عِرْقُ الحياةِ الباقي في "أصوات الليل"

الروائي المصري محمد البساطي وعوالمه
محمد عبدالوهاب الشيباني
October 14, 2021

عِرْقُ الحياةِ الباقي في "أصوات الليل"

الروائي المصري محمد البساطي وعوالمه
محمد عبدالوهاب الشيباني
October 14, 2021

(1)

شكَّل الروائي المصري محمد البساطي (1937-2012)، مع مجموعة من أبناء جيله، واحدة من أكثر مرجعيات القراءة السردية الجديدة بطابعها العربي، عندي وعند العديد من زملائي المنشغلين بقضايا السرد؛ كون منجزه الكتابي بقي قريبًا جدًّا من تفاصيل حياة الهامش الحيوي. و"تدور معظم أعماله في جوّ الريف من خلال التفاصيل الدقيقة لحيوات أبطاله المهمشين في الحياة الذين لا يهمهم سطوة السلطة، أو تغيرات العالم من حولهم"، كما تذهب إحدى القراءات في توصيف كتاباته.

والبساطي في سياق التجييل الكتابي للكتاب المصريين ستّينيّ، ومثل بعض الستينيين (صنع الله إبراهيم، وإبراهيم أصلان، ويحيى الطاهر عبدالله)، الذين تشكّلوا في مناخ سياسي صاخب. بقي حتى سنين قبل وفاته ينتج بتميز وتفرد شديدين، فهو: "لا يبدأ البدايات التقليدية التي تتوخى الجمل الطويلة المسكونة بزوائد مجانية أحيانًا، لكنه يعرف الطريق إلى قارئه جيدًا، فيصل إليه عبر أقصر الطرق وبأكثر العبارات إيجازًا"، كما يذهب الدكتور يسري عبدالله في كتاب "الرواية المصرية: سؤال الحرية ومساءلة الاستبداد".

في كتاباته أيضًا، "ينهض الإنسان الريفي المصري بتنويعاته العمرية المختلفة من الأطفال وحتى العجائز، وشرائحه الاجتماعية المتباينة من ملاك الأراضي وحتى عمال التراحيل، من فوق الصفحات، وقد اكتسبت تجربته المحلية الصرفة أبعادًا إنسانية بالغة العمق والثراء. وتتخلق بها طقوس الحياة اليومية وقد استحالت إلى فعل أبديّ سرمديّ يتكرر في وادي النيل منذ آلاف السنين، ولكنه لا يفقد أبدًا فرادته وخصوصيته ودلالاته الحسية المتميزة"، كما يقول الناقد المعروف صبري حافظ، مجلة الكلمة، العدد 66 أكتوبر 2012.

وكل عمل من أعماله، سواء القصصية أو الروائية، يحمل مغايرة من نوعٍ ما عن العمل الذي سبقه. فعلى سبيل المثال رواية "صخب البحيرة"، التي فازت بجائزة أفضل عمل روائي مصري عام 1994، مختلفة تمامًا عن "بيوت وراء الأشجار" التي صدرت قبلها بعام واحد فقط. فهذه الرواية الصغيرة فارقة حقيقية في تجربة البساطي الذي يساوي فيها لأول مرة بين الغرائبي والواقعي في حياة السجن، الذي استلهم منه الكثير من التفاصيل حينما كان يعمل به مدّقق حسابات إبان وظيفته في الجهاز المركزي للمحاسبات مطلع الستينيات. كتب هذا النص بلغة سلِسة تتقطر في سياقات متعددة بلغة شعرية كثيفة، مستخدمًا في الوقت ذاته تقنية سردية مختلفة عما استخدمه في أعماله السابقة، وقد أعاد هذا العمل البساطي إلى الواجهة الإبداعية باعتباره كاتبًا روائيًّا مجدّدًا. مجموعة "ساعة مغرب"، الصادرة عام 1996، تختلف هي الأخرى عن المجموعة التي سبقتها والمعنونة بـ"ضوء ضعيف لا يكشف شيئًا"، والصادرة عام 1993، والأخيرة مثلًا، كُتبت بعض موضوعاتها عن السجن، كمكان ومسجونين وسجانين، والبعض الآخر عن الهامشيين في الأرياف. 

