سنوات "جار الله " الأولى

من القرية إلى شمسية ذمار، ومن مظاهرات صنعاء إلى عدن
خيوط
December 28, 2023

سنوات "جار الله " الأولى

من القرية إلى شمسية ذمار، ومن مظاهرات صنعاء إلى عدن
خيوط
December 28, 2023
.

 تحل اليوم 28 ديسمبر ذكرى اغتيال  الشخصية السياسية اليمنية جار الله عمر ( اغتيل في مؤتمر عام حزب الاصلاح بصنعاء في 28 ديسمبر 2002).. خيوط تعيد نشر القليل من سيرته الاولى والتي تضمنها كتاب " مذكرات جارالله عمر الصراع على السلطة والثروة في اليمن" حوار : ليزا ودين حرّره وقدّم له: فوّاز طرابلسي وصدر في العام 2020

يقول جار الله عمر:

أنا من مواليد عام 1942 وقد عثرت على هذا التاريخ في مصحف تركه والدي، رحمه الله، في المنزل، كُتب بالسنة الهجرية، وبحسب وصيته تلك، فقد ولدت قبل وفاته بستة أشهر، حين أصيب بمرض مفاجئ. كان والدي معلماً في كتّاب القرية التي ولدت فيها بالإضافة إلى القرية المجاورة. اسم قريتنا كُهال، وهي تابعة لناحية النادرة بمحافظة إب. وكانت

لديه وجاهة اجتماعية مهمّة، يقدّم الرعاية إلى أناس آخرين في المنطقة، بخاصة ممن تحلّ بهم النكبات أو ممن يريدون أن يتزوجوا وغيرها، حتى أنه عندما توفّي خلّف وراءه ديوناً كثيرة، على الرغم من رهنه جزءاً من الأراضي الزراعية التي كانت بحوزته، وكانت هذه الديون عبئاً على والدتي التي تكفلت برعايتنا أنا وأختي التي تكبرني بالعمر.

«أريدك أن تكون مثل أبيك »

 قبل أن يتوفى والدي، رحمه الله، استدعى والدتي، واسمها سعدية بنت صالح سعد الفقيه، وقال لها إنه يشعر أن موته يدنو بسرعة، وطلب منها رعايتي. كنت الابن الوحيد إلى جانب أختي الكبيرة والوحيدة، وقال لها إنه يرجوها ألا تتزوج برجل آخر بعد موته. وقد وفت أمي بذلك، على الرغم من أنّ عمرها لم يكن يتجاوز حينها ال 27 عاماً، وكابدت المشقات في سبيل تنشئتنا بطريقة صحيحة، أنا وأختي، حيث اتجهت إلى احتراف التطريز والخياطة وتربية البقر والدجاج وبيعها لكي تسدد ديون والدي التي تركها لنا بعد وفاته.

خلال السنوات السبع الأولى من حياتي، ألحقتني والدتي بكُتّاب القرية وفي نحو عامين أو ثلاثة أكملت القرآن وتعلمت الخط وكافة المستلزمات البسيطة التي يقتضيها مكتب الكتّاب المتواضع. وكانت والدتي تزرع في ذاكرتي ووجداني حقيقة مهمة تكررها لي كل يوم، وهي أن والدي كان متعلماً، وكان يعلّم الناس القراءة والكتابة، وتحثني على قراءة الأوراق التي

خلّفها لنا في المنزل، وتقول لي: «انظر لقد كان خطه جميلاً، وأريدك أن تكون مثله ». كانت تقدّمه لي باعتباره رجلاً شجاعاً وتقياً وصادقاً يحترمه الجميع، وحينما كنت أرتكب خطأ ما، تنبهني بأن هذا الأمر لا يناسب اسم والدك،

وكان هذا يكفي لردعي عن ارتكاب بعض الأخطاء والتصرفات المشروعة بحكم سنّ الطفولة. حاولت أن أشارك خالي وعمي في مهنة الزراعة إلى جانب رعي الأبقار والأغنام، لكنني لم أنجح في ذلك، ربما لبنيتي الصغيرة وجهدي القليل، وربما لأنني لم أكن مقبلاً على ذلك بكلّ جوارحي. حينئذ تعلقت بهاجس الانتقال إلى مكان آخر للدراسة، وكان طموحي

