الترجمة الأدبية في اليمن

مترجمون يتحدثون عن أمنياتهم وأبرز معوقاتها
انتصار السري
January 15, 2021

الترجمة الأدبية في اليمن

مترجمون يتحدثون عن أمنياتهم وأبرز معوقاتها
انتصار السري
January 15, 2021

الترجمة الأدبية هي جواز سفرنا في إبداع وثقافة وتطور الشعوب. تأخذنا إلى بلدان وعوالم لم نزرها إلا عبر سطور ينقلها لنا المترجمون، فتقربنا من ثقافة وحياة تلك الشعوب. 

والمترجم في أي بلد تُهيَّأ له الأجواء الخاصة والتفرغ لإنجاز ترجماته، ودُور نشر عربية وعالمية تسعى إلى طباعة ونشر كل جديد من الأدب المترجم، فتسهم في نشر ثقافة وإبداع تلك الشعوب وإيصالها إلى المتلقي العربي.

تجمع "خيوط" هنا عددًا من آراء المشتغلين بالترجمة الأدبية والبحث الأدبي المقارن في اليمن، عن الصعوبات التي تواجههم أثناء الترجمة، وماذا قدمت وزارة الثقافة من تسهيلات لأولئك المترجمين على قلتهم، وما هو دَور دُور النشر والطباعة. 

ونستهل هذه الآراء من عميد المترجمين اليمنيين؛ الدكتور عبدالوهاب المقالح.

  • د.عبدالوهاب المقالح: "الترجمة نايي، لكن لا أحد يسمعه"

"يا انتصار، أنتِ بسؤالك هذا تثيرين شجونًا لا أريد أن أخوض فيها، وتنكئين جراحًا أحسب أني قد شفيت منها. ثم إنني لست في موضعٍ يخولني الحديث عن المترجم اليمني وهمومه والصعوبات التي تواجهه. قد أقول شيئًا ما عن نفسي إن واتتني العبارة، ولكني لن أتحدث باسم أيّ أحد.

حسنًا، لقد وجدتني –على غير توقع- موثقًا بالترجمة مع أني –لأسباب شتى- فكرت جدِّيًّا بأن أصرف النظر عنها وأبحث عن شغلة أخرى أداري بها أيامي الباقية التي أرجو أن تكون قليلة، وقولي هذا لا علاقة له مطلقًا باليأس أو التشاؤم أو حتى الزهد.

غير أني أجد أن الترجمة تقنعني بعكس هذا. فلتقرئي معي –على سبيل المثال- هذه البذرة من "بذور الحكمة"، وهو كتاب مترجم موضوعٌ إلى جانب بضعة كتب مترجمة أخرى في الدرج إلى ما بعد الوفاة إن شاء الله. اقرئي:

"في سكينة الليل، أخذ أحدهم يُنغَّمُ الألحان بنايه. بدا ضوء القمر وكأنه قد تجمد. تلك الليلة الباردة القصية، وألحان الناي العذبة تلك القادمة من البعيد مثل حلم– كل ذلك بدا جميلًا رائعًا بشكل لا يُصدَّق.

كم من رحيقٍ لقصبةِ نايٍ أن تسكبه؟

الحياة هي أيضًا شبيهةٌ بالناي، خاويةٌ وفارقةٌ في داخلها، غير أنها في الوقت عينه تمتلك قدرةً لا محدودة لإصدار الألحانِ العذبة. لكن الأمر كله يتوقف على العازف. إن الحياة هي صنيعة الإنسان؛ فكما يريدها تكون. إنها مجرد فرصةٍ فقط.

ونوعُ الأغنية التي تريد الإنسان أن يغنيها هي قراره الخاص وحده. وتلك هي كرامة الإنسان؛ إنه حرٌّ في أن يغني أغاني الجحيم أو أغاني الفردوس.

