الحربُ بوجهها الآخر في "حطب سراييفو" لسعيد خطيبي

التفاصيل الدقيقة في حياة الناجين من الطوفان
أحمد الأغبري
April 23, 2021

الحربُ بوجهها الآخر في "حطب سراييفو" لسعيد خطيبي

التفاصيل الدقيقة في حياة الناجين من الطوفان
أحمد الأغبري
April 23, 2021

للحرب وجوهٌ كثيرة، أبرزها ما تتركه مِن خرابٍ في نفوس الناس، وينعكسُ على الحياة العامة في فترة السلم؛ إذ يتجرع المجتمع ويلات ما عاشه من صراع وما ألِفَته أرجاؤه من موت. 

الحرب ليست تلك التي ينزف فيها المجتمع على وقع أصوات الانفجارات وحسب؛ فللحرب وجهٌ آخر عاشته شعوب كثيرة، لكنها استطاعت أن تتجاوزه وتنتقل إلى مراحل تراجع فيها الألم في وجوه الناجين من الطوفان، لكن هل يتراجع الألم كليًّا أم تبقى آثار الحروق تحكي قصص النار؟!

لأهمية هذا الموضوع ثمة روايات كثيرة، كانت وما زالت الحرب محورها؛ بل صار يطلق على هذه الروايات "روايات الحرب". 

واستطاع السرد العربي أن يعالج هذا الموضوع بسردية عالية وتقنية ربما توازي ما جاءت به الروايات العالمية في اشتغالها على هذا الموضوع. 

مِن الروايات العربية الأخيرة التي عالجت موضوع الحرب، تبرز رواية "حطب سراييفو" للكاتب الجزائري سعيد خطيبي؛ وهي رواية وصلت للقائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية (البوكر) عام 2020.

تميّزت هذه الرواية باشتغالها على وجه آخر للحرب، متمثل في تلك التفاصيل الدقيقة في حياة الناس الناجين منها؛ وهي نفس المعاناة هنا وهناك مهما اختلفت الثقافات؛ فالحرب هي الحرب التي تكون لها نتيجتها السلبية على الأسرة والمجتمع، لكن هذه الرواية تروي بعض حكايات مَن نجا من الطوفان، وكيف عاشوا الحرب وما بعد الحرب. 

استطاع الكاتب، عبر مجموعة من دوائر الأحداث التي سارت في خطين متوازيين بين الجزائر والبلقان، أن يقدّم صورة مؤلمة لتأثيرات الحرب على الإنسان، وكيف يؤدي الصراع إلى واقع مختلف يدفع ثمنه جيل لا علاقة له بالحرب؛ فالحرب التي عاشتها الجزائر مع الجماعات المسلحة، والفظائع التي ارتكبتها تلك الجماعات ما بين العامين 1994 و1998، لا تختلف عن الحرب التي شهدتها جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي، وتحديدًا في البوسنة والهرسك، وما شهدته من جرائم. هكذا يريد أن يقول لنا خطيبي في رؤيته وروايته هذه؛ فالحرب يوحّدها القهر والخوف، بل إن رؤيته تجاه الحرب في بلاده تتسع لتشمل حرب التحرير والثورة وما تركته.

حاول المؤلف أن يُقارب الصورة بين معاناة البلدين، ويقترب كثيرًا من المشهد الذي لا تدركه وسائل الإعلام؛ وهو ما ينتج عن الحرب على صعيد النسيج الاجتماعي، بدءًا من الفرد ومن ثَمّ الأسرة وانتهاءً بالمجتمع. 

الرواية، الصادرة في (325) صفحة عن "منشورات ضفاف" الجزائرية و"منشورات الاختلاف" البيروتية، عالجت موضوعها من خلال مسارين روائيين لبطلي الرواية، وهما الجزائري (سليم) الذي يعمل صحافيًّا، والبوسنية (إيفانا) التي عملت نادلة وتطمح أن تكون كاتبة مسرحية، وذلك من خلال أربعة أجزاء، وتوزع كل جزء لعددٍ من الأقسام تقاسمهما بطلا الرواية؛ فصلٌ يروي قصة سليم وآخر تالٍ يتتبع قصة إيفانا. 

