خوف اليمنيين المضاعف من كورونا

عوامل نفسية تغيب وسط مآزق الموت
محمد الكمالي
June 19, 2020

خوف اليمنيين المضاعف من كورونا

عوامل نفسية تغيب وسط مآزق الموت
محمد الكمالي
June 19, 2020
أحد المتعافين من كورونا خارجا من مركز العزل في تعز

منذ ظهوره الأول في الصين أواخر العام 2019، يواصلفيروس كورونا المستجدّ اجتياحه الواسع لدول العالم، حيث تقترب أعداد المصابين به، حسبإحصائيات موقع "ورلدوميتر" المتخصص، إلى نحو 7.5 مليون إنسان.

في اليمن، البلد الذي يشهد الحرب والحصار منذ أكثر من خمسسنوات، تأخر وصول الفيروس إليه حتى 10 أبريل/ نيسان 2020، موعد ظهور أول حالةإصابة رسمية أعلن عنها في مدينة الشحر- حضرموت شرق البلاد.

قبل ذلك عاش اليمنيون حالة من الهلع جراء الاستنفارالإعلامي والعالمي الذي واكب الوباء، في وقت كانت فيه صفحات رواد مواقع التواصلأيضاً، تعمل على التوعية الاستباقية.

يقول عمران قائد، وهو متخرج حديثاً من الجامعة، إنهإلى جانب "التخبط الإخباري في الإعلام" بشأن دقة المعلومات المتعلقة بفيروسكورونا، كان تكثيف التحذيرات المبالغ بها حينها، من خطورة الوباء، مخيفاً أيضاًلدرجة تحولت معها "التوعية إلى رعب".

استجابة طبيعية

أخصائي الصحة النفسية، عبدالعزيز الأصبحي تحدثلـ"خیوط"، عن كون القلق ونوبات الهلع، التي يتعرض لها الإنسان جراءعوامل خطرة تهدد حياته، استجابةً طبيعية.

وأضاف الأصبحي: "تكون استجابة الإنسان دفاعية أوهروباً، والملاحظ هنا في اليمن، أن الناس لم يصلوا إلى درجة الخوف الشديد منالجائحة حينها سوى ذهنياً، حيث ازداد معدل الوسواس القهري دون الالتزام بقواعدالوقاية، والتي كان سيؤدي تطبيقها في النهاية إلى زوال الخطر المسبب للقلق".

وشكل الإعلان عن أول حالة إصابة بفيروس كورونا فياليمن، موجة عابرة من الخوف والهلع، سرعان ما تلاشت تدريجياً بصورة غريبة مع استمرارمزاولة الناس لأعمالهم، واستهجانهم لتخاذل السلطات الرسمية.

" صدمة"ولامبالاة متعمدة

رئيس مركز الإرشاد والبحوث النفسية في جامعة تعز،عدنان القاضي، قال في قراءة خاصة للظاهرة، إن "حالة إنكار الفيروس التيانتابت اليمنيين، وهي حالة عالمية انتشرت قبلها، أنتجتها الصدمة السلبية بعد ثبوتمجيئه، خصوصاً أن الجميع كان يعلم أنه لا علاج للوباء سوى العزل".

وأضاف القاضي لـ"خيوط"، أن العودة إلى العملرغم تداعيات الأزمة، "يرجع إلى عدم وجود الثقة بين المواطنين والسلطات التيلم تتمكن من عزل الفيروس من خلال تأمين المنافذ الحدودية مع الدول الموبوءة، فكيفستؤمن قوت الناس إذا ما تم تطبيق الحجر المنزلي".

وتابع: "فترة انتشار الفيروسهذه، لم تعرف المحاباة من قبل قادة الدول مع شعوبهم، سواء عبر التصريحات أو الإجراءاتالصادمة دون مراعاة الحالة النفسية التي قد تنتج عن ذلك، ما يفسر خطورة الموقفوعدم إتاحة الفرصة للمستهترين".

ويقف القاضي على حيثيات تذبذب اليمنيين في الالتزامبالإجراءات الوقائية، معتبراً أن نقص الوعي الصحي المصحوب بالقلق، "أتاحسريعاً رواج الأفكار حول فعالية العلاج الشعبي بأصنافه ضد كورونا"، وقال إنذلك "يفسر لهفة الناس النفسية ولجوئهم إلى أبسط الحلول".

 

موجات التعازي

رغم أن عدد الوفيات لم يكنتزايد كما هو الآن، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي،اكتظت بالتعازي منذ أيام عيد الفطر المنصرم، بشكل غير اعتيادي، ما زاد من حالةالخوف والقلق من تنامي مؤشرات الوباء بصمت عند تقديم المساعدة والزيارات.

يقول عارف الجماعي، من مدينة إب، إن أيام عيد الفطر المنصرم،شهدت حدوث مواقف مأساوية لعائلات كثيرة، مؤكداً وفاة أربعة من جيرانه، ثلاثة منهم منأسرة واحدة، خلال أسبوع فقط.