كل إنسانٍ باستطاعته أن يبدع ألحانًا مقدسةً بنايه؛ الأمر كله أمر تدريب قليلٍ للأصابع. تدريبٌ قليلٌ، وسيكون ما يناله عظيمًا هائلًا. إن مملكة البهجة اللامحدودة تُنالُ من دون أن تفعل شيئًا أبدًا.

كم أتمنى أن أهمس في كل قلبٍ قائلًا: خذ نايك. الوقتُ يمر سريعًا، تأكد من أن فرصة أن تغني أغنيتك لن تفوتك. إن عليك أن تغني أغنية حياتك قبل أن يسدل الستار. (انتهت البذرة).

تلك هي أمنيتي أيضًا وأنا أترجم، والترجمة هي نايي ولكنه لا يُصدِر صوتًا، ولا يسمعه أحد، وأخشى أن لن يسمعه أحد. وتلك هي الصعوبة التي تسأليني عنها.

"بذور الحكمة"، و"معجزات التأمل"، و"حدثنا عن الحب":

تعليقات على كتاب جبران خليل جبران "النبي"، وغيره من الترجمات هي في الدرج ترقد في صمت بعد أن أمدتني بالعافية والبهجة المباركة، وكنت –وما زلت– أرجو أن تمدَّ غيري بالعافية والبهجة المباركة.

لا أماني لي بنقل أدب اليمن إلى اللغات الأخرى، وأيضًا ترجمة الإبداع العالمي إلى العربية. فلا أماني لي بهذا الشأن. وكان الله في عون المتمنين والمتمنيات.

وما أنا غيرُ سهمٍ في هواءٍ يعودُ ولم يجد فيهِ امتساكًا كما يقول أبو الطيب (رحمه الله)، وقد ترجمه "آربري" هكذا:

I am naught but a shaft in air that return not finding there anything to hold to.   

أما "نورمان كوزينز" فقد قال:

Tragedy of life is not death, but what we let die inside of us while we live. 

وقد ترجمتها هكذا:

"ليس الموت هو مأساة الحياة، بل المأساة هي فيما نسمح له أن يموت بداخلنا ونحن أحياء".

حركة الترجمة ضئيلة جدًّا في اللغة العربية، وكم من مترجم لا يجد من يطبع له كتابه الذي ترجمه أو يجد دارًا تبخسه أتعابه فتشتري منه الترجمة بثمن بخس
  • د. بشير زندال.. ما يتمناه المترجم

"تظل الترجمة الأدبية من أصعب أنواع الترجمات وتحتاج من المترجم إلى قراءة دائمة للأدب حتى يتسنى له التعود على الصيغ والتراكيب الأدبية. وهناك صعوبات تقنية وأخرى لغوية في ترجمة الأدب. تقنية كالعثور على ناشر يتكفل بشراء حقوق الترجمة من الدار الأجنبية، فالكثير من دور النشر لا تتحمس لشراء حقوق الترجمة، وتفضل ترجمة روايات لا يوجد لها حقوق نشر كالروايات القديمة أو التي مضى عليها المدة القانونية لسقوط حقوق الترجمة. بعض الدول تفترض 50 سنة لسقوط حقوق المؤلف، وبعضها 60 سنة. وهذه مشكلة تواجه المترجمين الشباب؛ لأن دور النشر الكبيرة لا تحبذ التعاون والمغامرة بشراء حقوق الترجمة ثم تسلم العمل لمترجم خبرته ما زالت في البداية، بل تشتري وتعطي العمل لمترجم له إصدارات كثيرة. 

