تفضيل الكلاب على لابسي الثياب

رواية "العُذَيْرَة" والمستلهمات الشعبية! (2-2)
محمد عبدالوهاب الشيباني
November 25, 2021

تفضيل الكلاب على لابسي الثياب

رواية "العُذَيْرَة" والمستلهمات الشعبية! (2-2)
محمد عبدالوهاب الشيباني
November 25, 2021

(3)

تبدأ سردية العُذَيْرَة(*) مع زيارة اعتيادية قام بها الصحفي برهان البرهاني إلى القبر والضريح الذي يحمل اسمها، والزيارة بطبيعتها تشبه تلك الزيارات التي يقوم بها في كل مرة يجيء بها إلى قريته في الصيف، غير أنه هذه المرة سيقف أمام القبر "مذهولًا مدهوشًا. اعتصره ألم عميق، عصفت بعقله ظنون عَلَت وهبطت؛ فرك عينيه ليكذب ما يرى، لا فائدة، ما يراه حقيقيًّا لا وهمًا، ثمة أيد آثِمة مجهولة عبثت بالقبر، حاولت نبشه والتوغل فيه، فتركته هكذا خليطًا من كومة أحجار وتراب. تأمّل الحجارة الحزينة والتراب المهان، ما يزال النبش طريًّا كما يرى، لم يكمل نابش القبر عمله، شيء ما منعه من الوصول إلى قاع القبر" (ص4). 

في وقفته هذه، سيقابل ولأول مرة (زُخرف) التي عرّفت نفسها له بأنها حارسة القبر، وجاءت تطلب منه، وبكثير من الخشونة، مغادرة الموضع لأن وجوده على القبر، بعد محاولة نبشه، بدا مريبًا لها. وفي بحثه عن الفاعل سيصل إلى (بهلول ابن الباهية) الذي يُتهم من كثيرين بهذا الفعل، لأنه يُكثر الكلام عن العُذَيْرَة وكنزها، ولا يتورع بالإفصاح عن رغبته في الوصول إليه، باعتباره أكثر الناس حبًّا لها.

بمقابلته للبهلول، تبدأ رحلة البحث المضنية عن سر العُذَيْرَة وكراماتها وكنوزها المخفية، وفي هذه الرحلة يعمل الكاتب على رسم شخصية البهلول بكثير من التشويق، حين يصيره كتلة مخلوطة من الدروشة والنباهة والعقل والجنون، والزهد والطمع، والبساطة والتعالي. حكاء غريب يروي "حكايات وقصصًا من عالم الخفاء، تظهره صديقًا للجن والعفاريت، حُراس الكنز، وأنهم ينقلون إليه أسرار البلاد والعباد، هي قصص مخيفة في الغالب لمن يصدق قصص عالم الخفاء ويخشاه، أما حكايته مع العُذَيْرَة ومودتها معه، فلا تخيف بل تثير الغبطة والتشوق" (ص9).

(4)

المرواني أو خال ابن الباهية المعمَّر الذي انغمس في السياسة وشؤون الناس طوال حياته، سيكون أول انطلاق لبحث البرهاني بمعية البهلول عن قصتها. المرواني يرى في الخرافة السياسية الخطر الداهم، وليس خرافات الناس التي يمكن إزالتها بالوعي، ولا يرى في التاريخ عزاء ولا سلوى، فالظلم في هذه البلاد شبَّ وأورق وتصلب جذعه ومد ظله الخبيث إلى اليوم، وكأن العدل مجرد حُلم خادع يتراءى مثل نجم بعيد يومض في عتمة الظلم ولا يكاد يبين، كما يقول.

وظيفته في النص تكثفت في رؤيته هذه، وفي دلّه للبرهاني وصاحبه من أين يمكنهما الانطلاق الصحيح في البحث عن السر، والذي سيكون من مسجد الخطاب، حيث مكتبة آل المسعود، والتي تقول الروايات إنهم ينتمون إليها.

ترسيم شخصية سلطان المسعود بهذه الهيئة، كان تمهيدًا لما سيتجلى لاحقًا للتحول الذي حدث للرجل، بعد حكم جائر أصدره حينما كان قاضي المنطقة ضد أحد المناوئين لشيخ الوادي واسمه المنصور.

في المسجد سيلتقيان ببلال إمام المسجد وولد الإمام السابق عبداللطيف الذي تتهمه الباهية بأنه السبب في جنون زوجها الباهوت والد البهلول.

