الرجل المريض في "الحقل المحترق"

تقنيات السرد، وحيثيات الحدث، ومعضلة التاريخ
عبدالفتاح إسماعيل الخضر
November 2, 2023

الرجل المريض في "الحقل المحترق"

تقنيات السرد، وحيثيات الحدث، ومعضلة التاريخ
عبدالفتاح إسماعيل الخضر
November 2, 2023
.

مدخل

التاريخ قد يكون مزبلة حينما يقود أحداثه (والٍ) إلى تلك النهاية التي وضعته في مزاد علني، تحوَّل من دَين على الإمبراطورية العثمانية يتوجب سداده لخلاص واليها (آق دليلك بيك) إلى دَين شخصي بينه وبين الملكي الصاعد/ تاج الدين بن سراج الفاتح.

تدور أحداث الرواية زمنيًّا في العهد العثماني الثاني (1872-1918م)، وركزت على الفترة الزمنية الحرجة للإمبراطورية الممتدة من (1914-1918م) من فترة التداعي والنكوص للأستانة، حتى الأدباء والمفكرين الأتراك امتدادًا من جمال ثريا يونس إلى ناظم حكمت وخالد أديب، وصولًا اليوم إلى ألِف شفَق، لم يدركوا مأساتهم التاريخية التي فقد فيها الرجل المريض صوابيته في مركزه بالأستانة، مما أدى إلى شلل أطرافه في البقاع المسيطر عليها شرقًا وغربًا؛ فالفنانة التركية أرزو شاهين، التي غنّت أغنيتها الشهيرة (من ذهب إلى اليمن لا يعود) ذرفت عيناها دموع حزنها التاريخي على قتلى الأستانة في اليمن. لست في صدد الحديث عن التاريخ، بل البحث عن إجابة على أسئلة مفصلية في هذا العمل الروائي من قبيل:

- كيف وظّف الروائي التاريخ سرديًّا؟

- وعلى أيّ تقنيات سردية اتكأ؟

- وما دلالة التكثيف في مرحلة الرجل المريض الأخيرة؟

- وهل يجوز للعمل الروائي أن يحاكم التاريخ روائيًّا؟

وللإجابة عن هذه التساؤلات الملحة، يمكن أن نستقرئ الآتي:

أولًا: الخطاب السردي

في الغالب، يستخدم الروائي أساليب بلاغية لغرض أسر القارئ لضمان التحليق بجناحي العمق والدهشة حتى نهاية العمل/ النص. زاوج الشيباني بين أسلوب السرد التناوبي والمتقطع والمتسلسل، فقد عرض أحداثًا معينة ثم انتقل إلى سرد أحداث أخرى مغايرة، ثم عاد إلى الأحداث السابقة، وذلك عندما سرد رحلة الوالي من عاصمة النور باريس إلى الساحل الأفريقي ثم إلى بلاد السعيدة ثم عاد بعد ذلك بالحديث عن حياة الوالي في باريس ويعدّ ذلك سردًا تناوبيًّا.

- عندما سرد الروائي أحداثًا قبيل وفاة الوالي تارة يعود ليتحدث عن تفاصيل أخرى، توحي أنه ما زال حيًّا ثم ينتقل للحديث عن نهب صنعاء في ذات السياق، ويعد ذلك سردًا متقطعًا قائمًا على عدم التسلسل المنطقي للأحداث.

- ففي سياق هذا العمل الروائي، تجلّى أيضًا السرد المتسلسل الذي يقوم على وضع تخطيط مسبق ومحكم في تصور زمن النص وعرض الوقائع على أساس ترتيبها الزمني. حيث ركز الروائي على فترة زمنية حالكة في حياة الرجل المريض (1914-1918م) واشتغل عليها زمانيًّا ومكانيًّا بلغة سردية، مباغتة، حذرة، الوصف والتصوير أهم سماتها.

أبرز الروائي أهم الشخصيات وصفاتها وطبائعها وأمزجتها، وتوضيح مكانها وزمانها، فمن خلال الوصف يتم تجسيد المشهد بحيث يجعل القارئ يتذوق ويشم وينظر ما كتبه الراوي. وأعظم الكتّاب والروائيين هم من يستطيعون أن يسافروا بقرّائهم وينتقلوا معهم إلى كافة أرجاء الرواية.

