كيف نقرأ فوز عبدالرزاق قرنح بـجائزة نوبل للأدب؟

في حيثيات التحول والانفتاح الجغرافي بمنح الجائزة
أحمد الأغبري
October 22, 2021

كيف نقرأ فوز عبدالرزاق قرنح بـجائزة نوبل للأدب؟

في حيثيات التحول والانفتاح الجغرافي بمنح الجائزة
أحمد الأغبري
October 22, 2021

مثّل فوز الروائي التنزاني، المقيم في بريطانيا، عبدالرزاق قرنح (73 سنة) بجائزة نوبل للآداب 2021، مفاجأة انطلقت من قول البعض إن الرجل لم يكن على قائمة الترشيح أمام لجنة الجائزة، فيما يقول آخرون إن فوزه يثبت أن الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، المانحة للجائزة، قد غيّرت رؤيتها تجاه منح الجائزة (جغرافيا ونوع)، لاسيما بعد الهزة العنيفة التي تعرضت لها الأكاديمية والهيئة السرية التي تختار الفائزين عام 2018، بعد مزاعم بالتحرش الجنسي؛ ما تسبب في تأجيل منح الجائزة للعام اللاحق، لتُمنح للبولندية أولجا توكارتشوك، فيما أدى منح جائزة عام 2019، للنمساوي بيتر هاندكة، إلى احتجاجات على دعم هاندكة للصرب خلال حروب البلقان عام 1990.

وفيما مُنحت جائزة العام الماضي (2020) للشاعرة الأمريكية لويز جلوك، إزاء «صوتها الشعري غير التقليدي، الذي يسود الوجود الفردي عالميًا بجماله المطلق»، يأتي منح جائزة هذا العام لعبد الرزاق قرنح، بمثابة تحول –وفق متابعين- في وعي لجنة الجائزة، حتى وإن كان الفائز يكتب بالإنجليزية؛ فذلك لا يُقلل من قيمة فوزه بالجائزة كأفريقي يتبنى معاناة أفريقيا في كتاباته تحت عنوان "الهجرة والهُوية".

  تتمثل الجائزة في ميدالية ذهبية و10 ملايين كرونة سويدية (أكثر من 1.14 مليون دولار). وتأتي الجائزة من وصية تركها المخترع السويدي ألفريد نوبل للجائزة، والذي توفي عام 1895.

  في ذات السياق تحدثت تقارير عن أن اسم قرنح لم يكن موجودًا في أي مكان في قائمة المرشحين لجائزة نوبل للآداب هذا العام، حتى إنه لم يرد اسمه في قوائم الخبراء الآخرين لجائزة نوبل في الأدب...، مما يفهم منه متابعون أنه تم مراجعة الترشيحات الأولية وفق المنظور الجديد، الذي سبق وتحدثت عنه الأكاديمية الملكية السويدية؛ وبالتالي تم اختيار قرنح فائزاً بجائزة هذا العام لتعود الجائزة إلى أحضان أفريقيا هذه المرة.

  قرنح هو خامس أفريقي يفوز بجائزة نوبل في الأدب؛ ففي عام 1986، حصل النيجيري وُول سوينكا على جائزة نوبل للأدب، وتلاه الأديب المصري نجيب محفوظ، والذي حصل عليها عام 1988، وهو أول أديب من شمال أفريقيا وأول عربي مسلم يفوز بها، ثم فازت بالجائزة الروائية الجنوب أفريقية نادين غورديمر عام 1991، وفي عام 2003، مُنحت الجائزة للكاتب الجنوب أفريقي جون ماكسويل كوتزي...، وإن كان نجيب محفوظ محسوب على اللغة العربية ومنطقة الشرق الأوسط.

اللافت أنه على مدار 118 عامًا من تاريخ جائزة نوبل، لم تفز أي لغة أفريقية بجائزة نوبل للآداب.

  ولد عبدالرزاق قرنح في زنجبار، الأرخبيل الواقع قبالة سواحل شرق إفريقيا، والتي أصبحت جزءًا من تنزانيا. لجأ قرنح، الذي ينحدر والده من أسرة عربية يمنية، إلى بريطانيا في نهاية الستينيات، بعد بضع سنوات من الاستقلال هربًا من نظام قمعي كان يضطهد الجالية العربية المسلمة التي ينتمي إليها.

من بين 117 فائزًا مُنحت جوائز نوبل منذ نشأتها لـ95 من الأوروبيين أو الأمريكيين الشماليين، وحسب تقارير فان أربعة من كل خمسة من الحائزين على جائزة نوبل هُم من الكُتاب الإنجليز.

