ذاكرةُ الشفاه في اليمن

إيجابية النهايات لا سلامةَ المقدمات في الذهنية الشعبية
عبده منصور المحمودي
October 29, 2020

ذاكرةُ الشفاه في اليمن

إيجابية النهايات لا سلامةَ المقدمات في الذهنية الشعبية
عبده منصور المحمودي
October 29, 2020
لوحة للفنانة آمنة النصيري

   ذاكرةُ الشفاهِ سَفَرٌ في الحياةِ شفاهيةِ التدوين والذاكرة، تلك الحياةُ بثراء صورها المتشَرِّبةِ لخصوصيتها الشعبية، بتوصيفها تراثاً لامادياً في أدبيات التراث الإنساني، وتجاربها الخصبة التي تزخر بها أرياف اليمن. تلك الحياة التي يستخلص الإنسان اليمني من تفاصيلها رؤىً حِكَمِيَّة، يستند عليها في تسيير أموره، يتداولها غير مفرِّطٍ فيها، تتناقلها أجياله، تتردد أمثالاً على ألسنتهم، ميزاناً لما يدور في دائرة فكرتها من تفاصيل حياتهم، من مشكلات واقعهم وأحداثه.

   ريفيون، حياتهم هي مدرستهم الأولى، تجاربهم متونٌ لما وصلت إليه رؤاهم، على شفاههم تجري ذاكرةُ اعتراكهم مع الأزمنة والأمكنة، ذاكرةٌ يوغل صمودُها في سيرورة الزمن؛ فيضطلع بتوثيقها على صفحات كلامهم وسطور أصواتهم.

  بتلقائيةٍ تتراتب تجاربُهم في أنسقةٍ متعددة، منها هذا النسق القائم على ترسيخ المنطقية في القول: إن الحكم على الأمور يجب أن يكون بناءً على نتائجها وإيجابية النهايات فيها، لا على بداياتها وسلامة مقدماتها. في هذا النسق انتظمتْ ثمارُ تجاربهم مقولاتٍ وحكماً متعددةً متداولةً على ألسنتهم في مواقف مختلفةٍ ومتنوعة.

   مما ينتظم في هذا النسق من مقولات، مقولتان اثنتان، إطلالتُهما مُلِحّةٌ؛ ليرتوي بماء حكمتهما هذا الاحتفاء، الأولى منهما: "ذرأْكُ لِكْ ياعمّةْ!.. قَالَهْ: يا بني عَبارِهْ نباتِهْ"، والثانية: "لاتْقُولْ بُرْ الّا وْقَاهُوهْ بالصُّر".

   تختلف طريقةُ نطق المقولتين، وتختلف صورهما الصوتية من منطقةٍ إلى أخرى،ومن حيِّزٍ اجتماعي إلى آخر، اختلافات بسيطة تستلزمها سليقةُ البناء اللغوي الخاص بكل منطقة. واحدةٌ من صورهما الصوتية هي الصورةُ التي يتسم بها تداولُهما الشفاهي في الغالب من قرى مديريتي: (ماوية) و(الحشاء)([1]). إن لم يكن في جميعها.

 

1.  "ذرأْكُ لكْ يا عمّةْ!.. قَالَهْ: يا َني عَبَارِهْ نباتِهْ":

   انسجاماً مع خصائص المحكية في المديريتين، تأتي هذه المقولة بهذه الصورة الصوتية، فالفعل: (ذَرَأكُ): ذرأتُ. حل فيه صوت (الكاف) محل (تاء) فاعله المتكلم. وانتهى فعل القول الماضي بصوت (الهاء) الذي حل محل (تاء الفاعل) للمؤنثة الغائبة. أما صيغة (عَبَارِهْ) المنتهية بضمير المؤنث المتصل، يظهر فيها اكتفاءُ المحكيةِ من ضمير المؤنث المتصل (ـــها) بصوتِ (الهاء) والوقف عليه بالسكون، ومثل ذلك جاءت صياغةُ (نباتِهْ): نباتها.