أما الأولى "ساعة مغرب"، فهي أشبه ببحث متواصل ولا ينتهي عن الانطفاءات التي تستولي على حياة الشخوص الذين يعيشون خارج وقتهم، أو مكلومين بالفقد والغياب أو يمضون أيامهم خارج تروسها الضاجة… وهكذا لا تجد تشابهًا أو تناسخًا في أعماله، عدا في اشتراك معظم شخصياته الروائية والقصصية في انتمائهم، إذ ينتمون إلى قاع المجتمع وهامشه المسحوق.

شيوخ طاعنون وعجائز لا يهتم الراوي بتسميتهم أو تعريفنا بهم؛ لأن وجودهم داخل النص ينحصر بأفعالهم فقط، التي تقترب من الممارسة الطقوسية اليومية الغارقة  بالصمت معظم وقتها المسرود.

(2)

"في أصوات الليل"، العمل الروائي الذي قمت بمقاربة باكرة له في عمودي "أغلفة ومتون" في صحيفة "الثقافية" فور صدوره في العام 1998، يمارس البساطي هوسًا ناضجًا في الرصد التفاصيلي والذي لم نلحظه بالكيفية نفسها في أعماله الروائية والقصصية المختلفة. فهامش العمر في حياة مجموعة من "العجائز" يتحول إلى لوحة لا متناهية من الالتقاطات لعدسة لا تهمل شيئًا ذا أهمية، في عالم يغتلي باسترجاعاتهم للأيام التي أكلتها الغيطان وطينها، وأكلتها أزقة الحواري الضيقة وطرقات البندر والزوجات و… و… وهي بهذا المعنى محاولة لسماع نبض الحياة الباقي في عروق هؤلاء الذين "كانت لهم يومًا ما بيوتًا وأعمالًا يرتزقون منها، وعندما وهنت أجسامهم وسرت الرعشة بأطرافهم تركوا الحجرات لأبنائهم وأحفادهم، واكتفى الواحد منهم بفرشة في ركن الحوش بعيدًا عن فتحة الباب الخارجي".

هؤلاء العجائز يمارسون طقسًا ليليًّا واحدًا يستلقون "على مصاطب الدكاكين المغلقة، يكوّرون جلابيبهم كوسادات تحت رؤوسهم لا يأخذهم النوم، ينتظرون الحاج بسيوني حتى يغادر المقهى، بعد أن يكون قد أتى على خمسين حجرًا وأصبح خفيفًا رائق المزاج، يبحث في الركن عن عصاه ويذكره أحدهم أنه لم يأتِ بها. 

يلمحون الحاج بسيوني في وقفته بالباب المفتوح، ويرونه يطوِّح عصاه وينزل من فوق العتبة قادمًا نحوهم، ينزوون على المصاطب كاتمين لهاثهم، يحسون بعينيه البراقتين تطوف بهم ولا تتوقف، يمر بهم ويبتعد، يرمون جلابيبهم على أكتافهم ويتبعونه، يمشون متفرقين على جانبي الحارة، لا يسمع لهم صوت" (ص9، 10). 

شيوخ طاعنون وعجائز لا يهتم الراوي بتسميتهم أو تعريفنا بهم؛ لأن وجودهم داخل النص ينحصر بأفعالهم فقط، التي تقترب من الممارسة الطقوسية اليومية الغارقة بالصمت معظم وقتها المسرود، وإن كُسرت حالة الصمت هذه، فيكون كسرًا خفيفًا، تمامًا كسكون الليل الذي تكسِّر صمته أصوات الهوام والحشرات، وكائنات الليل الصغيرة في صفيرها ودبيبها. أما الأكثر صخبًا في طابورهم هذا، هي امرأة تدعى "بدرية" التي لم تزل تداوم منذ نصف قرن على الذهاب إلى المركز في الثامن عشر من كل شهر لاستلام معاشها عن زوج استشهد في حرب عام 1948، وتعود في العصاري محملة بطلبات الجارات من "القماش" الستان الوردي، ملاءة سرير مشجرة، مناديل رأس بترتر"، إضافة إلى علبتين من حلاوة الهريسة لعجائز ينتظرونها دائمًا على المحطة. 