بلال سيوصلهما للشيخ سلطان المسعود، الذي سيصير في النص أحد المتكآت الحكائية النشطة، لتصير سيرته موازيًا خطيًّا ثانيًا في النص، فهذا الرجل المسن بالغ الثراء بسبب إدارته لأموال وقف الطيار في المنطقة الواسعة، سيتبدى في النص المركز الفاعل في تحقيق رغبة الصاحبين (البرهاني والبهلول)؛ الأول ببحثه عن حكايتها، والثاني عن كنزها.

يصفه الراوي بعد أول مقابلة للاثنين:

"هيئة مهيبة، وقار ناطق، بهاء روحاني يتجلى في وجهه وعينيه مع لحية بيضاء معفوفة بشكل جميل، مع كوفية بيضاء تغطي كل رأسه وبعض جبهته" (ص 108). وفي سياقات يصفه بكثير من الصفات الحميدة، مثل: الأخلاق والكرم والصدق، وأن البحبوحة التي يعيشها جعلته يبتني مسكنًا عصريًّا واسعًا بمصعد حديث في مدينة نائية:

"... توفقوا أمام دار كبيرة فخمة مبنية بالحجارة المنقوشة، وتظهر الدار إجمالًا غنى ورفاهية، تتكون من ستة طوابق، وفي الدار مصعد يعمل بالطاقة الشمسية. صالة فسيحة مضاءة بشكل جيد ومهواة، عليها آرائك إفرنجية واضحة الرقي، قطع قماش موزعة بذوق على جدران الصالة، بدق ثخينة مطرزة بألوان باهية، ومرصعة أطرافها ببعض الأحجار الكريمة الملونة، تتوسطها آيات من القرآن الكريم." (ص 106).

ترسيم شخصية سلطان المسعود بهذه الهيئة، كان تمهيدًا لما سيتجلى لاحقًا للتحول الذي حدث للرجل، بعد حكم جائر أصدره حينما كان قاضي المنطقة ضد أحد المناوئين لشيخ الوادي واسمه المنصور، لمجرد أن الشيخ كان يتربص بزوجته الجميلة ورود، والتي لم يستمع القاضي لاستغاثتها بأن زوجها مظلوم، ولن يكتشف خطأه إلا بعد إعدام الرجل، فقرر بعدها السفر إلى الأراضي المقدسة، والتعبد في جبل النور، وفي إحدى نزلاته من الجبل إلى مكة ستتجلى له الرؤيا، ليعود بعدها إلى القرية زاهدًا مصلحًا... إلخ.

المخطوط الذي يحمل اسم "تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب"، تليه حكاية "عرس الغمام وحكايات الكلب صمصام"، يتناول قصة فتاة شابة جميلة اسمها (عفَّة) تهرب مع والدها حسان من جبل الحمام بعد أن قتلت ابن أمير القلعة الذي أراد أن يتزوجها بالقوة.

وعلى يدي هذا الرجل ستتحقق بغية الصاحبين (البرهاني والبهلول)، إذ سيقوم بتعويض البهلول عما لحق بأبيه من أذى من قريبه إمام الجامع عبد اللطيف، بمنحه صندوقًا من الأحجار الكريمة، وإيصال البرهاني إلى بغيته في الحصول على مخطوط يفصح عن سيرة العُذَيْرَة، والأهم تسهيل زواجه من زُخرف (حارسة القبر)، التي قال البهلول إن صاحبة القبر وضعتها في طريقه ليتزوجها كنوع من المكافأة له على اهتمامه بقبرها وسيرتها:

"- العُذَيْرَة تحبك يا برهان، تحس بمشاعرك تجاهها، لم تظهر لك في منام ولا رأيتها في يقظة مثلي، لكنها هي من أهدت لك هذه اللحظة، وسيتم لك ما تريد، ما يبدأ عند قبرها ينتهي بخير.

- آه لو صدق ظنك يا ابن الباهية، سأتفرغ نهائيًّا للبحث عن سر العُذَيْرَة وأكتب عن قصتها ليعرفها القاصي والداني" (ص 32).

إصرار سلطان المسعود الشديد على نفي صلة القرابة التي تروى عنهم بالعُذَيْرَة، ستظهر مع نهاية النص، حينما تتجلى المفارقة فيه لتنتصر لعقل البرهان، لكن بعد أن تتحقق بغيته بالحصول على المخطوط، وزواجه من زخرف. فالمقبور الذي يتبرك به الناس البسطاء ويؤمنون بكراماته، ليس سوى الكلب صمصام الذي رافق فتاة شابة جميلة ووالدها أثناء فرارهم من جبل الحمام بالقرب من ضريح ابن علوان بنواحي يفرس إلى حيث صار القبر في قرية المنار.