توقفَت الرواية على معاناتين تفرضهما الحرب؛ الأولى: ما نتج عن حرب الثورة الجزائرية من واقع وقصص عاشها المجتمع في سياق معاناة الدولة الجديدة، والثانية: من خلال قصة إيفانا في سراييفو، ومن ثَم في سلوفينيا عن الوجه الآخر للقهر الذي تنتجه الحرب، وما تصير عليه علاقة الأسرة ببعضها

المشهد الحكائي

تقنيًّا التزمت الرواية التصاعد الدرامي للحدث في سياق البناء السردي، وكان السارد متميزًا في استخدام نظام الدوائر الصغيرة في المضي بالأحداث داخل الجزائر وداخل سراييفو، متمكنًا من استخدام تقنية (الفلاش باك) في استعادة تفسير كل ما يحدث دون أن يشعر القارئ بذهاب وإياب الأحداث خلال القراءة، إذ التزم السارد تشويقًا وإمتاعًا، لافتًا من خلال استخدامه لغة سلسة تتكئ على قاموس ثري في وصفه للأحداث وتفسيره لما وراءها؛ وبخاصة في اشتغاله على توصيف المشاعر والعواطف والعلائق كحاجة تقتضيها وقائع آثار الحرب نفسيًّا واجتماعيًّا من ناحية، ومن ناحية أخرى في تعامله مع وصف شخوص الرواية. وهنا كان بارعًا في تمكين القارئ من الاقتراب كثيرًا من شخوصه والتعامل معها وكأنه رفيقٌ لها؛ فيتتبعها من خلال القراءة، ويمضي وراء أحداثها، على الرغم من أن فصول الرواية تتوزع بين قصتين وبلدين، وهنا كان السارد ماهرًا حتى في علاقته بالمكان؛ فالمكان كان جزءًا منسجمًا مع المشهد السردي بدرجة عالية برز فيه الكاتب واعيًا به وممتلئًا بتفاصيله ومستشعرًا لذاكرته مع الوجع، لقد بقيت الرواية تسير في خطين متوازيين، لكن براعة الراوي لم تجعل القارئ يشعر بالمسافة بين الخطين المتوازيين؛ فالمعاناة التي تجرعتها إيفانا جراء حرب البوسنة والهرسك، هي نفس المعاناة التي عاشها سليم في الجزائر مع اختلاف ثقافي طفيف لا يلغيه اختلاف التفاصيل؛ فالقهر والخوف ومعهما التحدي هو عنوان المشهد الحكائي هنا وهناك. 

   الخطاب السردي

على صعيد الخطاب السردي تناولت الرواية الوجه الذي لا يدركه الكثير عن الحرب؛ وهنا توقفتْ على معاناتين تفرضهما الحرب؛ المعاناة الأولى: ما نتج عن حرب الثورة الجزائرية من واقع وقصص عاشها المجتمع في سياق معاناة الدولة الجديدة، وهو ما نتعرف إليه من خلال بطل الرواية سليم، واكتشافه قبل نهاية الرواية أن مَن نشأ معه باعتباره أباه، ليس كذلك؛ فقد كان أبوه الحقيقي هو عمه المعروف باسم (سي أحمد) الذي استقر في سلوفينيا؛ بينما نشأ سليم منتسبًا لعمه الذي تولى تعليمه حتى تخرجه وعمله صحافيًّا.

يعود بطل الرواية إلى بلاده ليؤسس صحيفته الخاصة، ويبدأ في كتابة سلسلة مقالات بعنوان: "الناجون من الطوفان في الجزائر والبلقان"، وهي الخلاصة التي أرادت الرواية أن تختزلها، ملقية بالضوء على ما تبقى من معاناة البلدين من حرب كلٍّ منهما خلال فترة معينة

كانت تلك الفترة التي عمل فيها سليم صحافيًّا هي الفترة التي انتشرت فيها الجماعات المسلحة في الجزائر وارتكبت جرائم بشعة؛ وهنا يكشف سليم، خلال عمله الصحافي، وجهًا آخر لحرب مختلفة؛ وهي المآسي الناتجة عن العمليات التي كانت تنفذها تلك الجماعات، وهنا يقترب القارئ، من خلال عدسة سارد محترف، من صور مؤلمة  لتلك المجازر، وما ترتب عنها من خوف أصاب المجتمع لدرجة تغيرت كثير من طقوسه، بل إن العلائق الإنسانية والاجتماعية لبطل الرواية كانت قريبة جدًّا من قعر الألم، وهنا يكون القارئ قد صار قريبًا جدًّا من مشاعر الخوف والقلق الذي أنتجته جرائم تلك الجماعات التي أسماها الراوي "نواطير الليل". 

