الموسيقى مجازًا

عن حركية اللغة في الفنون
محمد العديني
August 12, 2022

الموسيقى مجازًا

عن حركية اللغة في الفنون
محمد العديني
August 12, 2022

لا أعتقد أنّا نعيش أو نحيا خارج الموسيقى وظلالها المدركة وغير المدركة، طالما أنّ اللغة أو النطق بتعبير أرسطو صفة جوهرية لازمة لتعريف الإنسان أو هُويته أو وجوده فـ"اللغة مثوى الوجود" أو"بيت الكائن" بتعبير هيدجر، و"اللغةُ أصواتٌ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" كما حكى شيخنا ابن جني، والأصوات عمومًا مادة طبيعية تصدر عن الطبيعة وكائناتها وأشيائها وعلى رأسها الإنسان، تصدر غفلة أو مهملة من الدلالة الاجتماعية، ثم تقوم المؤسسة أو المجتمع بانتخاب ما يلائم حاجته وقدرته الصوتية منها في الاستعمال بمنحها أو تقييدها بالدلالات التي يصطلح أو يتواضع عليها.

ونظرًا للتاريخ الطويل من معاشرة الصوت والاستعمالات الصوتية كثرة وتنوعًا وتكرارًا وانتظامًا وانفلاتًا "مماثلة" و"مخالفة" صوتية، خصوصًا منذ اكتشاف الإنسان للغة، فقد اكتسبت خبرة وطابعًا مموسقًا أكثر وضوحًا وانتظامًا، وهي خبرة مفتوحة دائمًا على ممكناتها وقدرة الإنسان على الابتكار والإبداع والتجريب، بحيث تكوّنت أو توالدت لغة بجوار اللغة، وصار للغة مستويات متعددة من التراكيب أو الأساليب والدلالات اللغوية. 

كانت اللغة انزياحًا من الصمت إلى الكلام ومن الكلام إلى الصمت، لِمَا تتمتع به هذه المفاهيم من هشاشة ونقص وانفلات في الوعي والإدراك والممارسة البشرية والانضباط الاصطلاحي عامة

هذه الحركية والنشاط اللغوي الهائل والمدهش مهّدا وأتاحا لانبثاق وإنتاج تشكُّلات وقوالب وأنغامٍ موسيقية لا تقِلّ هولًا وإدهاشًا.

كما أنّ النزعة المجازية للغة -والتي بلغت أوجها في الشعر والأدب عمومًا- قد انعكست على كافة التصورات الجمالية في سائر الفنون كالرسم والموسيقى، وأدّت إلى ظهور لغات ثانية وثالثة فيها تولدت من مجموعة انحرافاتها أو انزياحاتها المجازية المماثلة.

فإذن، كانت اللغة انزياحًا من الصمت إلى الكلام ومن الكلام إلى الصمت، لِمَا تتمتع به هذه المفاهيم من هشاشة ونقص وانفلات في الوعي والإدراك والممارسة البشرية والانضباط الاصطلاحي عامة؛ لأن فهمنا يقوم على جانب من التوهم، توهم معقول وغير معقول؛ فالتوهم هاجس يتبطن كل تعقلاتنا للأشياء، لذواتنا والعالم المنطوية عليه في جدلية حوارية أبدية تحكم هذا الأفق من التعاطي والمشاكَلة الوجودية. 

وبالقدر الذي يشير إلى أنّ رغبة الذات في استكناه نفسها لا تسير وفق خطة مرسومة ومحددة ومعلومة سلفًا، ويعبر عن عجزها وحاجتها الأزلية للانكشاف والتدليل، بالقدر الذي يجعل من تلك المفاهيم هُويات مفتوحة تظل دائمًا في حالة تأهب وتوثب، قلق وانبثاق متجدد، وما يجعل من الموسيقى أعنف مجازات اللغة وأخطر تجلياتها الوجودية، انزياحًا في الانزياح، انزياحًا أعمق أثرًا وانجراحًا في الزمن والوجود.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English