الدكتور عدنان القاضي، يتحدث عن ذلك موضحاً أن "تركيبةالمجتمع اليمني القبلية والتي تتحكم بها العاطفة أكثر، تجعل منه المبادر لتقديمالعون حتى في ظل انتشار فيروس معدٍ لا يتعاطف مع أحد". وفي حين اعتبر تقديمالتعازي "عملاً إيجابياً ليس بغريب على الإنسان اليمني"، قال إنه لا بدأن يتم "في إطار تدابير وقائية تضمن سلامة الجميع وليس العكس".

ويرى القاضي أن "المجتمع اليوم أمام نمط حياةمختلف لا بد أن يعتاد عليه لخلق مناعة نفسية أكثر قوة ومسؤولية، وكل هذا لن يأتيسوى بالوعي والالتزام".

 د. فريال محمد: أكثر المصابين بفيروس كورونا يعانون من رهبة تفشيه بينهم،وكأنه نوع من العار لا ينبغي التحدث عنه.

معتقدات مدمّرة

تأخذ فكرة الحجر الصحي لدى اليمنيين منحىً مغايراًوغريباً على نحو يفضلون فيه البقاء في المنازل حتى وإن ساءت حالتهم. ويرىالدكتور عدنان القاضي أن ذلك يعود إلى الترويج الخاطئ للفكرة، بطريقة يظن الناسمعها بأن الحجر جانب عقابي أكثر مما هو صحي ويصبّ في مصلحتهم.

" الوباءليس عيباً أو جريمة يستدعيان الخوف والخجل"، هكذا تقول فريال محمد، وهي طبيبةفي مركز العزل الحكومي في تعز، مشيرة إلى أن أكثر المصابين بفيروس كورونا، يعانونمن رهبة تفشيه بينهم، وكأنه نوع من العار لا ينبغي التحدث عنه.

وفي 11 يونيو/ حزيران 2020، قالت منظمة "أطباءبلا حدود" في بيان، إن حالة الناس الصحية في اليمن حرجة نتيجة الخوف منالفيروس؛ "يؤجّلون المجيء إلى المستشفى، وأحيانًا يأتون بعد فواتالأوان".

وتضيف الدكتورة فريال: "تصل إلينا حالات كثيرةبعد أن تكون في مراحل متقدمة من الإصابة، وحين نقترب محاولين علاجها، نكتشف ظهورمخاوف أخرى بشكل صادم كشائعة "إبرة الرحمة".

ويعلق أخصائي الصحة النفسية، عبدالعزيز الأصبحي علىذلك، بأن "مثل هذه الشائعات تؤثر سلباً على المصاب وكأنها تقوله له "اذهبإلى الموت برجليك"، ما يفسر رفض كثيرين طلب المساعدة الطبية كما نرى".

من جهته يقول نائب مدير المختبر المركزي بتعز، جلالالحمادي، إن من المستحيل أن يقدم طبيب على قتل مريض عمداً في أي مكان، وبأنه يجبمعاقبة من تداولوا تلك الشائعات التي أثرت في نفوس الناس بطريقة صاروا يخافون معهامن الذهاب إلى المستشفى.

 

يمكن التغلب على كورونا

ومع تخطي حالات التعافي من فيروس كورونا حاجز الـ4مليون حالة عالمياً، وفقاً لموقع "ورلدوميتر" المتخصص، تفتح نافذةإيجابية من الأمل لدى الناس في اليمن، رغم كل المؤشرات المحلية بخصوص تزايد انتشارالفيروس.

وفي مدينة تعز، جلبت صور تداولها ناشطون على مواقعالتواصل، بعض الطمأنينة لنفوس الأهالي. حيث تظهر إحدى الصور مغادرة امرأتين، فيالعقد السادس، مركز عزلهن بعد أن شُفيتا من الفيروس، في 13 يونيو/حزيران 2020.

وتحكي فريال، الطبيبة التي تابعت حالة إيمان (65 سنة)قصتها التي امتدت لأكثر من أسبوعين في مركز العزل الحكومي بمدينة تعز. تقولالطبيبة: "جاءت الخالة إيمان برفقة زوجها إلى مركز العزل بمستشفى الجمهوري وكانامصابين معاً. بعد ثلاثة أيام تحسنت حالة الزوج جزئياً، ولمخاوفهم ربما، طلب أهلهإخراجه بتعهد منهم، رغم رفض المشفى ذلك".

وتكمل الطبيبة فريال، أن ذلك الخروج المبكر تحت الضغط،أدى إلى انتكاسة الزوج، وبعد خروجه بأيام فارق الحياة. لم يخبر أحد زوجته حينها، لكيتتمكن من مقاومة الوباء رغم كبر سنها، وقد انتصرت عليه.

قصة أخرى من مقاومة فيروس كورونا يرويها لـ"خيوط"،الشاب عمرو عبدالكريم من صنعاء. يقول عمرو: "شعرت بأعراض المرض منتصف شهررمضان، وجاء تأكيد الفحص الطبي في الـ25 من الشهر نفسه، وكنت حينها تحت ضغط نفسي كبيرجراء ما كنت أعرفه من تغطيات الإعلام الواسعة بخصوص الفيروس".

وبعزيمة وامتنان، يتحدث عمرو، عن تغلبه على الفيروس"من خلال الثقة بالله"، والدعم المعنوي من أهله وأصدقائه، مشيراً إلىأهمية الصحة النفسية كونها حائط الصدّ الأول أمام الوباء.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English