  وجاءت مفردة (عَبَارِهْ) من المعجم الفصيح، فيقال: "عَبر المتاعَ والدراهمَ: نظر كم وزنُها وما هي،... و(اعْتَبَرَ) الشيء: اختَبَرَهُ وامتحنَه،... [و](الاعْتِبارُ): الفرضُ والتقديرُ"([2])، فكانت دلالتها في هذه المقولة على التقييم والتقدير لنجاح العمل أو فشله.

    تتردد هذه المقولة تعقيباً على نشوة أحدهم بالحديث عن مجهودٍ بذله- أو يبذله لإنجازٍ ما- قبل أن ينتهي منه أو تُسْتَكملَ اشتراطاتُ النجاح فيه على صورته النهائية الملموسة.

  اطِّرادُ تداولها ينحو نحو الاكتفاء بترديد لفظيها المكتنزين بدلالة الحكمة فيها: (عَبَارِهْ/ نَبَاتِهْ)، اكتفاءً إيجازياً متكئاً على رسوخها كاملةَ الأجزاء في الذهنية الشعبية، بما في ذلك مقام الكلام الواردة فيه. وسرعان ما يستحضرها المتحدث كاملةً حينما يستشعر الحاجة إلى فاعليةِ قولها كاملةً في تنوير مقام حديثه، لا سيما حينما يلاحظ تباطؤاً استحضارياً للمحذوف منها عند المعنيِّ باستيعابها، أو عند أحدٍ ممن في مقام الحديث، فيستطرد في استحضارها: "قالْلِهْ ذَرَأْكُ لِكْ يا عمةْ، قالهْ: يا بْنِي؛ عَبارِهْ نباتهْ". استطراد يحيل على الانطلاقة الأولى للمقولة، والتي يمكن مقاربتها: بموقفٍ بين شخصٍ وامرأةٍ من قريباته، عمرُها متقدمٌ يؤهلها لأن تكون في مستوى قرابتها له (عمَته)، يزفَّ إليها البشرى بأنه قد أنجز بذر الحَبّ في مزرعتها، منتظراً تعقيبها عليه بامتنانٍ له، ولو مقتضباً. لم تتعاطَ (العمّة) مع بشارته بما يتفق مع ظاهرية معناها، مؤجلةًذلك إلى ما سيسفر عنه تمحيصها بمعيارٍ قائمٍ على منطقيةٍ زمنيةٍ قريبةٍ، زمنيةٍ ستتضح فيها نتيجةُ عمله سلباً أو إيجاباً، فملاحظتُها للنبات ونموّهِ هي ما ستفصح مزرعتُها من خلالها عن النجاح والإيجابية في عمله.

   لا يقف التداول لهذه المقولة عند مهاد انطلاقتها الأولى، ففيها ما يؤهله الامتدادٍ أوسع، فيتنوع حضورها في أكثر من مجالٍ، وفي كثير من المواقف التي تظهر فيها نشوةُ شخصٍ ما، بإنجازٍ لم يقفْ بعدُ على قدمي واقعيته واكتمال اشتراطات حقيقته.

2.  "لـَ تْقُولْ بُرْ إلّاوْقَاهُوهْ بالصُّر":

 لا تعني إيجابية النتيجة في المقولة السابقة أن الحكم باتٌ فيها، فهي نتيجةٌ أولية، تتبعها مراحل ومنعطفات للوصول إلى النتيجة النهائية؛ حيث يقتضي الوصولُ إلى هذه النتيجة النهائية المرورَ الحتمي بطريقٍ متعرجٍ محفوفٍ بالمخاطر، طريقٍ تجتمع فيه تناقضاتٌ تتقاسم الاشتراطات الاحتمالية للنتيجة بصورتيها: السلبية والإيجابية.فيستكمل نسقُ الحكمة- الذي بدأ من المقولة السابقة- مسارَه في هذه المقولة:"لـَ تْقُولْ بُرْ إلّا وْقَاهُوهْ بالصُّر". والتي أوجزت في توصيف ذاك الطريق ورحلته المجهولة المضطربة.

