وادي رماع.. حصاد ثلاثية الروح

السيول تشوه جماله، وأزمة الوقود تخفض إنتاجيته الزراعية
وافي الجرادي
October 9, 2020

وادي رماع.. حصاد ثلاثية الروح

السيول تشوه جماله، وأزمة الوقود تخفض إنتاجيته الزراعية
وافي الجرادي
October 9, 2020

    عندما تدخل إلى وادي رماع، يخبرك أنه محتفٍ بحضرتك، لم تكن محسودًا إذا ما بدوت سعيدًا للغاية في حال زيارته، التي تعد بمثابة حصاد ثلاثية الروح، المتمثلة بالجمال والسعادة والطبيعة الخلابة.

    يعد وادي رماع أحد الأودية اليمنية الرئيسية السبعة القادم؛ من ضوران آنس، ومن حمام علي، وشمال جبال عتمة، وشمال وصاب، وجنوب ريمة، ويشق طريقه بين جبال وصاب وريمة مرورًا بالمشرافة وبني سوادة، ثم الجروبة والحسينية ويصب في البحر الأحمر.

     على مرتفعات جبال ذمار، وتحديدًا الشمالية تنبع مياهه وتغذيه عدة روافد واقعة على امتداد ذمار وريمة والحديدة، ليبلغ امتداده الطولي قرابة 210 كيلومتر، بينما مساحة حوضه تبلغ 2540 كيلومترًا، ليسير هذا الوادي في وسط سلسلة جبال شديدة الارتفاع على جانبيه الجنوبي والشمالي. 

    لم تكن تعدد مصباته فقط سببًا لأن يعشقه السواد الأعظم من اليمنيين، ولكن التنوع في كل شيء هو سبب لجذب الزوار من كل مناطق اليمن، إذ تعد الخضرة التي تكسو الوادي كفيلة بإنعاش الزائر وتمتعه بجمال طبيعته الساحرة، لذا يكبر في الخيال ويزداد كبره في الواقع.

يشكو المزارعون في وادي رماع من الأضرار التي تسببت بها السيول مؤخرًا في جرف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إلى جانب أزمة الوقود التي ضاعفت خسائرهم وفاقمت من معاناتهم بشكل كبير

    يروى عن هذا الوادي أنه كان الرافد الأعظم لجيرانه، لم يرد جائعًا أو عاطشًا، هاجروا إليه في أيام القحط وأمنوا فيه وقت الخوف، فالوادي يغطي مساحة زراعية شاسعة، ويوزع خيراته بعطاء وفير على مختلف المديريات ومن محافظات عديدة.

أضرار زراعية متفاقمة

    ما يميز وادي ارماع هو تنوع الغطاء النباتي الكثيف، حيث تنتشر على جنباته ما تسمى "اليرع"، التي يطلق عليها أيضًا "القصب"، وهي تلعب دورًا كبيرًا في مكافحة السيول الجارفة للتربة، كما تشتهر زراعة الموز والمانجو بكميات كبيرة في وادي رماع، إضافة إلى قيام المزارعين بزراعة الموز طوال العام إلى جانب المانجو وبأنواعه المختلفة من تيمور وسوداني، بركاني، البامبيه، بالإضافة إلى الطماطم والبطاطس وجميع أنواع الخضروات.

    أيضًا مختلف أنواع البقوليات والفواكه، وهو الأمر الذي جعل الأسواق تتوزع على امتداد الوادي، حيث تقع الكثير من الأسواق الأسبوعية التي كان يقصدها الكثير من السكان في المناطق المجاورة، التي ما زالت قائمة حتى اللحظة، كما تغطي منتجات وادي رماع الزراعية جزءًا مهمًّا من احتياجات الأسواق في جميع محافظات الجمهورية.

    ويشكو المزارعون في هذا الوادي من الأضرار التي تسببت بها السيول مؤخرًا في جرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية عجزت قدرات المزارعين عن استعادتها، كما توجد أراضي زراعية تشكو الإهمال في ظل انعدام المشتقات النفطية، حيث تحتاج إلى المولدات لرفع الماء إليها، الأمر الذي جعل المزارعين حسب وصفهم بين خيارين، أحلاهما مرّ؛ إما إعادة إصلاح الأراضي الزراعية التي دمرتها السيول، وإما شراء المشتقات النفطية بمبالغ كبيرة للاستمرار في ممارسة الزراعة التي قد تكون خسارتها فادحة.

محبوب العزي، وهو أحد المزارعين في المنطقة، يقول لـ"خيوط" إن ارتفاع كلفة الوقود أثر بشكل كبير على الإنتاج الزراعي لأصناف عديدة من الخضروات إلى جانب بعض الحبوب، مثل الذرة الشامية.

    ومع اشتداد أزمات الوقود يتضرر الكثيرون ويصبحون غير قادرين على توفير الوقود للعملية الزراعية، ما أدّى إلى تأثر الإنتاج وانخفاض المعروض من المنتجات الزراعية وارتفاع أسعارها.

    وتشهد الأسواق اليمنية منذ نحو ثلاثة أشهر ارتفاعًا تدريجيًّا مطّردًا للسلع والمنتجات الزراعية، الذي يرجع لعوامل عديدة، أهمها أزمات الوقود المتفاقمة والأمطار الغزيرة، وما نتج عنها من سيول ألحقت أضرارًا بالغة ليس في المزارع فقط، بل في قطع الطرقات، وتأثير ذلك على عمليات النقل والتسويق.