أما الصعوبات اللغوية فتتمثل في صعوبة النص الأدبي نفسه، لأن اللغة الأدبية في أغلبها ليست مباشرة كاللغة العلمية أو التجارية. ويحتاج المترجم إلى خبرة طويلة في الكتابة الأدبية بلغته الأم. فنجد أغلب المترجمين الأدبيين يكتبون أدبًا في الأصل. يتوجب على المترجم أن يترجم بنص أدبي يدهش القارئ في لغته التي يترجم إليها، وإلا لما أعجب القراء ولشعروا بأن اللغة هنا جافة وليست سلسة، بل ولأستغرب البعض حين لا تعجبه الرواية المترجمة معتقدًا أن الكاتب الأصلي أصلًا لا يجيد الكتابة. ولهذا يتحمل المترجم الأدبي مسؤولية كبيرة. وكم من رواية لكاتب كبير مثل "همنجوي" أو "ماركيز" عندما نقرؤُها في العربية نصاب بخيبة أمل لأن النص كان "ركيكًا". وكلمة "ركيك" تمثل لنا الترجمة السيئة وعدم الخبرة من المترجم بالكتابة بلغة أدبية تدهش القارئ العربي. قال"ساراماجو": "ينتج الكُتاب أدبًا محليًّا، ويجعله المترجمون أدبًا عالميًّا". فمهمة المترجم الأدبي بالغة الصعوبة وليست فقط إيصال المعنى للنص، ولكنها الكتابة بروح الكاتب الأصلي، وبلغة ترتقي إلى لغة الكاتب الأصلي.

أما مسألة ترجمة آدابنا إلى اللغات الأخرى فهي ليست مهمة المترجمين العرب، بل مهمة المترجمين الأجانب؛ لأن في الترجمة يتوجب على المترجم أن تكون لغته المنقول إليها أقوى من لغته المنقول منها. أي: مثلًا يتوجب عليّ أنا أن تكون لغتي العربية أقوى من لغتي الفرنسية كي أترجم إلى العربية، لأني في الترجمة أحتاج إلى القراءة وفهم النص من اللغة الأخرى، ولكني كي أكتب أحتاج إلى دراية بالغة باللغة العربية وبوديانها ومداخلها، كي أستطيع الكتابة واستحضار المفردات والمعاني. وهو ما لا يتسنى لنا بشكل جيد في اللغة الأجنبية؛ لأننا نظل متعلمين لها وليست لغتنا الأم، لذلك يمكنكم الملاحظة بأن ما تقرؤونه من ترجمات إلى العربية هي لمترجمين عرب وليس لمترجمين أجانب. هل قرأنا رواية فرنسية ترجمها مترجم فرنسي إلى العربية؟ بالتأكيد لا، فهي مهمة المترجمين العربيين. وما يترجم من الأدب اليمني إلى اللغات الأخرى يكون خاضعًا لعدة معايير، منها: شهرة العمل الأدبي كرواية الرهينة، أو لأن الرواية تطرقت لثيمة يهتم لها القارئ الأجنبي كرواية اليهودي الحالي. عمومًا موضوع ترجمة الأدب اليمني إلى الآداب الأخرى ليس مهمة المترجم اليمني، فهي أمر خاضع لقضايا بعيدة عنه.

ما يتمناه المترجم هو دار نشر توافق على ما يقدمه من مقترحات كتب للترجمة، وتقدم له أتعاب الترجمة. للأسف حركة الترجمة ضئيلة جدًّا في اللغة العربية، وكم من مترجم لا يجد من يطبع له كتابه الذي ترجمه أو يجد دارًا تبخسه أتعابه فتشتري منه الترجمة بثمن بخس. كم من مترجم حلم بترجمة كتاب حديث ولم يجد من يشتري له حقوق الترجمة من دار النشر الأصلية. في فترات التاريخ الذهبية نجد أن الترجمة كانت حاضرة، فلولا اهتمام المأمون في العصر العباسي بالترجمة ما حصلت أبدًا النهضة العلمية، ولَمَا أصبح العصر العباسي هو العصر العباسي. ولولا الترجمة ومدرسة طليطلة في الأندلس التي نقلت العلوم العربية إلى اللغات الأوربية لما حصلت النهضة الأوروبية، ولولا محمد علي باشا الذي استحدث دار الألسن واهتم بالترجمة لما حدثت النهضة العربية الحديثة. وللأسف لم يهتم السياسيون في العالم العربي بالترجمة، وإلا لتغيرت الموازين المعرفية والعلمية ومن ثم السياسية والاجتماعية".