بعد أيام قلائل من وفاة سلطان المسعود -يتوفى في التوقيت ذاته مع المرواني، خال البهلول- سيصل البرهاني إلى المخطوط عن طريق بلال إمام الجامع، والذي كان يحتفظ به مع المخطوطات والكتب القيمة في خزائن آمنة في بيت المسعود، بعد نقلها من المسجد بعد تعرضه للاعتداء والحرق من قبل متشددين.

المخطوط الذي يحمل اسم "تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب"، تليه حكاية "عرس الغمام وحكايات الكلب صمصام"، يتناول قصة فتاة شابة جميلة اسمها (عفَّة) تهرب مع والدها حسان من جبل الحمام بعد أن قتلت ابن أمير القلعة الذي أراد أن يتزوجها بالقوة، ومعهما كلبها الوفي صمصام، كان جسمها مشققًا بالجروح بسبب رميها من قبل الجنود بين الأشواك، وحينما يصلان بخيلهما رفقة الكلب إلى منطقة المنار تكون عفَّة في أسوأ حالاتها بسبب الجروح. يغيب الكلب طول النهار، وحينما يعود يكون ممسكًا بفمه حزمة من نبتة خضراء يستخدمها أهل ناحية جبل الحمام لمداواة جراحهم، وكانت عفّة قد استخدمتها لمداواة إحدى رجلي الكلب حينما علقت بين الأحجار هناك، وبعد سحق عفة لتلك النبتة مع نبت أخرى أحضرها صمصام مع الأولى وكانت النبتة بجوارها، ودهْن جسدها بهما، تشافت تمامًا. تسمى الأب باسم علوان وتسمت عفَّة بالعذراء، ومع استظراف الناس لها استصغروا اسمها إلى العذيراء، ومع نطقه الشعبي صار العُذَيْرَة، واشتهرت بمداوة الناس من أمراضهم الجلدية بالعشبة ذاتها وأعشاب أخرى بعد خلطها بزيت السمسم. 

ذات صباح، اختفت الخيمة التي يقيمون فيها من موضعها، ووجد الأهالي مكانها قبرًا طريًّا كتب عليه قبر العُذَيْرَة، الذي سيصير مع الوقت مكانًا مقدسًا يتبرك به أهل القرية، ولم يدروا أن الأب وابنته دفنا فيه كلبهم الوفي صمصام بعد وفاته، وغادرا إلى عدن في بداية عهد الدولة الطاهرية، حيث اشتغل الأب سائسًا للخيول عند أحد ولاتها، وهي المهنة التي كان يزاولها في جبل الحمام. (5) اعتمد الكاتب في بناء نصه السردي على راوٍ صريح، ينظم قوله بناء خطيًّا متصاعدًا بين نقطتين واضحتين (بداية ونهاية)، أفضتا إلى زمن مغلق في حاضره، ومنفتح على مسبوقه التاريخي (أواخر أيام الدولة الرسولية، وبداية نشوء الدولة الطاهرية)؛ كون الاسترجاعات والاستقطاعات الحكائية، التي تظهر هنا وهناك، صارت متكَأً لتمتين الحبكة (تاريخ وقصة العذيرة)، وأيضًا لإضفاء نوعٍ من التشويق الحكائي على المنصوص، كتشتيت حكاية عفَّة وأبيها والكلب صمصام على أكثر من نسق، وبالطريقة ذاتها تشتيت حكاية زخرف وزواجها من عصام، وقصة الباهوت في اليوم الماطر، وقصة إعدام المنصور قبل أن ينتظم هذه الأنساق مركز حكائي واحد. عتبة القراءة الأولى في العذيرة هي الآية القرآنية (فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) التي أعطتها بعدًا عرفانيًّا يحفر داخل مبذول ديني يتنازعه العقلي والغيبي اللذَين تكثفا في أنموذجَي البرهاني والبهلول بشكل صريح العنونة الفرعية، التي صارت تشير إلى وحدات حكائية مكتفية بذاتها داخل المسرود الكلي، هي أشبه بمفاتيح قراءة واضحة؛ كون العنوان يختزل مضمون الحكاية، ويشير إليها صراحة، بدون فذلكات بنائية: (ذات صيف في سنوات الحرب، البحث عن تاريخ العُذَيْرَة، في ديار زينب، عند القبر ثانية، يوم الباهوت، اختفاء ابن الباهية وزيارة مسجد الخطاب، في مرعى الهضبة، حكاية استرداد المخطوط الأزرق، مع زخرف في المرعى، وهكذا) يتلبس الراوي مزاج المؤرخ وينتصر له، حين يصير الهامش والحاشية جزءًا من لعبة النص السردي –على نحو الإشارة إلى الدولة الرسولية، وهي في رمقها الأخير التي ستكون هي المعرفة بحقبة العذيرة وابن علوان ومجاذيبه، والدولة الطاهرية، والتعريف بالسيد نور الدين أحد المتصوفة المعاصرين في منطقة الحجرية.

