موجات من الوحدة

لم يبقَ شيءٌ ليغادرك
عبير اليوسفي
December 22, 2022

موجات من الوحدة

لم يبقَ شيءٌ ليغادرك
عبير اليوسفي
December 22, 2022

في أثناء مواجهته لحظةً شديدةَ البؤس، كتب الفيلسوف نيتشه، في إحدى رسائله إلى أخته: "هل خُلِقْتُ لحياةِ العزلة أو لحياةٍ لا أستطيع فيها التحدث مع أحد؟ عدم المقدرة على تبادل أفكاري مع الآخرين هي أسوأ وأفظع أنواع العزلة على الإطلاق، فالاختلاف عن الآخرين يُصنّف بأنّه أقسى وأفظع من أيّ قناعٍ حديديّ يُمكن للفرد أن يُعزَل بداخله". 

وفي مذكراتها التي كتبتها سنة ١٩٢٩، وصفت فيرجينيا وولف مشاعرها: "فقط لو أستطيع القبض على هذا الشعور، إنّه شعور سماع غناء العالَم الحقيقي، تأخذني إليه الوحدة والصمت لأبتعد عن العالَم المليء بالبشر".

نمرّ بتلك اللحظة التي تتوهج فيها مشاعر العزلة من ضجيج ما يشغلنا، ولكن قد تصبح تلك اللحظات انطفاء روح الفرد في وحدته التي لا يعرف الخروج منها، حتى وهو محاط برفاقه ومن حوله. تفقده الوحدة بمشاعرها السوداوية الطاقةَ والحيوية لبَدء يومه، وتُلازِمه نوبات الاكتئاب الدائمة. في الجانب الآخر، قد تفجِّر لديه تلك المشاعر ينبوعَ الإبداع، حين يحاول ترميم خرابه الداخلي بالكلمات .

علميًّا تُعرّف مشاعر الوحدة في الطب النفسي، بأنّها ألمٌ نفسيّ واستجابة شعورية للعزلة المحسوسة، وعدم رغبة بالتواصل مع المحيط الخارجي رغم تواجد الفرد مع الآخرين. وأوجد لها الأدباءُ تعريفًا ووصفًا مستلهمًا من تجاربهم التي عاشوها، فقد تضمّنت الأعمال الأدبية مشاعرَ الوحدة وما يرافقها من نوبات اكتئاب، كونها من أكثر التجارب المقلقة التي تدفع الإنسان للانفصال عن محيطه والتشتُّت وعدم القدرة على التواصل أو مواصلة حياته الطبيعية .

قد تجد الوحدة تمجيدًا يتمثّل بالانعزال الذي يُخرِج أجمل ما يمكن أن يُكتب، لكن وُجد دائمًا الخيط الذي يفصل بين العزلة خيارًا نختاره بالإرادة وبين الوحدة التي يقع في حفرتها المرء دون رغبة.

قد تجعلنا الحاجة نتذبذب بين مواصلة الانعزال أو الانخراط مع الجماعة، تعاش معاناة البحث عن انتماء مع قلق يتربص ويعيق مواجهة الحياة خارج دائرة الوحدة، أكّد هذا لارس سفندسن في كتابه "فلسفة الوحدة"؛ أنّ "الإنسان يحمل في داخله تناقضًا يجمع بين الرغبة في أن يُترك لوحده بسلام وبين الرغبة في أن يتشارك شعورًا عميقًا بالانتماء مع الآخرين".

في كتاب "لن تتكلم لغتي"، يرى عبدالفتاح كيليطو، أنّ الأدبَ كثيرًا ما ينقذنا من الوحدة، بمعنى أنّه يساهم في تخليصنا من خواطرنا السيئة المخجلة، أو على الأصح يجعلنا نعيها ونفكّر فيها.

مثّلت تلك الحالة الإبداعية عشرُ كاتبات موهوبات وحيدات، رصدت الكاتبة المصرية نورا ناجي، أثرهن في كتابها "الكاتبات والوحدة". 

من عنايات الزيات، وفيرجينيا وولف التي أنهت المعاناة والوحدة حياتهما بالانتحار، إلى مي زيادة، ورضوى عاشور، وإيمان مرسال، وغيرهن. وقفت نورا لتقول بدقة، إنّ "الوحدة مجرد صفة لا يمكنك أن تراها بعينك المجردة، لا يمكن أن تقف وسط جمع الناس لتقول؛ أنا أشعر بالوحدة. لكنك ستشعر بهذا الألم الذي يشق صدرك كلَّ لحظة".

