سوء التغذية... الأكثر فتكًا في زمن الحرب

مؤشرات خطيرة بسبب الفقر وانعدام الأمن الغذائي
د. مطهر العباسي
August 2, 2021

سوء التغذية... الأكثر فتكًا في زمن الحرب

مؤشرات خطيرة بسبب الفقر وانعدام الأمن الغذائي
د. مطهر العباسي
August 2, 2021
Photo by: Ali Al-Sunaidar - © Khuyut

تعتبر الفئة العمرية للأطفال من خمس سنوات فأقل، من أهم وأخطر مراحل العمر؛ لأهميتها البالغة في تكوين بنية الطفل بدنيًّا وعقليًّا، ولتأثيرها على مسيرته ومساهماته العلمية والعملية، ولذلك تحظى هذه الفئة العمرية بالبرامج الصحية والغذائية والتعليمية في العديد من دول العالم، فالطفل السليم في هذا العمر يعني الكثير للقوى البشرية المنتجة عضليًّا أو ذهنيًّا في سن العمل حتى سنوات التقاعد، وتشير الدراسات إلى أن سوء التغذية يتسبب بالضرر البالغ لنمو الطفل البدني والعقلي، خاصة خلال العامين الأولين من حياته، ويؤدي إلى انتشار ظاهرة التقزم ونقص الوزن بين الأطفال، حيث تكون هذه الأضرار دائمة في معظم الأحيان، وتؤدي لحالات مستديمة من الفقر وعدم تكافؤ الفرص. من جانب آخر، فإن الأطفال المصابين بسوء التغذية يعدون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، كالإسهال والتهابات الجهاز التنفسي والملاريا، والكوليرا وغيرها من الأمراض المعدية والفتاكة، ولذلك فإن سوء التغذية يقود إلى حلقة مفرغة ومخيفة في المجتمعات التي تعاني منها.

وتبرز ظاهرة سوء التغذية بسبب ارتفاع معدلات الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، وعدم توفر برامج الرعاية الصحية الأولية لكلٍّ من الأمهات والأطفال الرضع، وانعدام المياه الصالحة للشرب، وقصور أنظمة الصرف الصحي والإصحاح البيئي، كما تنتشر حالات سوء التغذية بسبب الحروب وظهور تجمعات النازحين، والتي تفتقد أبسط مقومات الحياة من الخدمات الأساسية في الغذاء والدواء والماء والمأوى.

وقبل اندلاع الحرب، في عام 2014، كانت مؤشرات سوء التغذية في اليمن تعد الأعلى بالعالم، وتصل إلى 50% بين الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات (حوالي مليوني طفل)، وكانت نسبة التقزم بين نفس الفئة العمرية تصل إلى 47%، وهذا يعني أن نصف الأطفال سيواجهون مشاكل مزمنة في نموهم البدني والعقلي في المستقبل؛ ونظرًا لخطورة مؤشرات سوء التغذية في العديد من دول العالم النامي، تم في عام 2012، إطلاق الحركة الأممية للرفع من مستوى التغذية في العالم بتمويل من الدول المانحة وتأسيس سكرتارية للحركة تتبع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، كما تم اختيار اليمن ضمن مجموعة من الدول النامية، لمساعدتها في تقديم الدعم الفني والتنموي والإنساني للحدِّ من ظاهرة سوء التغذية.

إن المؤشرات الخطيرة لانعدام الأمن الغذائي وانتشار سوء التغذية في معظم المحافظات والمديريات بالجمهورية، تضعنا جميعًا أمام وضع كارثي لصحة الملايين من أطفال اليمن، والذين يعول عليهم الكثير للمساهمة في بناء المجتمع، سواء بسواعدهم أو بعقولهم ومهاراتهم وخبراتهم

وللأسف بعد مرور قرابة 7 سنوات من الصراع والحرب بالبلاد، ازدادت مظاهر سوء التغذية بضراوة بالغة، فحسب تقرير الأمم المتحدة حول "النظرة العامة للاحتياجات الإنسانية لليمن، 2021"، فإن أقل من 16% من الأطفال دون الخامسة من العمر يستوفون الحد الأدنى من النظام الغذائي المقبول في معظم أنحاء اليمن، وهذا الوضع يعني أن أكثر من 80% من الأطفال في الفئة العمرية (0-5) سنة، يعانون من سوء التغذية بدرجات متفاوتة، إضافة إلى أن الحرب تسببت في نزوح حوالي 4 ملايين شخص من قراهم ومدنهم، وأصبحت تجمعات النازحين تشكل بؤرة واسعة لانتشار سوء التغذية بين الأطفال.