ثانيًا: الحبكة الجيدة تساوي نصًّا مترابطًا

تعتبر الحبكة أهم أركان العمل الروائي، فالعقد المتناثرة حباته يستحيل أن يزين صدر امرأة، سعى الروائي الشيباني جاهدًا للملمة أحداث الرواية، حائلًا دون تشتتها، بشكل متناغم بين الأحداث، والسير مع مسار النص دون تشويش ولا خروج عن النص، فالرواية الحديثة تجاوزت التعريف الكلاسيكي للحبكة بأنّها "التسلسل المتتابع للأحداث"، فالعمل الروائي الذي بين أيدينا تشابكت أحداثه وشخوصه وأزمنته وأمكنته. ففي الوقت الذي يشهد الوالي الفصل الأخير من تراجيديا تجريده من السلطة في ذات الحدث، يدار مزاد علني يبدأ بمئة ألف ليرة تُدفع عاجلًا أو آجلًا.

فالروائي حبك أحداثًا مختلفة في بوتقة سردية واحدة لها دلالتها الآنية وفصولها المتعددة، إلا أنها تقودك إلى رمزية ضعف الوالي (آق دليلك بيك) كدلالة على الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية)، فالأحداث التاريخية تحتاج في تناولها روائيًّا متعمقًا وحذِرًا في آن، لأن أي ثغرة قد تصدع الحبكة، فكلما زاد هذا التصدع انفرط العقد وتناثر وأصبح كل حدث يحلَّق وحيدًا خارج السرب. الحبكة تختلف من راوٍ إلى آخر فكل كاتب له طريقته في إحكام عمله الروائي وربط أحداثه.

ثالثًا: تقنيات السرد الروائي

فالتقنيات تساعد الروائي في رسم روايته وتحديد معالمها، كفرشاة الرسام التي تمزج الألوان الرئيسية والفرعية ويحدد الخطوط والظلال، كما يفعل الروائي في رسم مسارات أحداثه وتلوين نصوصه، وأهم تلك التقنيات البارزة في هذا العمل، هي:

١- الوصف

 من خلال هذه التقنية، أبرز الروائي أهم الشخصيات وصفاتها وطبائعها وأمزجتها، وتوضيح مكانها وزمانها، فمن خلال الوصف يتم تجسيد المشهد بحيث يجعل القارئ يتذوق ويشم وينظر ما كتبه الراوي. وأعظم الكتّاب والروائيين هم من يستطيعون أن يسافروا بقرائهم وينتقلوا معهم إلى كافة أرجاء الرواية. في هذا العمل الروائي أبرز معالم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والروحية للناس في تلك الفترة من خلال تحالف المال والإقطاع والسلالة، فهناك وصف مفصل لماهية الزمان والمكان والشخوص، تجلى ذلك على سبيل المثال لا الحصر، في وصف الشخوص (الوالي- تاج الدين)، الأمكنة (المستشفى البلدي- مناخة)، الأزمنة (الرابع من تشرين 1918م)، التوقيت النهائي لتهاوي الرجل المريض.

٢- الحذف والتلخيص

تلك التقنية تهدف في المقام الأول إلى اختصار الأحداث، حيث إنّ هناك أحداثًا طويلة وكثيرة ممتدة أفقيًّا ورأسيًّا، لا تسعها القصص والروايات ولا صفحات الجرائد، فالتلخيص مهارة تساعد على تسريع الأحداث وتأزمها، حيث إنّ هذه التقنية تقلل من الملل والركاكة في النص، فقد حذف الروائي فترات زمنية طويلة من الأحداث، حيث تم تجاوز سنوات عدة، أبرزها تجاوز أواخر فترة حكم الأئمة القاسميين في اليمن، وكذلك حصر انهيار الدولة العثمانية بالوالي (آق دليلك بيك). الحذف يهدف في المقام الأول إلى الوصول إلى الأحداث المراد تضمينها وإبرازها في العمل، والمآلات التي أدّت إلى سقوط الإمبراطورية العثمانية.