"في اليوم الثامن عشر من كل شهر، تأخذ "بدرية" قطار السابعة صباحًا إلى المركز لتقبض معاشها عن زوجها وكان جنديًّا استشهد في حرب 1948. وخلال ما يقرب من نصف قرن لم تغير كثيرًا من عاداتها، كان جيرانها في الحارة حين لا يلمحون استعدادًا لسفرها واليوم يقترب ولا يسمعونها تقول كلمة، ينبهونها:

-المعاش يا خالة بدرية، بعد يومين.

وتومئ برأسها وتقول إنها تعرف. تنهض مبكرًا صبيحة هذا اليوم، تكنس الحوش وأمام العتبة، وتتناول قهوتها على الشلتة بمدخل البيت، ثم تلبس جلبابها القطيفة الأسود وطرحتها السوداء وحذاء خفيفًا من القماش وتضع قليلًا من الكحل، وتسحب من تحت مرتبة السرير مظروفًا أصفر اهترأت أطرافه، بداخله سِركي المعاش والبطاقة الشخصية والختم" (ص25). 

توشك روايته "أصوات الليل" كلها، في أحد مستويات التأويل، أن تكون رواية فقدان هذه الملذات الحسية واستعادة لحظاتها النادرة في عالم القرية المترع بالخشونة والتقشف والحرمان.

ومثل كل أعمال البساطي تنتهي رواية "أصوات الليل" نهاية مفتوحة تتيح للقارئ أكثر من بديل تأويلي، يتسق مع اللحظة التي يترك فيها الشخوص لمصائرهم الروائية. كان يريد الحاج بسيوني أن تكون سعلته مدوية توقظ كائنات الليل التي اعتاد أن يوقظها لدى خروجه من المقهى غير أنها جاءت واهنة، وقال، إن شيئًا ما غير مضبوط، لأنه في الليلة ذاتها لا تعود بدرية من المركز واضطرارها للمبيت في حانوت دون أن تستلم معاشهم نتيجة الاضطرابات التي احتاجت المركز والمدن الأخرى.

"وتوشك الرواية كلها، في أحد مستويات التأويل، أن تكون رواية فقدان هذه الملذات الحسية واستعادة لحظاتها النادرة في عالم القرية المترع بالخشونة والتقشف والحرمان. هي رواية استذكار لحظات السعادة الشحيحة في هذا العالم المترع بالمجالدة والشقاء"، بحسب تعبير صبري حافظ أيضًا.

روايته "أصوات الليل"، الصادرة في مارس/ آذار 1998، عن سلسلة روايات الهلال، شكّلت وقت صدورها الإضافة السادسة في منجزه بعد خمسة أعمال روائية، هي: "التاجر والنقاش" (76)، و"المقهى الزجاجي" (78)، "الأيام الصعبة" (78)، "بيوت وراء الأشجار" (93)، و"صخب البحيرة" (94)، وسبقت أربعة أعمال أصدرهما الكاتب قبل وفاته، هي: "ويأتي القطار" (99)، "ليال أخرى" (2000)، "الخالدية" (2006)، و"جوع" (2008). وصدرت أيضًا بعد سبعة أعمال قصصية؛ أولها كان "الكبار والصغار" (68)، وآخرها "ساعة مغرب" (96)، وبينهما "حديث من الطابق الثالث" (1970)، "أحلام رجال قصار العمر" (1979)، "هذا ما كان" (1987)، "منحنى النهر" (1990)، و"ضوء ضعيف لا يكشف شيئًا" (1993).


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English