وبالأرقام؛ فإن حوالي 7.6 ملايين شخص يحتاجون إلى خدمات علاج سوء التغذية أو الوقاية منها؛ منهم 4.7 ملايين شخص في حاجة ماسة، وهذا يشمل 3.5 ملايين شخص يحتاجون إلى علاج لسوء التغذية الحاد؛ منهم حوالي مليوني و300 ألف طفل دون الخامسة من العمر ومليون و200 ألف امرأة حامل ومرضعة، ومن المتوقع في العام الجاري أن يعاني 400 ألف طفل من سوء التغذية الحاد الوخيم، مع إمكانية تعرضهم للوفاة في حال عدم حصولهم على العلاج بصورة عاجلة.

كما يشير تحليل "التصنيف المرحلي المتكامل" الصادر عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي ومكتب منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (ألفاو)، بأن اليمن في عام 2020 شهدت تزايدًا في معدلات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، ومن بين المحافظات الأكثر تضررًا: أبين وحجة والحديدة ولحج وتعز ومأرب والجوف وريمة، والتي تجاوزت عتبة الطوارئ لمنظمة الصحة العالمية؛ بينما بقية المحافظات باستثناء حضرموت والمهرة يعانون أزمة في الأمن الغذائي وفي سوء التغذية.

وبناء على ذلك، تصنف الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية في اليمن بأنها أسوأ أزمة في العالم المعاصر، وحشدت الموارد من المانحين خلال السنوات الماضية لمعالجة أزمة الغذاء وسوء التغذية، ونشأت ثقافة التكالب على المساعدات الغذائية، وكأن العالم سيظل يقدم مساعداته إلى ما لا نهاية. وما حدث العكس تمامًا، ففي الوقت الراهن يسود ما يمكن تسميته "إرهاق أو إعياء المانحين"، ولم تستطع الأمم المتحدة تعبئة الموارد الكافية لمواجهة الأزمة، في مؤتمر المانحين الأخير المنعقد في أوائل مارس 2021، حيث حصلت اليمن على حوالي 40% فقط من الموارد المطلوبة لتغطية نفقات المساعدات الإنسانية.

إن المؤشرات الخطيرة لانعدام الأمن الغذائي وانتشار سوء التغذية في معظم المحافظات والمديريات بالجمهورية، تضعنا جميعًا أمام وضع كارثي لصحة الملايين من أطفال اليمن، والذين يعول عليهم الكثير للمساهمة في بناء المجتمع، سواء بسواعدهم أو بعقولهم ومهاراتهم وخبراتهم.

كما أن تلك المؤشرات توضح بجلاء تداعيات وتبعات الصراع والحرب القائمة على كل شرائح المجتمع، ابتداء من الطفل الرضيع، مرورًا بالشباب، وانتهاء بالمسنين والعجزة، ويطال تأثيرها الحضر والريف على امتداد خارطة اليمن الموحد، فأمراض سوء التغذية تحصد مئات الآلاف سنويًّا من الأطفال دون سن الخامسة من الأسر الفقيرة والمحتاجة، وكان الأجدر بأطراف الصراع أن يوجهوا جزءًا من الأموال والموارد لإنقاذ أرواح هولاء الأطفال الأبرياء، بدلًا من إنفاقها للاقتتال وإزهاق أرواح مئات الآلاف من الشباب.

إضافة إلى أن الشواهد الملموسة للحرب وويلاتها تجعل الجميع مكتويًا بنيرانها باستثناء أمرائها وتجارها، كما أن المجتمع الدولي وصل إلى مرحلة العزوف وعدم الاهتمام بما تواجهه اليمن من كارثة إنسانية مرعبة.

إن جحيم الحرب يفرض على العقلاء من كل الأطراف، أن يرفعوا صوتهم عاليًا للمناداة بوقف الحرب وسعيرها والنظر بروح الإنسانية والمسؤولية إلى معاناة الناس في شرق البلاد وغربه، والدعوة لتعزيز فرص السلام وبسط الأمن والاستقرار حتى يسترد الوطن وأبناؤه عافيتهم ويتطلعون إلى مستقبل واعد لهم وللأجيال القادمة.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English