·       هذه المقولة/ المثل، كسابقتها، واضحٌ فيهما الانتماء إلى بيئتهما، كما هو واضحٌ فيهما تجسيدهما لبيئتهما هذه بما فيها من مخاطر وهيمنةٍ لقلقٍ وخوفٍ من انهيار الحلم في أية لحظة

  بتأمل الصورة الصوتية لهذه المقولة- وفقاً لخصائص المحكية في جغرافيتها المكانية والاجتماعية- يظهرُ عليها عدمُ امتدادِ صوتِ الفتحة بعد (اللام) في (لا)الناهية، ليستوي ألفاً. كما توارت فاعلية (لا) الناهية الجازمة للفعل المضارع، ولمتُخلّص الفعل (تقول) من ظاهرة (اجتماع ساكنين) على الصوتين: (الواو/اللام)، ولا يجتمع ساكنان في الفصحى؛ إذ يتم حذف (الواو) في مثل هذه الحال، لكن خصائص المحكية تبقي على الساكنين مجتمعين. ويظهر التسكين سمةً واضحةً على أواخر الكلمات، فلا حضورَ لحركاتٍ إعرابية. ويُلاحظُ أن الصيغة: (الّا وْقَاهُوهْ بالصُّرْ) حملتْ معنى القول: (إلا وقد صار في الصرة).

 استقام بناءُ المقولة على سليقةِ المستوى اللغوي المحكي الذي استمد مَحْوَرِيةَ قطبيه من الفصحى في اللفظين: (البُر/الصر)، غير مبتورين عن دلالتيهما المعجمية؛ فـ"(البُرُّ):حَبُّ القمح. وابْن بُرَّة: الخُبز"([3]). و(الصر) المُسْتَبْدِلُ صيغةَ تذكيره بصيغته المؤنثة، ورد معجمياً "(الصُّرَّةُ): ما يُجمعُ فيه الشيء ويُشَدّ.(ج) صُرَرٌ"([4]).

    عادةً ما ترد هذه المقولة في موقفٍ يكون فيه أحدُ المتحدثين عارمَ الانتشاء بأمرٍ خيّرٍ في طريقه إليه، متغافلاً عما يكتنف هذاالطريق من مخاطر ومعيقاتٍ، وغيابٍ للاطمئنان على سلامة ما يمر فيه إلا بعد وصوله إلى صاحبه في صورةٍ تتضح فيها حيازتهُ له.

  إلى دلالتهما المعجمية، أُثْرِيا اللفظان (بُرّ/صُرّ)، بمحمولاتٍ دلالية ذاتِ حيويةٍ انصهاريةٍ في سياقيةِ القصديةِ الشعبيةِ الناسجةِ لهذه المقولة التي اكتسبتْ بفاعلية التداولِ ماهيةَ (المثل) المُرَدَّد في مواقف كثيرةٍ يجمعها به انتماؤها إلى فكرته.