    يؤكد مزارع آخر من سكان وادي رماع لـ"خيوط"، أن السيول تسببت في جرف الكثير من الأراضي الزراعية الواقعة على مقربة من مياه الوادي التي كان منسوبها مرتفعًا هذا العام. 

أزمات ضارة بالتنوع الاقتصادي

    يعاني سكان هذا الوادي والمناطق المحيطة به، كغيرهم من اليمنيين في مختلف مناطق ومحافظات الجمهورية، خصوصًا المزارعين والعاملين في القطاع الزراعي، من العديد من الأزمات المركبة المتداخلة مع بعضها بعضًا في ظروف زمنية وجيزة، إذ ضاعفت أزمة الوقود وارتفاع تكاليف توفيره، وما نتج عن السيول من أضرار جسيمة، معاناةَ المزارعين في وادي رماع بشكل كبير، وكبدهم خسائر وتكاليف باهظة.

    في هذا الصدد يدعو علي عبده، أحد المزارعين في الوادي، في حديثه لـ"خيوط"، الجهات المعنية إلى مساعدة المزارعين والسكان المتضررين، والعمل على تذليل العوائق التي تواجه مزارعي الوادي.

    وذلك كما يؤكد هذا المزارع، من خلال تقديم المساعدات المادية للمزارعين، وتوفير الجرافات التي بمقدورها إعادة الحقول الزراعية إلى ما كانت عليه قبل أن تتحول إلى أراضٍ مستوية مطمورة بالمياه.

    ويعتبر وادي رماع أحد الروافد الاقتصادية والتنموية، ليس في المناطق التي تحيط به بل لمناطق أخرى مجاورة في عدة محافظات، إضافة إلى ما توفره الزراعة الواسعة في الوادي من فرص عمل، تستقطب المئات من الأيادي العاملة من مختلف مناطق الوادي والمناطق المجاورة.

    كما يعد "رماع" من أهم الأودية اليمنية التي تتميز بمقومات زراعية واسعة إلى جانب جمال طبيعته الساحرة، وما يزيد من جمال الوادي هو انتشار مزارع الموز والطماطم والبطاطس على مساحات شاسعة وغيره من المحاصيل الزراعية المتنوعة.

كان الوادي مقصدًا للكثير من المزارعين حينما كان الحال يشتد بهم في مناطقهم من نقص الأمطار، ما دفعهم إلى الهجرة بمواشيهم صوب وادي رماع، إذ يوفر سكان الوادي كل ما يحتاجه الزائر أو النازح إليهم

    كما يوفر الغطاء النباتي ومساحات الرعي تعزيزًا كبيرًا للثروة الحيوانية، وفيما كان المواطنون قديمًا يسيرون على أقدامهم لمسافات طويلة من أجل تسويق منتجاتهم، خففت الطرق الحديثة والمنتشرة على امتداد الوادي في مختلف المديريات من هذه المعاناة، وسهلت مهمة نقل المنتجات الزراعية، كما لوحظ مؤخرًا انتشار خلايا النحل بشكل كبير لوجود مراعي شاسعة على جنبات الوادي.

سكان الوادي

    تعد الزراعة المهنة الأساسية لسكان وادي رماع، إلى جانب ما وفرته التربة الخصبة، واتساع رقعة الوادي الزراعية، وترابط سلاسله الجبلية، والمراعي الواسعة للسكان لتريية الحيوانات، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من منتجاتها.

    يتوزع السكان حول هذا الوادي من مختلف المديريات، ومن عدة محافظات، لكن الانطباع الأهم الذي يمكن الخروج به عن سكان الوادي هي قلوبهم الجميلة وحياتهم الاعتيادية التي عمقت فيهم معاني البساطة.

    اللقاء بساكنيه يبعث الارتياح والامتنان، لكونك في ضيافة أحد أبناء الوادي الكرماء، كما يعيش أيضًا نسبة متوسطة من المهمشين على امتداد الوادي، الذي ترتفع فيه درجة الحرارة صيفًا وتعتدل شتاءً، ومما يجعل السكان المتوزعين على هذا الوادي أكثر تميزًا هو اتساع قلوبهم، فقد كان الوادي مقصدًا للكثير من المزارعين حينما كان الحال يشتد بهم في مناطقهم من نقص الأمطار، ما دفعهم إلى الهجرة بمواشيهم صوب وادي رماع.

    إذ يحرص سكان الوادي على استقبال الزوار القادمين بسعة صدر، ويوفِّرون لهم البيوت ليقيموا فيها، ويقوم الوادي بدوره في توفير الكلأ والماء والحطب والتربة الخصبة.

    كما أن هناك الكثير من الحيوانات في هذا الوادي، أيضًا يتم تربية المواشي بكل أنواعها؛ الأغنام والأبقار والماعز، فيما الطيور بأنواعها تنتشر بكثرة في هذا الوادي، إضافة إلى وجود الأسماك الصغيرة في الماء تسمى (الوزف)، التي يتم اصطيادها وتجفيفها وبيعها في الأسواق المجاورة.

    كل هذا التنوع جعل من "رماع" أيقونة إبداعية وروعة في الجمال، يجد الزائر له كل صور المتعة والجمال، وعندما تنوي العودة منه لا تنظر إلى الوراء، فربما تتشبث بك حفاوة وبهاء الوادي أو طيبة ساكنيه، ليبقى الوعد بالعودة البلسم الوحيد لألم الرحيل.

تحرير خيوط*

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English