ووفقًا للجنة نوبل في بيان، فإن الجائزة مُنحت لقرنح «لتقديمه فهمًا عادلًا ورحيمًا لتأثيرات النظام الاستعماري ومصير اللاجئين عبر الثقافات والقارات» في روايته "الجنة".

وقال رئيس لجنة نوبل للأدب، أندرس أولسون، «يعطينا عمل قرنح (رواية "الجنة") صورة واضحة ودقيقة للغاية لإفريقيا أخرى غير معروفة للعديد من القراء، وهي منطقة ساحلية في المحيط الهندي استُعبِدت واضطهدت من قبل مختلف الحكومات والقوى الاستعمارية: البرتغالية والهندية والعربية والألمانية والبريطانية».

  وكتب الكاتب الفرنسي، الذي ينحدر من جيبوتي، عبد الرحمن وابري، في صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" عام 2010، أن «روايات قرنح، متجذرة في التاريخ الاستعماري لشرق إفريقيا ومشبعة بالأساطير السواحيلية المطعمة بلغة ساحرة، وتنقُل بين القصص الإرشادية، والتعايش مع ألم المنفى، واستكشاف الذات والتفكير في حالة الإنسان».  

وقال الروائي في مقابلة تعود إلى عام 2016: «أريد ببساطة أن أكتب بطريقة أقرب إلى الحقيقة قدر الإمكان».

يشار إلى أنه من بين 117 فائزًا في فئة الأدب منذ نشأتها مُنحت جوائز نوبل لـ 95 من الأوروبيين أو الأمريكيين الشماليين، بمعنى أكثر من 80 في المائة، وحصلت فرنسا وحدها على 13 في المائة من الجوائز. ويبلغ عدد الرجال في هذه القائمة 101 مقابل 16 امرأة فقط. وحسب تقارير فإن أربعة من كل خمسة من الحائزين على جائزة نوبل هُم من الكُتاب الإنجليز ويكتبون باللغة الإنجليزية.

ولكن بعد فضيحة "MeToo" التي هزت الأكاديمية في 2018، والتي أدت إلى تأجيل نادر لجوائز نوبل، أُعلن عن تجديد نهجها من خلال التحرك نحو تنوع أكبر في الأنواع والقارات.  

وقال رئيس لجنة نوبل، أولسون، في خريف 2019: «في السابق، كان لدينا منظور حول الأدب الذي يركز على أوروبا، لكننا الآن ننظر إلى جميع أنحاء العالم».

  ومنذ ذلك الحين، حسب تقارير صحافية غربية، تم احترام المواصفات جزئيًا، مع الروائية البولندية أولغا توكارتشوك التي فازت في معرض استعادي لعام 2018، والشاعرة الأمريكية لويز جلوك العام الماضي، فيما أثار فوز النمساوي بيتر هاندكه بالجائزة عام 2019، انتقادات؛ ليأتي فوز عبدالرزاق قرنح هذا العام ليرجح معه المراقبون أن ثمة تحول لدى الجائزة؛ وهو ما سيؤكده اختيار الفائز في العام المقبل.  

ومنذ فوز مو يان الصيني في عام 2012، تم تتويج الكُتاب فقط من أوروبا أو أمريكا الشمالية. وأشارت تقارير إلى تعرّض لجنة نوبل، لضغوط متزايدة في السنوات الأخيرة لتجاوز الكتاب الأوروبيين والبيض، والنظر في منح جوائز لأشخاص في أجزاء أخرى من العالم.  

تلقى قرنح مكالمة الفوز من الأكاديمية السويدية، وهو في مطبخ منزله، وفي مقابلة قصيرة مع تلفزيون "BBC"، قال إنه ردّ على المتصل للوهلة الأولى بالقول: "من فضلك، دعني وشأني"

وفي مقال نشرته صحيفة "الجارديان" البريطانية عام 2004، كشف عبد الرزاق قرنح أنه بدأ الكتابة في سن الحادية والعشرين، بعد سنوات قليلة من استقراره في بريطانيا. وقال إنه سقط في شِباك الكتابة، على حد تعبيره، دون أن يخطط لذلك، موضحًا: «بدأتُ أكتب بلا مبالاة وبشيء من الخوف، دون أي خيال، بدافع الرغبة في الكشف عن المزيد».  

أول عمل أدبي نشره قرنح كان مجموعة قصص قصيرة في 1984، بعنوان "أقفاص"، ومنذ عام 1987، نشر 10 روايات، وست من القصص القصيرة، وعدد كبير من المقالات النقدية والبحثية. يكتب بالإنجليزية، بينما اللغة السواحلية هي لغته الأم.

