أحمد زين ورائعته فاكهة للغربان

رؤى كابوسية وصرخة استغاثة لإنقاذ الحياة
عبدالباري طاهر
January 6, 2021

أحمد زين ورائعته فاكهة للغربان

رؤى كابوسية وصرخة استغاثة لإنقاذ الحياة
عبدالباري طاهر
January 6, 2021

للقاصّ والسارد أحمد زين مجموعتان قصصيتان وأربع روايات. رواية "فاكهة للغربان" سردية تجربة الثورة في الجنوب اليمني، ومأساة صراع الرفاق صناع التجربة، وعلائقها بالحركة اليسارية عربيًّا وعالميًّا، ومعاناة مدينة عدن، وويلات التجربة، وزهو انتصاراتها.

رمزية الفاكهة ودلالات وأبعاد تركها للغربان، ومقارنة قصة الغراب وقابين وهابيل، عميقة وفاجعة قد تمتد إلى ثمرات جنات عدن. وكانت فاكهة ناضجة في حركات التحرر العالمية ولدى الشيوعيين العرب والمعسكر الاشتراكي.

الغراب العنوان، والمتكرر كثيرًا في السرد هزء عميق بالثوار، أكثر من تسفيه القرآن الكريم لغباء قابين الذي عجز أن يكون في مستوى الغراب. ثوار حرب التحرر عجزوا عن حماية فاكهة الثورة من أنفسهم، فتقاتلوا عليها، وتركوها للغربان والكلاب.

تصرخ المرأة بكل ما تدخره حنجرتها. يرتد الصوت إلى الأعماق، ويتلاشى. ينوس السرد بين ضمير المتكلم والغائب، ويوغل المعنى بين التجلي والخفاء.

يمتلك الزين مقدرة فائقة على التعبير عن الوقائع والأحداث بلغة سردية مائزة، لا تستغرقها الشعرية، ولا تتوه في المباشرة، زاخرة بالتعدد اللغوي.

يرسم بذكاء شخوص الرواية العديدين: نورا، عباس، بقطاش، نضال، سناء، ويحتشد في السرد تعددية الصوت في المزج الرائع بين الحوار الداخلي والخارجي، وتتجلى حداثة السرد في قوة البيان، وسرعة الالتفات بين تعدد صيغ الخطاب، والانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ورد الضمير على متأخر كثير عند الزين؛ وهي جميلة وشائعة في الأساليب الحديثة، وإن مثلت مشكلة في النحو القديم والمجامع اللغوية.

السرد في الفاكهة متعدد المذاق بثنائية الصوت؛ ففيها يمزج السارد بين مختلف المواقف والآراء، وسبل وطرائق التعبير بين حديث اليقظة والمنام، والكابوس وهلوسات ما بعد النيرفانا.

"الفاكهة" عمل إبداعي مدهش، لا يكفي تذوق طعمها مرة واحدة. تصرخ نورا بكل ما تدخره حنجرتها من قوة، يتلاشى الصوت ولا نجدة. 

تبدأ الرواية بصرخة نورا التي تعرضت وهي خارجة من الروك هوتيل لاعتداء. ينهمر سرد الفاكهة على تعرض نورا -عدن، التجربة الثورية، جناح في السلطة، الفرقة الفنية الشعبية زوجة، خليلة، جياب، عبدالفتاح إسماعيل- المدخل الكابوس المنامي، أزقة ملبدة بالمنام، أيدٍ غليظة تمسك بالسكاكين، فيما كانت الدابة تتهاوى. 

غرائبية الرؤية المنامية جد ساخرة، وغنية حد الإدهاش، فمن جلجامش، إلى الرحلات الأخروية في الميثولوجيا البشرية، إلى الإسراء والمعراج، إلى الفردوس المفقود، والكوميديا الإلهية، ومنامات الوهراني، وعشرات وعشرات، والمنام منجم إبداع، وكنز إلهام لا ينضب.