  وفي المقاربة المستهدفة مُلامَسَةً تأويليةً لأَوَّلِ مهادٍ تَخَلَّقتْ فيه هذه المقولة، يتضح أنه حقلها الدلالي المباشر؛ الزراعة- المهنة الرئيسة للمجتمع الريفي. مهادٌ ذو ارتباطٍ بموقفٍ أبطاله مُزارِعانِ أو أكثر: أحدهم يتحدث عما سيكون في حوزته من وفرةِ محصولِ مزرعته، ستجود عليه به الأيام القادمة، مستشرفاً ذلك في مقدماتٍ واضحة، كخضرة الحقل، أو بداياتِ نضجٍ في بعض سنابله. ينبري له مزارعٌ آخر، رافعاً في وجهه هذه المقولة لافتةً تنبيهيةً ترشيديةً لمستوى الإفراط في التفاؤل، مسنودةً بواقعيةِ الهشاشة في مقدمات الرجل، ليست هشاشة المقدماتِ ذاتها، وإنما الهشاشة في مستوى الأمان الذي يُرافقُ رحلتها حتى النهاية، حتى(صُرّةِ صاحبها)، وكأنه يقف مُسْهِباً في معنى لافِتتهِ: ليس البُرُّ بُرّاً إلا بعد أن يكون في حوزتك، مالم فهو في مفترق مخاطر متعددة، منها ما ينتظره في الحقل كالطيور، أو القرود، أو ذبوله قبل آخر لحظات نضجه حينما لا تجود عليه السماء بما يستكمل به نضجه... ثم مخاطر تالية، منها ما يمكن التنبؤ به، ومنها ما لا يمكن التنبؤ به. وبذلك فإن ما تراه خيراً قادماً إليك، ما زال أملاً في مهب الاحتمالات المتناقضة.

   إنها مقولةٌ اكتنزت بالحكمة في مهدها الأول متضمنةً نصيحةَ شخصٍ لآخر بالكف عن القول عن (البُر بُراً) إلا بعد أن يكون في حوزته. نصيحة تؤجل امتلاك لفظة (البُر) لماهيةِ دلالتها على هذا الصنف من الحبوب إلى لحظة استيفائها اشتراط احتواء البر في صُرّة صاحبها.

  ومن مهدها الأول انطلقتْ هذه المقولة مُتْخَمةً بنسقها الحِكمي المتكاثف الذي منحها سيادةً توسعية امتدادية لفكرتها، فشملت الدلالة توجيه النصيحة لكل شخصٍ منتشٍ بحديثٍ عن خيرٍ قادمٍ إليه أو إلى غيره، بالتريث في الحديث، فلا يتم تضمينُه قطْعِيَّةً بماهية موضوعه، إلا وقد استوفى موضوع الحديث شروط هيئته الواقعية، ليست الهيئة الواقعية المتعارف عليها، فهذا أمر مفروغٌ منه، وإنما الهيئة الواقعية المتوافرةُ فيها اشتراطاتُ الحيازةِ والامتلاكِ لما يدور حوله الكلام.

   هذه المقولة/ المثل، كسابقتها، واضحٌ فيهما الانتماء إلى بيئتهما، كما هوواضحٌ فيهما تجسيدهما لبيئتهما هذه بما فيها من مخاطر وهيمنةٍ لقلقٍ وخوفٍ من انهيار الحلم في أية لحظة، وهي إحالةٌ غير مباشرةٍ على اضطرابِ الحياةِ فوقَ مستوى الحتميةِ التَّقَلُّبيةِ غير المتجاوزة لحدود الأمان. إحالةٌ على حياةٍ يمنيةٍ قاسيةٍ مفقودٌ فيها الأمان، زاخرةٍ بالخسارات، فمن يفوز بشيء- بعد عناءٍ ونَصَب-لا يفوز به، إلا بعد مراحل من القلق والتوجس واللَّاطمأنينة.

 

هوامش:


([1]) مديريتي ماوية والحشاء، في التقسيم الإداري للعام 1998، أُلحقتْ مديرية الحشاء بمحافظة الضالع إدارياً، بعد أن كانت وجارتها مديرية ماوية تابعتين إدارياً لمحافظة تعز قبل الوحدة في العام 1990.

([2]) مجمع اللغة العربية، "المعجم الوسيط"،مكتبة الشروق الدولية، ط4، القاهرة، 1425هـ ــ 2004م. ص: (580)، مادة: (عَ.بَ.ر).

([3]) نفسه، ص: (49)، مادة: (ب.ر.ر).

([4]) نفسه، ص: (512)، مادة: (ص.ر.ر).


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English