جار الله في بغداد

هكذا استقبل الطلاب الدارسين في العراق بمقر إقامته
د. نجيب الورافي
January 4, 2021

جار الله في بغداد

هكذا استقبل الطلاب الدارسين في العراق بمقر إقامته
د. نجيب الورافي
January 4, 2021

يطول الحديث عن السياسي اليمني والمناضل الوطني جار الله عمر، ومهما طال الكلام عنه واتسع فلن يفي قدر هذه الشخصية الملغزة متعددة الوجوه والمثيرة للجدل حقها. إذ طالما ملأ الدنيا صيته وشغل الناس، فهو شخصية جامعة بين مرجعية العلم الشرعي الفقهي والعلم العصري والحداثة، وبين المناضل اليساري الصلب الذي لا يلين والسياسي العقلاني الحصيف، وبين الذكاء والدهاء والعفوية والبساطة، وبين الإيمان بفكرته والانحياز لطبقته الاجتماعية وفن صناعة التقاطع مع الآخر أيًّا كان ومهما بالغ هذا الآخر في تطرفه بالخصومة والمجافاة، وبين البطل الثائر بالقوة والبطل الثائر بالفكرة.

إنه مهندس أصعب وأغرب معادلة في التأريخ السياسي المعاصر، ليس في اليمن فحسب، بل على مستوى العمل السياسي الديمقراطي في دول العالم الثالث. معادلة صناعة المعارضة الخلاقة ذات المكون الخلافي والاختلافي القائم على الشركاء الألداء والمتفقين الخصوم، فهو صاحب فكرة أن يلتقي اليساري والقومي والإسلامي والليبرالي على مائدة المصلحة الوطنية المشتركة، وهو في الأول والأخير ربان سفينة النجاة، محب الحياة للجميع، ومعلم التضحية كمسيح جديد.

ربما يصب ما ورد في السطور السابقة في إطار ما قد سبق من شهادات ونصوص أدبية جادت بها أقلام الكتاب وقرائح الشعراء، فليس ما قلته إلا استخلاصًا لما قيل عن جار الله عمر وشهد به الأعداء قبل الأصدقاء و"الحق ما شهدت به الأعداء"، لذا سوف تكون مقالتي هنا عبارة عن سرد لوقائع عشتها وشاهدتها، تؤكد واقع الحال والمقال عن الرجل، ولا يعدو ذلك عن كونه النزر اليسير من الوقت والحديث في لقاء عابر وحيد وقصير في بغداد.

كان ذلك في العام 2002، وهو العام الذي اغتيل فيه جار الله عمر يوم 28 ديسمبر المشؤوم! زار الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني حينها ومهندس اللقاء المشترك، وهو التحالف المعارض للنظام في اليمن، زار بغداد ضمن وفد يمني من السياسيين والمثقفين وقادة الرأي في اليمن، للمشاركة في مؤتمر القوى الشعبية الإسلامية الذي دعت إليه بغداد ضمن المؤتمرات المعتاد انعقادها على مدار العام لدعم العراق ومساندته في فك الحصار المضروب عليه للعام الثاني عشر على التوالي، وأيضًا لمواجهة الحملة الشرسة عليه من قبل دول المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج، لا سيما أن تلك الهجمة كانت قد بلغت أشدها وتنبئ عن اجتياح عسكري وشيك للعراق وغزوها! وهو ما حدث بالفعل في العام التالي 2003.

في صالة الاستقبال لفندق بابل في بغداد وهو مقر إقامته، كان اللقاء بجار الله، وكنا -مجموعة من الطلاب الموفدين للدراسات العليا والأولية في العراق- نمثل القطاع الطلابي للحزب الاشتراكي أو منظمة الحزب حديثة النشأة في العراق. بدا باسمًا بشوشًا وهو يتجه نحونا، وحين اقترب منا فتح ذراعيه لمعانقتنا كأنما بيننا وبينه سنوات من الصحبة والألفة.

أمامه لا تستشعر أنك غريب أو مستغرب لديه؛ جلس أمامنا على أريكة، وأخذ أحدنا يعرف بنا ويذكر مع اسم كلٍّ منا منطقته، فاستوقفه جار الله ليعقب، وهو يبتسم: نريدكم أن تشعروا أن امتدادكم بحجم اليمن؛ أنتم من صعدة إلى المهرة ومن الحديدة إلى حضرموت ومن تعز إلى مأرب. 