انتساب زخرف الروحي إلى العُذَيْرَة، أراده الكاتب أن يكون مكانيًّا، وهو جبل الحمام القريب من يفرس وضريح العارف الأكبر أحمد ابن علوان، والذي سيقومان بزيارته، حيث قرية زخرف، والمكان ذاته الذي تنتسب إليه عفَّة (العُذَيْرَة).

لا يخفى تعاطف الراوي كثيرًا مع قناعات البرهان ورؤيته للقضايا التاريخية؛ ومنها قناعاته حيال قبر ابن علوان الذي "اعتبره مثل نصب تذكاري شامخ يستحق الزيارة والوقوف عنده". في النص بعض من شذرات النقد السياسي؛ يصف الراوي حفل تأبين الوطني الغيور المرواني بصنعاء بحضور ثلاثين شخصًا فقط، في صالة متجهمة تداخلت نبرات كلمات المتحدثين الحزينة منهم مع أصوات الطائرات المغيرة وهي تفرغ حمولاتها القاتلة، ومع أصوات أناشيد الموت وزغاريده الآتية من الشارع المجاور لمقبرة قريبة؛ "لم تكن أربعينية المرواني حفل وداع متواضع لوطني غيور، بل لحقبة كاملة من تاريخ اليمن" (ص 221)، لكن بالمقابل كانت أربعينية المسعود في قاعة فخمة واسعة، لم تكفِ الحاضرين ولم يتسع لكل متحدث طلب الكلام. يقوم ابن الباهية بزيارة برهان بمنزله بصنعاء بعد أن انتشر موضوع الكلب صمصام، وكان بهيئة متغيرة. تخلص من ملابسه الشعبية القديمة وعمامته، وبدلًا عنها لبس ملابس عصرية (إفرنجية)، وليس ما تغير في البهلول ملابسه فقط، وإنما أفكاره أيضًا" :نسيتُ العُذَيْرَة، ونسيتُ كنزها، ونسيتُ الصلاة على النبي التي كنت أعطر بها فمي كل ليلة، ما أقسى هذا، نسيت أمورًا كثيرة، المال يغير عوائدك يا برهان، شغلتُ بالتجارة وببناء دار الباهية، أريده فخمًا أنيقًا يليق بها، شغلتني الأسواق وما أستورده من الصين من أحجار كريمة وعقيق صيني، ما في صناديق بيت المسعود لن يكفي لاستمرار التجارة" (ص 238). مشاهدتهم لأستاذ الفيزياء المتعب في أحد مقاهي المدينة (مدينة الطيار)، والذي يتفضل عليه أحد طلابه الذين يعملون في المقهى، الذي صار يختزل حال البلاد بمقولة يرددها باستمرار: "لا شيء في الوجود سوى المعاناة والجنون، والباقي عدم وليس للعدم وجود" (ص 55)، انتساب زخرف الروحي إلى العُذَيْرَة، أراده الكاتب أن يكون مكانيًّا وهو جبل الحمام القريب من يفرس وضريح العارف الأكبر أحمد ابن علوان، والذي سيقومان بزيارته، حيث قرية زخرف، والمكان ذاته الذي تنتسب إليه عفَّة (العُذَيْرَة) ليأخذ النص بُعده الصوفي الذي تتنازعه، في آنٍ واحد؛ الخرافة والحقيقة التاريخية– حينما تجد زخرف زوجها يندفع للضريح سألته إن كان ضريحًا لصاحبه أم قبرًا وهميًّا لشيء آخر غير أحمد ابن علون، فيرد عليها بنباهة المؤرخ: "ابن علوان ليس خرافة، الأبحاث المعاصرة نضت عنه غبار الخرافة، واستخلصته من ظلمات التاريخ الشعبي ومجاذيبه، عالمًا ربانيًّا جليل القدر عميق الصلة بالله والناس" (ص 230). تعيين المكان في النص السردي يتنازع مواضعه في آن المتخيل والواقعي؛ المتخيل هنا لم يكن إلا بإضفاء أسماء جديدة على مواضع أصلية في الخارطة، يمكن لقارئ ملم تعيين حدودها بوضوح، ونظنها غالبًا المنطقة القريبة من مدينة التربة (مدينة الطيار)، وبمقابل المتخيل هناك مواضع تم استيعابها كما هي (جبل صبر، يفرس، تعز بشوارعها وأسواقها).

(*) رواية، أحمد السري، خطوط وظلال – عمَّان الأردن 2021.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English