  • بسام جوهر: "على المترجم أن يمتلك مشروعه الخاص" 

"أكاد أجزم أن مشهد الترجمة الأدبية ككل في اليمن معتم ومغبر للغاية. إذ إن الحضور كله لا يكاد يكون سوى للترجمة التجارية، وهي الخيار الوحيد لخريجي أقسام اللغات والترجمة في كل أنحاء اليمن. قد يعود السبب الرئيس إلى عدم تشجيع الجهات الثقافية المعنية واعتبارها أن الترجمة لا محل لها من المشهد الثقافي. ناهيك عن أنها الملاذ الوحيد لمن يريد كسبًا مضمونًا يعينه على مواصلة حياته. ثمة سبب آخر ومهم، وهو عدم التفات دور النشر اليمنية على وجه الخصوص، والعربية على وجه العموم، للمترجمين المبتدئين والنظر إليهم كأصفار لا يليق حتى إلقاء نظرة سريعة على ما ينتجونه. وبين هؤلاء جميعًا تبزغ دار نشر لأحد اليمنيين بالخارج، والذي ظل يهتم بالمشهد اليمني ويمنحه الوقت والاهتمام وكأنه واجب ثقافي وطني، وهي دار أروقة للشاعر والناقد د. هاني الصلوي، تبدو كتلويحة أخيرة ويد تمتد نحو إنقاذ المشهد الثقافي في اليمن. شخصيًّا كانت أروقة عونًا لي وخيرًا من جميع دور النشر في الوطن العربي بعد اختيارها لعملي المترجم "إنسان وبقايا الزولو"، وهو أنثولوجيا مترجمة لأجمل القصائد من الشعر الجنوب أفريقي، منها قصيدة لابنة مانديلا فازت بجائزة ناجي نعمان للاستحقاق عام 2014.

من وجهة نظري على المترجم الأدبي أن يكون مثقفًا خلاقًا كي يعرف العمل الذي يستحق الترجمة، ثم يصنع له مشاريع خاصة به، ومشاريع يخدم بها تراثه دون أن ينتظر من أي جهة أن تقترح له ما الذي يجب عليه أن يقوم به. فبالنظر إلى تراثنا سنجد أنه زاخر بكل ما هو جدير بالترجمة والتعريف به لدى الآخر الذي يجهل تمامًا الكثير عن تراثنا.

كمترجم أدبي، لدي رؤية خاصة وخطط لأعمال سأترجمها في المستقبل القريب، منها ما هو مطلوب لدى المتلقي سواء العادي أو الأكاديمي الباحث، ومنها ما هو بحاجة للتعريف بأهميته، بعيدًا عمّا تعيشه البلد من مآسٍ كفيلة بجعلك محبطًا للغاية، وبعيدًا عن كل جميل يثير التفاؤل. أتطلع كثيرًا لخدمة المشهد الثقافي المحلي والعالمي بعد البحث عن ممول يقدر مثل هذه الأعمال وضرورة ترجمتها. من الجهة الأخرى يجب علينا عدم التقوقع والاكتفاء بما لدينا؛ إذ لا بد للمترجم الأدبي أن ينظر إلى ما تحويه الثقافات الأخرى من كنوز تتيح لنا فكرة التجربة والاستفادة منه. فالمشهد الثقافي في اليمن أو خارجه بحاجة إلى النظر إلى الثقافات الأخرى والخروج من الانغلاق وألا يكون رهينَ ما يمتلكه فقط. ثمة أعمال كثيرة في جعبة الشعوب سواء في المجال العلمي أو الأدبي. نحن بحاجة إلى الآخر كي نعرف ذواتنا ونقيمها أكثر. فاليابان وقفت ذات مرة وحاسبت نفسها وأمرت بترجمة ثقافات الآخر، وخاضت التجربة واستفادت وأفادت العالم بنتاجات أفضل تليق بهكذا تجربة.