كان حديث جار الله لنا بسيطًا تلقائيًّا خاليًا من شبح التنظير قريبًا للنفس، يحيلك إلى واقع حال لاستلهام القيم لا إلى أفكار نظرية مدرسية

قبل أن يبدأ حديثه الخاص معنا، نظر إلى رفيقيه الشابين، وكانا قد انزويا بعيدًا عنا، ربما مراعاة لخصوصية لقاء هو في حكم الحزبي، ولا بد أن يكون خاصًّا، كما ظن بعضنا. أخذ يناديهما للاقتراب والجلوس معنا، فلما حاولا أن يعتذرا أقسم عليهما بمشاركتهما لنا اللقاء قائلًا: لم يعد هناك ما نخفيه؛ صار الاشتراكي يعقد اجتماعاته في الأمكنة العامة. بزهو عرف برفيقيه قائلًا: إنهما ينتميان إلى المؤتمر الشعبي العام.

تحدث جار الله في أمور شتى أبرزها ضرورة الانفتاح على الآخر، والتحلي بقيم التسامح، وكيف أن اللقاء المشترك كان ضرورة وطنية اقتضتها ظروف اليمن ونظام الحكم فيه الذي دأب على اللعب على التناقضات واستغلال صراع الخصوم والاختلاف والتباين، وأشار إلى تجربته في الدعوة إلى الانفتاح السياسي والتعددية الحزبية في ذروة الشمولية وحكم الحزب الواحد في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وذلك في مشروع تقدم به إلى أحد مؤتمرات الحزب المنعقد عقب أحداث يناير 1986.

أكد جار الله ضرورة رفع سقف العلاقة مع القوى القومية والإسلامية، وعدم النظر إلى تلك العلاقة في إطار ما ستحققه من مكاسب على الصعيد الحزبي، بل لا بد أن تستهدف المصالح الشعبية على المستويين القومي والوطني. قال: "عليكم أن تقوّوا نطاق الشراكة مع الإخوة في حزب البعث"، مشيدًا بما لاقاه من تفهم على مستوى قيادة قطر العراق ومن استجابة لعمل سياسي مشترك.

  كان جار الله قد زار العراق قبل زيارته الأخيرة تلك، والتقى قيادات بارزة في الدولة العراقية وقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، وأبرز ما استهدفته لقاءاته تلك، فتح العلاقة الثنائية والتنسيق بين الحزبين الاشتراكي والبعث، وإبرام بروتوكول بينه من جانب الاشتراكي وبين سعدون حمادي رئيس المجلس الوطني، عضو قيادة قطر العراق لحزب البعث. ومن ثمار ذلك، تنفيذ بروتوكول ثقافي يحصل بموجبه الاشتراكيون اليمنيون لأول مرة على ثلاثين مقعدًا للدراسات الأولية، على أن يتسع العدد ويشمل مقاعد للدراسات العليا الماجستير والدكتوراه.

  كان من المستحيل أن يحدث ما حدث بين الحزبين، ليس بسبب ما بينهما من اختلاف في المنحى الأيديولوجي، وإنما بسبب تراكمات سلبية ماضية أثرت على إقامة علاقة الطرفين، وأبرز تلك التراكمات ما خلفته الأزمة الديبلوماسية بين جمهورية اليمن الديمقراطية من جانب، وجمهورية العراق من جانب آخر في ثمانينيات القرن العشرين الماضي، ناهيك عما خلفته الصراعات الماضية بين الشيوعيين العراقيين والبعثيين من ردود فعل على علاقة الجانبين، فما زال نشاط الحزب الشيوعي محظورًا حتى اجتياح العراق في 2003.

  كان حديث جار الله لنا بسيطًا تلقائيًّا خاليًا من شبح التنظير قريبًا للنفس، يحيلك إلى واقع حال لاستلهام القيم لا إلى أفكار نظرية مدرسية، وإلى سلوك يتجلى بشخصه وفعاله، يمنحك الثقة بالنفس ويعلمك ما لم تعلمك إياه كتب النظريات!

مثلما كان جار الله متحمسًا للوقوف مع بغداد في محنتها، لم تنسَ بغداد الجميل، فبكت عليه وأقامت واجب العزاء الجزيل. في قاعة المؤتمرات الكبرى في الجامعة المستنصرية ببغداد، دوى اسم جار الله في صباحية تأبين برعاية منظمة الحزب الاشتراكي في العراق، التي كانت صناعة يده، وبحضور سياسي وديبلوماسي رفيع لمنظمات المقاومة الفلسطينية المختلفة وقيادة حزب البعث قطري اليمن والعراق، والسفارة اليمنية، ومنظمات وأحزاب يمنية، والطلاب الدارسين. كانت فعالية لرجل عاش للسلام ومات شهيدًا من أجل السلام!


•••
د. نجيب الورافي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English