وفي المقابل، كان الراوي يطلعنا من خلال قصة إيفانا في سراييفو ومن ثَمّ في سلوفينيا، عن الوجه الآخر للقهر الذي تنتجه الحرب، وما تصير عليه علاقة الأسرة ببعضها من خلال وضع عائلة إيفانا، وتمركزًا على معاناة إيفانا نفسها؛ وهي تبحث عن ذاتها بين بقايا شظايا حرب دامية وحّدت الجميع تحت مظلة القهر ليمارسوا القهر ضد بعضهم، بدءًا من الأسرة، وكأن القارئ يجد نفسه جزءًا من عائلة إيفانا، متنقلًا بحزنٍ ووجع مع السارد من فصل إلى آخر وهو يشتغل على التفاصيل الدقيقة للحرب بوجهها الذي لا تعرفه وسائل الإعلام، ولا يمكن سوى للرواية أن تشتغل عليه، وذلك لا يتم إلا من خلال سارد ماهر. 

غادرت إيفانا سراييفو لتعمل في سلوفينيا في مقهى (سي أحمد)، وهناك تلتقي سليم الذي جاء إلى سلوفينيا بدعوة من عمه الذي هو أبوه، لكن الأحداث تؤدي إلى مقتل (سي أحمد) في دراما أجاد السارد الصعود بها ونسج حكايتها، وصولًا إلى مغادرة إيفانا عائدة إلى سراييفو، لكن هذه المرة بعد أن استطاعت استلهام قصة مسرحيتها من فيلم "هيروشيما حبي"؛ وهي المسرحية التي مارست عليها تحويرًا، وكان بطلها سليم الذي زود إيفانا بتفاصيل عن قصته استوعبتها مسرحية "حطب سراييفو" التي عُرضت في سراييفو، بينما كان سليم قد عاد للجزائر باحثًا عن سر أبيه الحقيقي، ليكشف قصة أخرى من قصص الحرب، وخلال تلك الفترة كانت زوجة والده في سلوفينيا قد باعت الشقة التي كتبها والده الحقيقي باسمه في سلوفينيا، وأرسلت له بثمنها، ليؤسس سليم صحيفته الخاصة "رادار"، ويبدأ في كتابة سلسلة مقالاته "الناجون من الطوفان في الجزائر والبلقان"، وهي الخلاصة التي أرادت الرواية أن تختزلها، ملقية بالضوء على ما تبقى من معاناة البلدين من حرب كلٍّ منهما خلال فترة معينة. 

كان البناء متناغمًا مع الخطاب؛ فجاءت الرواية متماسكة مفعمة بالتشويق؛ وهي تروي أحداثًا نازفة يخرج من خلالها القارئ كافرًا بالحرب، متضامنًا مع الضحايا، منحازًا للإنسان كقيمة ومعنى ينبغي أن نحافظ عليهما.

ما يميز هذه الرواية عن روايات الحرب الأخرى، هي تلك المسحة الإنسانية التي اشتغل عليها السارد من زاوية مختلفة، انطلاقًا من العمل الصحافي والعلاقة الإنسانية، واقترابًا من قاع المجتمع، وتحسس الألم وبقايا الجروح التي تجعل من الناجين من الحرب مآسيَ متحركة تروي فصولًا جديدة لحرب لم تنطفئ جذوتها في النفوس.

 قد يسال القارئ: ما الذي جعل السارد يربط بين حرب الجزائر وحرب البلقان، وهما بلدان تفصل بينهما مسافة طويلة؟ هنا نوضح أن الحرب هي الحرب والضحايا هنا هم أنفسهم الضحايا هناك. ومع ذلك يمكن للقارئ تأمل الاختلاف والخصوصية في المعاناة هنا وهناك، وإن كنت أرى أن المعاناة الإنسانية الناجمة عن الحرب لا تختلف من بلد إلى آخر في جوهرها، وتحديدًا فيما تتركه الحرب في النفوس؛ فالخوف والقهر يوجدان أينما وجدت الحرب!


•••
أحمد الأغبري

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English