الانشغال بالشكوك

ومن ضمن أعمال الأدب التي تواجدت فيها ثيمة الوحدة، في رواية الكاتب الإسباني خوان خوسيه مياس (هكذا كانت الوحدة)، حين كانت العنصر الأساسي في حياة البطلة. امرأة متزوجة لكن شعورها بالوحدة ممتدّ لأعماقها. للوهلة عند قراءتك استفتاحية الرواية، تظهر لك شخصية كافكا المأساوية في روايته "التحول"، فالتشابه بينهما في أنّهما نموذجٌ للإنسان المغترب عن ذاته. في شخصية إيلينا، المرأة الأربعينية، كانت تعاني من الوحدة الموحشة التي سبّبت لها فجوة بينها وبين زوجها وأسرتها. كان تهرّبها من شكوكها وأسئلتها الوجودية والعبثية، هو طوق نجاتها، بينما الهروب كان يمثّل حالة إنكار للأزمات التي تنغمس فيها.

تبدأ الرواية مع تلقّيها خبر موت والدتها، وبدلًا من البكاء تركّز وعيها في النظر للساعة والتفكير بأنّ "هذا أفضل وقت للرحيل عن العالم". بعد عدة أيام من حالة اللاوعي التي عاشتها، تتعرى إيلينا أمام وحدتها المنكرة، وتبدأ بالانشغال نحو الشكوك حول خيانة زوجها لها، تقرّر تعيين مخبِر سري لكتابة تقارير عنه، ثم تطلب منه مراقبتها والكتابة عنها، ليصفها بدقة وتتعرّف على ذاتها الوحيدة من خلال عين أخرى. وصفت إيلينا مرارةَ وحدتها: "من بين الفواكه المُرّة للحياة، الموت بعيدًا عن أن يكون أسوأها. السيِّئ هو أن تعيش بعيدًا عن نفسك ذاتها، وهذا ما أحياه أنا منذ سنوات".

البحث عن الانتماء

قد تجعلنا الحاجة نتذبذب بين مواصلة الانعزال أو الانخراط مع الجماعة، تعاش معاناة البحث عن انتماء مع قلق يتربّص ويعيق مواجهة الحياة خارج دائرة الوحدة، أكّد هذا لارس سفندسن في كتابه "فلسفة الوحدة"، أنّ "الإنسان يحمل في داخله تناقضًا يجمع بين الرغبة في أن يُترَك لوحده بسلام، وبين الرغبة في أن يتشارك شعورًا عميقًا بالانتماء مع الآخرين". 

هذا ما قد يدفع أثناء رحلة البحث عن الانتماء والتشافي، في تغيير المحيط والمكان، ومحاولة خلع مشاعر الوحدة عن طريق التعرّف على الناس وتكوين صداقات جديدة في بيئة مختلفة، لكن قد يكون من الخطأ تجاوز الوحدة بهذا الشكل، فقد تتفاقم عند تغيير المكان.

رصدت تلك التجربة الكاتبة الإنجليزية أوليفيا لانغ، بعد أن عاشتها في كتابها "المدينة الوحيدة". أوجزت في وصف الوحدة بأنّها "أشبه بكونك جائعًا بينما كلُّ من حولك يستعد لتناول وليمة. إنّه شعور مخجل ومخيف، ومع الوقت يبدأ هذا الشعور بالإشعاع خارجًا ليجعل صاحبه أكثر عزلة وأكثر غرابة".

استطاعت أوليفيا أن تخرج من وحدتها التي داهمتها عندما انتقلت إلى نيويورك ومرورها بتجربة حبّ فاشلة، عن طريق التركيز على الأعمال الفنية كعلاج وتتبّع حياة أصحابها، وسلطت الضوء على تجاربهم مع الوحدة التي كانت الدافع الأساسي لهم للإنتاج، وهذا ما جعلها تؤمن في نهاية الكتاب، بأنّ "علاج الوحدة لا يتمثّل في العثور على حبيب، ليس بالضرورة، بل قد يتعلق بأمرين: تعلم الطريقة التي يمكنك بها أن تكون صديقًا لنفسك، وفهمك أنّ العديد من الأشياء التي تبدو كأنها ابتلاءات تعرّضنا لها نحن كأفراد هي في الحقيقة نتيجةً لقوى اجتماعية وسياسية أكبر منّا، تتعمّد فرض الشعور بالعار والإقصاء والتي يمكن ويجب مقاومتها".

تختلف معاني الوحدة من كاتب لآخر، فقد تكون في أبسط شكل، كالتي أوجدها ميلان كونديرا، في روايته الخلود، حين قال إنّها "غيابٌ عذبٌ للنظرات"، وقد تأتي بصورة شعرية عميقة، عندما فصلها بسام حجار، وقال: "في المرة الأولى تقول: حسنًا لم أفقد سوى روحي، وهي متعبة، فلا بأس. وفي المرة الثانية، تقول: تعبَ جسمي منّي، وأبَى أن يحملني أعوامًا أخرى، وغادرني. وفي المرة الثالثة، لا تقول شيئًا. فما الذي تبقَّى؟ لم يبقَ شيءٌ ليغادرك".

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English