قد تكون نصيحتي للزميل المترجم اليمني أن يمتلك مشروعه الخاص في خضم تمسكه بمهنة ترجمة يعيل بها نفسه وأسرته ولو بعد حين. ورسالتي إلى وزير الثقافة أن يلتفت إلى هذا الأمر المهم، وأن يعطيه حقه بالنظر إلى المترجمين اليمنيين وتشجيعهم بطباعة ما يستحق من أعمالهم، هذا لأني أثق في المترجمين المحليين، سواء من طبعت أعمالهم أو من ظلت أعمالهم حبيسة أدراج مكاتبهم لعقود طويلة".

  • رياض الحمادي: "الترجمة في اليمن عمل حر غير منظم"

"أول عائق أمام المترجم اليمني هو صعوبة العثور على نصوص أو كتب لم تترجم بعد، يأتي بعدها عائق حقوق الملكية الفكرية، ثم صعوبة العثور على ناشر يُقدر الجهد المبذول في الترجمة. لا يوجد ناشر يمني وهذه مشكلة كبيرة. مشكلة أخرى أن أغلب المترجمين ينقلون من اللغات الأجنبية إلى العربية، وتقريبًا لا يوجد من يترجم من العربية إلى اللغات الأجنبية في اليمن، وذلك لسهولة الترجمة إلى اللغة الأم.

الترجمة في اليمن عمل حر غير منظم ولا توجد مؤسسة ترعى المترجم ولها مشروع للترجمة. في الدول الأخرى يستلم المترجم دفعة أولى من مستحقات الترجمة قبل الترجمة أو عند ترجمته لفصل من الكتاب، بينما هنا ينهي المترجم الكتاب ثم يبحث عن جهة تنشره، وقد لا يعثر على ناشر بسهولة.

أتمنى أن توجد دور نشر ومؤسسات حكومية أو خاصة تهتم بنشر الأعمال المترجمة، وتجمع المترجمين في مشاريع ترجمات سواء من العربية أو إليها".

نحتاج إلى إنشاء مؤسسة ثقافية تعنى بالترجمة بشكل كامل، كتلك المؤسسات المعنية بالمخطوطات ودور السينما والمسرح
  • د. حاتم محمد الشماع: "على المترجم أن يفك شيفرة النص"

"بما أننا في هذا المقال نركز على الترجمة الأدبية، التي تعتبر من أصعب أنواع الترجمة، فمثلًا في ترجمة الشعر يقول "باسترناك": "ترجمة الشعر كالذي يستحم مرتديًا ملابسه"، وذلك لأن ترجمة القصيدة الشعرية تفقد جوهرها ومغزاها الحقيقي، وكذلك ترجمة باقي النصوص الأدبية؛ كون النص الأدبي يحمل في طياته الكثير من الرموز والاستعارات والصيغ الجمالية، والتي تتطلب من المترجم الأدبي أن يكون لديه إلمام بثقافة النص الأصلي وثقافة النص الجديد، كون اللغة ناتجة عن التفاعل الثقافي في أي مجتمع، كما يجب على المترجم للنص الأدبي أن يهتم بنقل المعنى الكامل وفك شفرة النص، وتوصيله إلى النص المنقول إليه مكتملًا كما أراده كاتب النص الأصلي، حتى يصل بالقارئ إلى نفس التفاعل والفهم الذي يصل إليه القارئ للنص الأصلي، لذلك فإن على المترجم للنص الأدبي أن يكون قادرًا على القيام بصياغة أدبية فنية، تجعل ذلك النص الهادف عملًا إبداعيًّا أدبيًّا مكتملًا".