  تتناول رواياته الثلاث الأولى، "ذاكرة المغادرة" (1987)، "طريق الحج"(1988) و"دوتي" (1990)، تجارب المهاجرين في المجتمع البريطاني المعاصر. كما يتميز بروايته الرابعة "الجنة" التي تدور أحداثها في شرق أفريقيا خلال الحرب العالمية الأولى... تم ترشيح الرواية لجائزة بوكر الأدبية البريطانية المرموقة. أما رواية "الإعجاب بالصمت" (1996) فتحكي قصة شاب يغادر زنجبار ويهاجر إلى بريطانيا، ثم يعود بعد 20 سنة إلى زنجبار، لكنه لا يجد وطنه كما كان. ونُشرت روايته الأخيرة عام 2020، تحت عنوان "بعد الحياة" وتتناول الاستعمار الألماني لأفريقيا.

  وقال الأكاديمي لوك برونو إن عمل قرنح «غمرته مسائل الهُوية والهجرة، وقد صاغته تركة الاستعمار والاستعباد». وكتب على موقع المجلس الثقافي البريطاني أن «روايات قرنح كلها تستند إلى الآثار المدمرة للهجرة إلى بيئة جغرافية واجتماعية جديدة على هوية شخصياتها».

  يعيش عبد الرزاق قرنح في برايتون، جنوب شرق إنكلترا، ودرّس الأدب الاستعماري في جامعة "كِنْت" حتى تقاعده قبل فترة وجيزة.  

  وينحدر من أسرة حضرمية يمنية مازالت معروفه باسمها (قُرْنَح) حتى اليوم في منطقة الدِّيس الشرقية بمحافظة حضرموت- شرق اليمن. وحسب مصادر؛ فقد هاجر والد عبدالرزاق، وهو سالم عبدالله قرنح، إلى جزيرة زنجبار/ شرق أفريقيا في أربعينيات القرن العشرين الماضي، وأنجب عبدالرزاق عام 1948، إضافة لأحمد وأربع بنات. وعقب اندلاع الثورة في عقد الستينات ضد الحكم العربي للجزيرة، تعرض العرب والحضارم هناك لأنواع شتى من القمع؛ ما اضطر بعضهم، بمن فيهم عبدالرزاق، للهجرة إلى بريطانيا. وانطلاقًا من أنه كان جزءًا من معاناة اللجوء والهجرة، فقد مثّلت معاناة الأفارقة من ثنائية الهجرة والهوية، محورًا هامًا في كتابات.

تلقى قرنح مكالمة الفوز من الأكاديمية السويدية، وهو في مطبخ منزله في جنوب شرق انكلترا. وفي مقابلة قصيرة مع تلفزيون "BBC"، قال إنه ردّ على المتصل للوهلة الأولى بالقول: "من فضلك، دعني وشأني"، ظنّا منه أن المتصل يتلاعب به.

تتلقى الأكاديمية الملكية السويدية عادة 200-300 طلب وترشيح للجائزة بحلول نهاية شهر يناير/ كانون الثاني من كل عام، والتي تنخفض إلى خمسة ترشيحات في الصيف. ويدرس الأعضاء الخمسة في لجنة نوبل أعمال هؤلاء المؤلفين الخمسة قبل عرضها على الأكاديمية الكاملة التي تختار فائزًا قبل إعلانه في أكتوبر/تشرين أول.  

يٌذكر أنه لم تتم ترجمة أيٍّ من كتب قرنح للغة العربية، ومثله كثير من الأدباء والمؤلفين في الثقافات الأخرى، وهذا ليس تقليلاً من شأن هؤلاء، بل مؤشرًا إلى عمق المشكلة التي تعاني منها الترجمة إلى العربية جراء  ضعف إمكانات ووعي الناشر العربي، الذي لا يمنح الترجمة قدرًا كبيرًا من المال والاهتمام، باعتبار أن شراء حقوق الكِتاب تتطلب رأس مال لا يستطيع الناشر العربي دفعه انطلاقاً من محدودية شراء الكِتاب في العالم العربي كما يرى الناشر، وبالتالي تتطلب الترجمة إلى العربية إمكانات مؤسسية كبيرة، ويفضل أن ترعاها الحكومات كبداية تأخرت كثيرا.

---------------------------------------  

المصادر:  

  1. تقرير لوكالة اسوشيتدبرس باللغة الإنجليزية.  
  2. https://houstonianonline.com/the-nobel-prize-in-literature-goes-to-the-tanzanian-writer-abdul-razak-qurna/
  3. https://blazetrends.com/announcing-the-awarding-of-the-nobel-prize-in-literature-to-abdul-razzaq/
  4. https://olxpraca.com/tanzanias-abdul-razzaq-garna-awarded-nobel-prize-in-literature-denver-post/

https://meczyki.net/the-nobel-prize-in-literature-was-awarded-to-abdul-razzaq-gorna-of-tanzania/

•••
أحمد الأغبري

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English