التديُّن الشعبي عنوانه امرأة

قراءة في رواية "العُذَيْرَة" لأحمد السري
محمد عبدالوهاب الشيباني
November 18, 2021

التديُّن الشعبي عنوانه امرأة

قراءة في رواية "العُذَيْرَة" لأحمد السري
محمد عبدالوهاب الشيباني
November 18, 2021

(1) 

وعيان يتقاطعان فوقيًّا برؤيتهما للتديُّن الشعبي، لكنهما يتحدان في عمقه حين يصير هذا التديُّن فاعلًا حقيقيًّا، ومحفزًا لتحقيق رغبات حامليه الروحية والمادية في سياق مبذولات الرمز الكلي الذي يقوم عليه النص: (العُذَيْرَة– مصباح الأرواح؛ رواية)(*)؛ لكن قبل مقاربة هذه التيمة، لا بد من معاينة تقنية الكاتب في استخدامه الكثير من الترميزات في النص لدفع المتلقي إلى التفريق بين وعيين فاعلين يتحكمان بالبنية السردية والوحدات الحكائية التي يقوم عليها النص الذاهب عميقًا في الاشتغال على حالة ثقافية شعبية (بصبغة دينية) شديدة الالتباس، تنتجها أسطورة قبر ومقام امرأة لم تزل تمثل في الوعي المحيط أحد أوجه تعريفاته الثقافية، وأحد مُسكِّناته الروحية، في واقع متبدل ومضطرب، تستدعي من البعض الالتجاء إلى مثل هذه النزعات الغيبية.

أوضح الترميزات تتجلى في تعيين الاسمين الفاعلين فيه (برهان البرهاني) و(بهلول الباهوت- ابن الباهية)، فالأول يبقى رافضًا لفكرة الكرامات التي تأتي بها (العُذَيْرَة) وغيرها من الأسماء التي ثبتت بالوعي الشعبي منذ قرون؛ لأن استحضار الاسم لا بد أن يوجه حامله إلى هذه المساحة، والثاني بإيمانه العميق بهذه الكرامات والدفاع عنها، وفي الإسقاط على الاسم (بهلول)، يقوم التأويل ذاته أيضًا. 

الأول يبحث عن أسانيد عقلية للوصول لتراث صاحبة المقام، والآخر يبحث عن كنز مقبور إلى جوارها وموعود بالحصول عليه، لكنهما في النهاية يجدان نفسيهما ينشطان داخل حاضنة واحدة اسمها (العُذَيْرَة) وقبرها وكراماتها للوصول إلى بغيتهما. وإلى جانب البرهان والبهلول، يحضر اسم زخرف، والباهية، وعفَّة، وعبده المنان، غير أن الشخصيتين المركزيتين في النص (برهان وبهلول) هما المفتاحان الرئيسان للقراءة، ويقطران بعدهما كل الشخصيات، إلى جهة التعريف بها وبأفعالها.

برهان البرهاني يحضر في المسرود الحكائي بوصفه شخصًا له تحيزاته العقلية، ومهتمًّا بتراث المجتمع وثقافته الشعبية، وهو باختياره هذا المنحى، إنما يعمل من أجل المساهمة في تحرير الناس من الخرافات المعشعشة في العقول، كما يعرِّف نفسه اليوم. أما سيرته المهنية التي قادته إلى هذه المساحة، فهي أنه: "صحفي متخصص في نقل الأنشطة الثقافية والأدبية، لم يكتب مقالات سياسية لنفاق أحد، صلته كبيرة بعالم الأدب والتاريخ والفنّ والشعر، كما كتب مقالات ذات طابع اجتماعي وثقافي وذات صلة بالتراث الثقافي الشعبي، ومنها حكاية "العُذَيْرَة"، وهو اليوم بعد تقاعده يعيد الكَرَّة من جديد لاستكمال البحث عن تاريخها، ليس فقط من مشافهات المعمَّرين وكبار السن، وإنما من أي كتب ومخطوطات مهملة.