ميزة صاحب الفاكهة أنه يمزج الكابوس المنامي بكابوس اليقظة المتخيل؛ فالدابة المنحورة ترميز الحياة في مستوى، ونورا ترميز في مستوى أعلى؛ فالحياة هنا في مستوييها الأدنى والأعلى تنحر.

إبان الاستعمار البريطاني كانت مدينة دول الكمنولث، وبعد التحرير أصبحت عاصمة الشيوعيين العرب كرؤية نورا، ونافذة على موسكو والصين وفيتنام وهافانا وبلدان حركات التحرر الوطني

يحكيها صلاح الريفي الحزبي عندما غمرته رائحة عفونة قدمي نورا. يفكر في الأيام القليلة الأخيرة التي راعه خلالها جحيم الرغبة الفظيعة في الفتك، التي كان يضمرها كل طرف للآخر، وتتجسد في كل تلك الأنفس التي اختلط لحمها بتراب الشوارع، وأكلت منها الكلاب والغربان أيضًا. [ص 230 و231].

 في عطائه السردي، يبدأ زين من القصة مرتقيًا للسرد الروائي شأن مبدعين كثر، ومنهم أبو الرواية العربية نجيب محفوظ، وزميل زين وجدي الأهدل، وهي البداية الطبيعية.

والفاكهة –الرواية- ككل رواية حديثة ظاهرة متعددة الأسلوب واللسان والصوت، ويعثر المحلل فيها على بعض الوحدات الأسلوبية اللا متجانسة، التي توجد أحيانًا على مستويات لسانية مختلفة، وخاضعة لقواعد لسانية متعددة، حسب الناقد محمد برادة. الشخصيات الرئيسية: نورا، وصلاح كاتب المذكرات، وجياب الغائب الحاضر، وهناك شخوص عديدون: عباس العراقي ضمن مجموعة كبيرة من الشيوعيين العراقيين يشتغلون في التدريس، ومنهم الدكتور توفيق رشدي، الذي اغتالته المخابرات العراقية عام 1980، وفيهم الجزائري بقطاش، والفلسطينيان نضال وسناء. 

الفاكهة سرد سيرة ثوار الجبهة القومية والتاريخ غير المدون لطبيعة الصراع الكالح بين الثوار، ولمدينة عدن التي أصبحت عاصمة للشيوعيين كقراءة نورا بعد أن دخلها ثوار الجبهة القومية الآتين من الريف، بل أكاد أقول عاصمة لثوار العالم.  

الرواية قراءة لما وراء الوقائع المحسوسة والملموسة الأكثر عمقًا وصدقًا مما دونه التاريخ المقروء والمسموع والمدخول. 

الغرفة التي تلف جسد نورا نافذة مفتوحة على المدينة عدن، المفتوحة هي الأخرى أمام الهاربين من قمع الحكام في العراق والجزائر وممثلي الفصائل الفلسطينية اليسارية. نوافذ الغرفة تهب عليها رياح بعيدة المدى تأتي من الصين وألمانيا الديمقراطية وكوبا والمعسكر الاشتراكي. حينها عدن ابنة البحر أبوابها مشرعة أمام الشرق والغرب، وذلكم سر قوتها واستعصائها على الموت، وسر شقائها أيضًا.

نورا، إحدى ثمار الفاكهة المتروكة للغربان، ابنة إقطاعي كبير من الأسر الأرستقراطية السلاطينية- تاجر مواشي يشتريها للإنجليز من أفريقيا. تربت نورا بعيدة عن أمها المطلقة، وأبيها عضو المجلس التشريعي بتوصية من المندوب السامي لدى أم صديقة للأسرة.

يدور الحوار لكتابة مذكرات فتاح، وقضية إعطاب قدمي نورا. يتنوع الحوار ويتعدد ويمتد إلى الأوضاع في بعض البلدان العربية: فلسطين، والعراق، ولبنان، والجزائر، وللسوفييت، والصين، وكوبا، والبلدان الاشتراكية

منذ الطفولة أحبت الرقص حتى أصبحت عضوة في الفرقة الوطنية للفنون الشعبية، بعد عجز والدها عن ثنيها عما تريده، وخصوصًا علاقتها بجيفارا.