  • صفوان الشويطر: "أبرز العوائق غياب صناعة الكتاب" 

"الترجمة الأدبية هي توْءم الإبداع، وليست أقل صعوبة من كتابة النص الأصلي، ولكنها ليست مستحيلة، فالسياق اللغوي في العمل الأدبي ليس إلا مادة خام لعملية الترجمة؛ لأن أي نص أدبي يشتمل على سياق آخر أكثر تعقيدًا، وهو العلاقة بين ثقافتين وطريقتين مختلفتين في التفكير والإحساس والتعبير، وهكذا، فالكلمة داخل النص الأدبي ليست تشكيلًا بريئًا يشير ببساطة إلى مدلول واحد مباشر، بل هي وعاء معقد يتضمن وقائع تاريخية وأحداثًا اجتماعية وأيديولوجيات سياسية ومعتقدات دينية يجب أن يلم بها المترجم ليستطيع تقديم نص متماسك ومترابط عضويًّا، وهذا يدفعنا إلى استقراء الجوانب السوسيو-سيميائية (الاجتماعية-العلاماتية) على اعتبار أن اللغة جزء مندمج مع الثقافة، أي جزء من حدث أكبر يدعى الخطاب.

وعندما نتحدث عن الترجمة الأدبية من اللغة الإنجليزية إلى العربية والعكس مثلًا، فيجب على المترجم للنص الأدبي الإنجليزي أن يكون على دراية كاملة بالثقافة الإنجليزية، وخاصة تلك الكلمات والأمثلة التي استعارتها اللغة الإنجليزية من لغات أخرى أو من أنشطة غير أدبية ووظفتها في صياغات أدبية. فمثلًا، عبارة "keep straight bat" هي عبارة مأخوذة من لعبة الكريكت، ولكنها هنا جملة استعارية، تعني: شريف أو صادق، وهناك الكثير من الكلمات والعبارات والحكم والأمثال المستعارة، التي يستخدمها الكاتب في نصه وتحتاج لتفسير فني أدبي دقيق من المترجم، حتى لا يخِلّ بمعنى النص الهادف، أما ما تواجهه الترجمة الأدبية في اليمن فهناك صعوبات حقيقية، نظرًا لغياب صناعة الكتاب في المقام الأول، وأيضًا لا يوجد سوق للكتاب، وهذا يعني أنه لا يوجد مقروئية عالية للمنتج الثقافي، التي مهمتها خلق التجديد والإبداع والتقييم للنص الأدبي. فلو قرأنا بداية الترجمة الأدبية لرأينا أنها كانت تقتصر على ترجمة بعض النصوص من الإنجليزية إلى العربية ونشرها كملحق أدبي في بعض الصحف الرئيسية كصحيفة الثورة والجمهورية، كما أن وزارة الثقافة لم تخصص قدرًا كافيًا للكتب المترجمة، لذا فنحن نحتاج إلى إنشاء مؤسسة ثقافية تعنى بالترجمة بشكل كامل، كتلك المؤسسات المعنية بالمخطوطات ودور السينما والمسرح، ومن أهم أعمال تلك المؤسسة هي تنظيم ورش عمل للمترجمين، وخلق التنافس، وصقل وبلورة تلك المواهب؛ كي يستطيعوا إنتاج عمل فني محترف. أي أنه يجب علينا الاستفادة من التجربة المصرية والسورية في جانب الترجمة وتأهيل المترجمين ليكونوا قادرين على التعامل مع النص الثقافي بلغة أجنبية، أما حاليًّا وفي ظل الوضع الراهن في اليمن وما تمر به من دمار، فما نحتاجه هو جهود طوعية للتعريف بدور الترجمة الأدبية وعمل لقاءات للمترجمين لتوحيد الجهود ومحاولة إنجاز ولو شيء بسيط في أساسيات الترجمة الأدبية يكون أساسًا لمستقبل الترجمة في اليمن، كما يجب الاستفادة من الهامات المعروفة في بلادنا في مجال الترجمة، والذين لهم باع كبير ورصيد عالٍ في الترجمة الأدبية بشكل خاص، كونهم من وضعوا اللبنة الأولى في هذا المجال وبجهودهم الشخصية والدعم الذاتي".


•••
انتصار السري

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English