ينظر الناس إلى ابن الباهية بوصفه امتدادًا لجنون والده الذي تسمَّى بالباهوت، وله يوم مشهود في نواحي المنطقة، منذ خرج إليهم في يوم ممطر مدّعيًا النبوءة.

ابن الباهية (بهلول الباهوت) "ليس له عقل صارم منظم مثل عقل برهان، ابن الباهية يقبل أن تأتيه الرؤى والأحلام، وتسوقه الخواطر الطارئة والأوهام، يعجبه أن تسير الأمور بصدف غير مفهومة، بل إنه على نحوٍ ما، لا يقبل الشروح والأسباب، ويرى أسرار الوجود كامنة في الملهم واللامفهوم، بل يرى أن الغيب حاضر في تفاصيل اللامفهوم هذا، كي تراه تحتاج إلى إزاحة حُجُب العقل وإسقاط المنطق" (ص 31-32). 

يرجو ابن الباهية أن يصدّقه برهان فيما يقول عن علاقته بالجن؛ فيخيف من حوله ويأمن شرورهم، ولكن هيهات. برهان مشهور برفضه لحكايات الجن والعفاريت، برهان معتصم بعقلانية صارمة فلا يصدق إلَّا ما تماسك منطقه وعُرف أصله، كما يرد في أحد السياقات. 

ينظر الناس إلى ابن الباهية بوصفه امتدادًا لجنون والده الذي تسمَّى بالباهوت، وله يوم مشهود في نواحي المنطقة، منذ خرج إليهم في يوم ممطر مدعيًا النبوءة. عاش حياته متصالحًا مع غرابة أطواره وتقلباته العقلية، وكان يتجنب الناس كي لا تزِّل لسانه بقدح أحد فيأثم، ولا يتحدث إلَّا نادرًا، فإن تحدث قال كلامًا غريبًا، وهو الوحيد الذي اعتاد الطواف ليلًا بمجامره وبخوره ليعطر المساجد بروائح زكية كي تليق بزوَّارها. 

كان يوصي ولده بأن يكون بارًّا بالعُذَيْرَة، ويقول: "لقد أوصيتها أن تحميك في حياتي يا بهلول، وبعد مماتي؛ فكن بارًّا بها" (ص13).

بهلول هو الوحيد الذي تظهر له العُذَيْرَة كواهبة وكريمة، أو كما يقول في رده على سؤال برهان؛ إن كانت تظهر له أم أنه يتوهم ويحلم:

"تظهر، تخصني بالزيارة، تبرز لي في حلتها البيضاء الجميلة، تأتي كأجمل امرأة في الكون، تمد يدها فتهديني خواتم فضة بفصوص ثمينة، أستعين بها لمواجهة أعباء الحياة في سنوات الحرب هذه. وقد حمتني من الجوع وذل السؤال، وهي تعينني على الدوام وتخبرني بأماكن الأحجار الكريمة وكيف أصل إليها. باختصار هي منظمة الإغاثة الخاصة بي في سنوات الحرب هذه" (ص 10).

والمعروف أن كرامات العذيرة في الوعي الشعبي تتصل بشفاء الناس من الأمراض الجلدية، وأنهم حين يتمرغون بترابها أو يسفون من تراب قبرها الناعم يشفون من التقرحات والحكة وغيرها. وإتمامًا لهذا اليقين البهلولي الصارخ يحضر ابن الباهية أو بهلول الباهوت كتاجر أحجار كريمة، لا نعرف بالضبط من أين يحصل عليها! 

صحيح أن معارك كلامية وفكرية كثيرة دارت فوق القبر منذ ستينيات القرن المنصرم لكنها لم تصل إلى نبشه للبحث عن الثروة، كما هو حاصل اليوم.


(2) 

في التديُّن الشعبي في الشرق، يندر ما تجد اتفاقًا بين الناس على كرامات امرأة صارت في وعيهم "وليَّة" مكتملة الصفات، عوضًا عن "وليِّ" ذكر غير ملبوس بمدنسات البيولوجيا والتكوين (الحيض والنفاس والعدة)، وجاءت "العُذَيْرَة وليَّة يتيمة بين جمهرة من أولياء ذكور"، كما يرد في النص. ولية منحدرة من أسرة تقاة وأولياء، وجاءت لتسد حاجة من جوع هذا التدين البسيط، الذي ينفق أصحابه الكثير من مقدراتهم، ويوقفون أراضيَ توارثوها جيلًا بعد جيل؛ للوصول إلى تشبع روحي وطمأنينة، يصعب الوصول إليها في مجتمع غارق في الأزمات والحروب.

