء، "واظب في البداية للاستماع مخدرًا إلى أمواج أثير بثت ذات يوم غريب في شرايين ضياعه وإحباطه للعودة إلى بلد بعيد المنال، لا يربطه به سوى جيش بعوض محمل بالملاريا، ومكر وجوع يصرخ في رئات استوطنها السل، وأسراب جراد يلتهم ما تبقى من حياة في عروق أشجار امتصتها الشمس وشوتها. حث الخطى مسرعًا ليشارك في المشروع الجمهوري الجديد الحالم من خلال الحرفة الوحيدة التي تعلمها في اغترابه وتشرده حتى أصبح لا يجيد سواها "التعليم" وتوسيع دائرة الممسكين بأعجوبة القلم".

"الذماري" في قصة تحمل نفس الاسم في مجموعة "طاهش الحوبان"، يعود من وراء البحار إلى صنعاء في العام 49، بعد عام من بعد الحركة الدستورية؛ "شد انتباه الناس إليه، ذقنه الحليق ولباسه الغريب، بنطلون و"بلوفر"، الغبار يعلوه وحقيبته الصغيرة بيده". ومع المقهوية وردة يدور الحوار التالي:

"ماذا تريد عمله؟/ مترجم/ واستغربت لهذا اللفظ الجديد، فشرح لها أنه يجيد عدة لغات، إحداها الإيطالية التي يجيدها جيدًا، ويريد أن يعمل مع الطبيب الإيطالي الوحيد في البلاد"، وقال لكاتب العامل: "أنا يمني مهاجر، عاد من المهجر، يريد العمل كمترجم يفيد بلاده ومواطنيه...و...و". 

وفي نص آخر لزيد دماج، وبعد أن ملَّ أحد مهاجريه من الترحال، "تلألأت في جفنيه ومضات النجم اليماني، فاشتاق إلى موطنه، ذلك الوطن الجبل الكبير بحجم الدنيا كلها". 

أما حلم عبده سعيد، في رواية "يموتون غرباء"، فكان يتجسم في إبصاره لصورة داره التي علقها في الدكان: "متى سيقول الناس: منزل من هذا؟ يا له من منزل عظيم! ومتى سيسمع هذه الأجوبة التي حلم بها أعوامًا طويلة، في ليالي الشتاء الباردة، وتحت قمر الربيع الحالم. إن هذا المنزل، وذلك البستان، والمدرجات الكثيرة التي في الجبل هي ملك عبده سعيد، ولا أحد غيره". 

في نص "أبو رُبيَّة" في مجموعة "الأرض يا سلمى" لنفس الكاتب نلحظ الحنين الباذخ للرسام المجنون لليمن، حين يرسم بعصاه تضاريسها من جبال وأودية وشموس وحيوانات، ويقول: "أنا أرسم شيئًا يشبهني". 

"أبو عزيز" في رواية "ربيع الجبال" يعود إلى صنعاء، وأثناء إقامته في فندق الخير للراحة والنوم في قلب صنعاء مع مجموعة من العمال وصغار الموظفين، وبعض الذين ينتظرون دورهم في الهجرة إلى السعودية عن طريق التهريب، تتكشف من حكاياته ذلك الحلم الذي طارده في كل مكان، وهو حلم البحث عن الذات في الوطن، الذي كان يتخلق جديدًا بعد سنوات قليلة من الثورة. 

وذات الحلم راود "ناجي" في رواية (طيف ولاية) والذي ستكشف في حواره مع صديقه اللبناني مدرس التاريخ حين يقول: "حسنًا، إذن أعود وألتحق بالمقاتلين وأُدافع معهم عن الجمهورية التي تقول بأنها في خطر، بعدها أحقق أحلامي في بلادي، أحلامي التي لن أتمكن من تحقيقها في مكان آخر".



إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English