٣- وجهة نظر الراوي

ببساطة هي الرؤية الخاصة بالكاتب، حيث لكل كاتب وجهة نظر وعدسته الخاصة في التقاط الأحداث وطريقة تناولها، فالقارئ قد يلمس تلك التقنية من خلال طريقة انتقامه من بعض الشخصيات في الرواية ونظرته للآخرين، فبغض النظر عن المحمولات الأيديولوجية للكاتب، تناوُل التاريخ روائيًّا يحتاج إلى حس واستبصار حتى لا يحشر الكاتب في زوايا التعصب والانحياز الفج، فالوالي رمز للرجل المريض، وتاج الدين المبشر الأول للملكية والإنجليز يرعى الجميع.

٤- الروائي الغائب

يقسم الناقد الفرنسي جان بريون، شخصيات الراوي إلى ثلاث شخصيات أساسية: الراوي الغائب، والراوي المتعدد، والراوي المشارك، ...(1)، فالحديث هنا عن الراوي الغائب، وهو أكثر أنواع الرواة شيوعًا في هذا العمل الروائي، فالروائي الغائب قد ألمّ جيدًا بكافة مجريات الأمور وكافة الأفكار التي تدور في خلد الشخصيات الحاضرة في الرواية، فالروائي على علم كافٍ بكل التفاصيل، ومقدرة على التوغل في صدور شخصياته ومعرفة نواياهم، فقد تجلّى ذلك في أبرز مسارات الرواية عند حديثه عن ثورة الفلاحين، وقتل تاج الدين لوالده، واستدعاء شخصية سعيد اليهودي وغيرها من الأحداث التي تحدث عنها غيابيًّا.

رابعًا: النهاية حمالة أوجه

الأستانة التي أرسلت الوالي (آق دليلك بيك) الذي ظلّ متنعمًا في عاصمة النور باريس، فهل درس بلاد السعيدة جغرافيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا وحتى دينيًّا؟ ولماذا قتل تاج الدين والده سراج الفاتح؟ في الوقت الذي تنهب فيه الغلال والثروات، فالفصل الأخير من تراجيديا الخلافة، الوالي بلا مال ولا سلطة ولا مأوى، وحتى بدون محضيته رمش ناز الرابعة، هل كل هذه الأحداث تشير إلى أن البلاد حولت الوالي إلى يهودي، وقاطع الطريق إلى ملك. وهل ما زالت على هذا المنوال حتى يومنا؟

ما الفرق أن يتهاوى (آق دليلك بيك) رجل الخلافة ويحل بديلًا عنه تاج الدين بن سراج الفاتح الملكي المبشر بالإمامة؟ فالوطن هوية ومصير ووجود لا يقبل الملك المعظم ولا الخليفة السلطان.

ختامًا يمكن استقراء النقاط التالية:

١- المونولوج الداخلي كاد أن ينصهر في الراوي العليم، حيث قلّت الحوارية الثنائية بين الشخصيات الرئيسة، وأصبح الراوي الغائب العليم هو سيد الموقف.

٢- أرى أنّ أي تدخل من قبل دولة في دولة أخرى يعد احتلالًا، حسب الأعراف السائدة والقوانين الدولية، مهما كانت الدوافع الدينية والمذهبية والمبررات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

٣- بطل الرواية مغمور جدًّا في هذا العمل الروائي، فهل البطل هو الوالي المخذول من أستانته، أو البطل هو الملكي الصاعد تاج الدين بن سراج الفاتح ناهب الثروات المتجرد من كل قيمة، أو البطل جماعة الفلاحين الذين احترقوا من أجل الوالي والملك، أو أنّ البطل مبنيٌّ للمجهول، مجهول الهوية الوطنية؟

٤- سؤال جدلي ملح: هل الأمس بالضرورة يترجم اليوم؟! وهل ما زلنا في أسر مشاريع السراديب والمرشدين؟ فما الفرق أن يتهاوى (آق دليلك بيك) رجل الخلافة ويحل بديلًا عنه تاج الدين بن سراج الفاتح الملكي المبشر بالإمامة، فالوطن هُوية ومصير ووجود لا يقبل الملك المعظم ولا الخليفة السلطان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- آية أحمد زقروق: مجلة المرسال الإلكترونية، سبتمبر-2020م.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English