 وتنتسب العُذَيْرَة، كما يروي البهلول عن والده:

"لعائلة خرج منها عدة أولياء، وهي أختهم الصغرى، وأنهم عاشوا صلحاء وزهاد، وكانت على صلة وثيقة بأحد إخوتها، فلما مات حزنت عليه جدًّا وداومت على زيارة قبره والترحم عليه حتى ماتت كمدًا وحزنًا في عمر الشباب، وأنها بعد موتها كانت تخرج من قبرها وبيدها فانوس فتمشي بكفنها المسافة كلها حتى تصل إلى قبر أخيها، تسامره هناك في قبره حتى تهنأ، وتعود بفانوسها، تدخل قبرها بهدوء وينطفئ السراج، وشفقةً بها ومراعاة لأحزانها بنى الناس لها غرفة فوق قبرها ليؤانسوا وحشتها بين الحين والحين" (ص 16).

يصير فانوس العُذَيْرَة هو التفريع في العنوان (مصباح الأرواح)، ويصير قبرها مطمعًا لنباشين كثر؛ لاعتقادهم بأن كنوزًا تاريخية يحتويها هذا القبر، وإن أحد الراغبين في نبشه للوصول إلى الكنز المطمور أكثر المؤمنين بكراماتها وأكثرهم عشقًا لها، وهو يريد الوصول إلى ذلك قبل أن تمتد إليه أيادٍ عابثة لشخصين لا يؤمنان بكراماتها (يطلق عليهما الكاتب الطاهش والناهش؛ نسبة إلى حيوانين خرافيين باطشين في الوعي الشعبي اليمني). أتذكر خبرًا نشرته وسائل إعلام تونسية في العام 2013م، بقيام مجموعة سلفيَّة متشددة بإحراق مقام السيدة عائشة الهاشمية المنوبية، أشهر المتصوفات التونسيات، ولها في الإسلام الشعبي التونسي مكانة كبيرة، "ولمقامها أهمية اجتماعية ودينية وثقافية، فهو مكان يرتاده الناس للتعبد وللتقرب من الله، ولطلب توسط السيدة وكراماتها في حل مشكلاتهم"، كما يقول حسان حاجبي، في موضوع عنوانه "أعواد الثقاب الوهابية في مواجهة دفوف الصوفية" – (موقع: الجمل بما حمل).

ولا يصير هذا اللهاث النبشي حاضرًا في تاريخ القرية الوادعة إلّا بسبب الحرب وتداعياتها التي خلقت "أوضاعًا مأساوية، غيرت الأفئدة والقلوب والألسن، وعطلت الضمائر بدخانها المسموم"، الحرب التي بدلت حتى في وظائف أهل القبور، كما يرد في سخرية البهلول. صحيح أن معارك كلامية وفكرية كثيرة دارت فوق القبر منذ ستينيات القرن المنصرم، لكنها لم تصل إلى نبشه للبحث عن الثروة، كما هو حاصل اليوم.

أما كيف تشكل هذا الكنز في قبرها، فللبهلول تخريجه الخاص؛ وهو أن زوار القبر والمتبركين بكراماته عادة ما يضعون النذور والهدايا الثمينة على القبر، وكثيرًا ما يخرج الأولياء الصالحون من قبورهم فيأخذونها ويعودون إلى قبورهم، وأن (العُذَيْرَة) "كانت تخرج بفانوسها لزيارة أخيها وتؤانسه وتعود إلى قبرها؛ فما المانع من خروجها لالتقاط النذور والهدايا؟!".

(*) العذيرة (رواية)، أحمد السري، خطوط وظلال للنشر والتوزيع، الأردن – عمّان، الطبعة الأولى 2021.

(يتبع)


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English