ترقص متدثرة بالعلم الوطني. شاركت في العديد من مسارح وقاعات مدن العالم العديدة أمام زعماء ووفود عالمية، أما جياب، فتصفه الرواية بأنه القائد الفيتنامي العدو الشريف الذي هزم الإمبريالية الأمريكية. 

الفاكهة، الثورة، التجربة، عدن، الجنوب، الحكم- ألوان ومذاق الفاكهة المتروكة للغراب الأذكى من أبيه معلم قابين كيف يواري سوءة أخيه، أما الثوار فلم يكونوا أحسن حالًا من أبيهم قابين. 

عدن الفاكهة المدينة التي ارتكبت أحلامًا تفوق طاقتها على التحمل، كاستشهاد زين بمقولة منصور هائل، وذلكم قدرها كنافذة على العالم والعصر.

إبان الاستعمار البريطاني كانت مدينة دول الكمنولث، وبعد التحرير أصبحت عاصمة الشيوعيين العرب كرؤية نورا، ونافذة على موسكو والصين وفيتنام وهافانا وبلدان حركات التحرر الوطني وبلدان الديمقراطيات الشعبية. 

الرواية غوص عميق في تجربة الجنوب، بإيجابياتها ومآسيها بترميز ذكي وداهش، ابتداء بالعنوان "فاكهة للغربان"، وقدمي نورا- عدن التجربة الثورية وقدميها المعطوبة حد التغفن.

  أما سالمين، وفتاح- جياب، فهما القدمان الحقيقيان، قائدا الكفاح المسلح. سالمين رجل الدولة، وفتاح قائد الحزب ومنظر الثورة الأبرز، صراعهما مع رفاقهما ومع الآخرين، ثم صراعهما معًا بداية العطب في تجربة ثورة مثلت محورًا في تجارب حركات التحرر الوطني عربيًّا ودوليًّا. 

شخصيات الرواية الرئيسية 

نورا، عدن، التجربة الثورية، صلاح نائب جيفارا ومسؤول حركات التحرر الوطني، مدون المذكرات، جيفارا الضمير الغائب والحاضر، عبدالفتاح إسماعيل.

يدور الحوار لكتابة مذكرات فتاح، وقضية إعطاب قدمي نورا. يتنوع الحوار ويتعدد ويمتد إلى الأوضاع في بعض البلدان العربية: فلسطين، والعراق، ولبنان، والجزائر، وللسوفييت، والصين، وكوبا، والبلدان الاشتراكية الأخرى حضور.

السارد زين يتعمق في قراءة التجربة والأحداث في المؤشرات الأولى لمأساة 13 يناير 86، حدبه على التجربة الرائدة لا يحجب عن بصره وبصيرته الأخطاء القاتلة والأوضاع والإجراءات شديدة القسوة والعنف. المقاطع الآتية من الراوية تومئ بأصابع ضوئية إلى جذور المأساة.

 في خاتمة السردية الرائعة في الحوار بين نورا وصلاح كانت تمسكه بقوة، وقالت كأنما لم تقل شيئًا طوال ما مضى من لقاءات، ولم تهزه هزًّا عنيفًا: "يا صلاح عندما كان رفاقك يحاربون الاستعمار كانت لديهم مُثُل نبيلة وقدام أعينهم مثال أعلى. بعد الاستقلال ظنوا أن المُثُل لم تعد تلزمهم، وأنهم أصبحوا المثال الأعلى". تضيف: "كانوا مثل العميان، باستثناء أنهم يرون واحدهم الآخر، ثم لم يعد واحدهم يرى إلا نفسه، وقد ضاق برفيقه. أضاعوا على هذه البلاد فرصة أن تكون".

التحية المتواضعة ليست أكثر من مدخل لقراءة، آمل أن تكون أوسع بعد قراءة "ستيمر بوينت".


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English