أن أصبح قاضياً أو حاكماً، مثل هؤلاء الذين يتعلمون في صنعاء أو ذمار، لكنّ والدتي كانت تعارض ذلك، لأنها لا تريد أن تفارقني، لكن عندما بلغت نحو الرابعة عشرة انتقلت إلى قرية الجلوب وهي قرية كبيرة لي أصدقاء فيها، وكان مستوى التعليم فيها أعلى نسبياً مما كان عليه في كتّاب قريتي الصغيرة، وقد قضيت فيها عاماً كاملاً، تعلمت خلاله تجويد  القرآن وإتقانه، بالإضافة إلى الخط والحساب وغيره.

أن تكون متعلّماً

عدت إلى القرية، ولاحظت أنّ شباباً من عائلة بيت الطيّب في القرية المجاورة لنا ذهبوا إلى مدينة ذمار للتعلم وعادوا وهم يرتدون الملابس البيضاء النظيفة، والناس يلتفّون من حولهم، حيث لفتوا انتباه الناس بأنهم أصبحوا متعلّمين، وكان من بينهم الأخ عبد الواسع الطيّب، وهو ضابط متقاعد حالياً، فذهبت إليه، وقلت له إنني أريد أن أذهب معك إلى مدينة ذمار للدراسة. رحّب الطيّب بالفكرة، وأخذني معه إلى ذمار، وكان عمري حينها16 عاماً تقريباً، وهناك سكنت في منزله، حيث عدد من الراغبين في الدراسة

استمررنا في الدراسة في المدرسة الشمسية حتى العام 1960 . نلنا فيها إجازة دراسية، وكنا نقضي نحو أسبوعين في زيارة الأهل ثمّ نعود إلى الدراسة

في المدرسة الشمسية

والدتي بالطبع لم توافق على ذهابي إلى ذمار إلا على مضض. غير أنني أقنعتها بأنه إذا لم تسمح لي بالذهاب بصورة علنية وشرعية فإنني سأفعل ذلك دون موافقتها فاضطرت للموافقة، وجهزتني بما يلزم من الدقيق والسمن والحطب، وتولّى خالي وأحد أقاربنا نقلي مع بهيمة تحمل مؤونتي إلى ذمار. المشكلة الكبرى التي واجهتني هي أنني دخلت المدرسة الشمسية في ذمار وأنا كبير في السن، حيث كنت قد تجاوزت السادسة عشرة وكانت المناهج في المدرسة كثيفة، في الفقه وعلوم اللغة والمنطق، وكل هذه المتون كان لها ملحقات لا بدّ من حفظها، وقد وجدت نفسي متأخراً عن طلاب يصغرونني سناً، ولكنهم قطعوا شوطاً كبيراً في مضمار هذه المتون أو الملخصات، وانتقلوا إلى قراءة الشروح ولهذا كان عليّ المذاكرة نهاراً وليلاً للحاق بهم. في العام التالي، أقنعتُ ابن عمي واسمه ناجي عمر بمغادرة القرية والالتحاق بالمدرسة الشمسية في ذمار، وكان والده حينها يرفض ذلك، لكننا تآمرنا عليه، وقمنا بترتيب فراره معي دون علم والده، ووضعناه أمام الأمر الواقع، وهكذا أصبحنا الاثنين في مدينة ذمار. وقد كنا نخرج إلى الجامع قبل صلاة الفجر ولا نغادره إلا لنصف ساعة للفطور ثمّ نعود لتناول

الغذاء بعد أن نكون قضينا وقتاً طوال النهار، ولهذا كانت لدينا ساعات قليلة للنوم. وتمكّنّا خلال عامين من حفظ الكثير من المتون، بما فيها «ألفيّة ابن مالك » و «متن الأزهار »، وشرعنا بقراءة الشروح، وكنا ندرس على يد أكثر من عالم وأكثر من فقيه، من بينهم إسماعيل السُوسَوه وزيد الأكوع وحمود الدولة وأحمد سلامة. استمررنا في الدراسة في المدرسة الشمسية حتى العام 1960 . نلنا فيها إجازة دراسية، وكنا نقضي نحو أسبوعين في زيارة الأهل ثمّ نعود إلى الدراسة.

صنعاء والمظاهرة الأولى

بداية التفكير بالطلوع إلى صنعاء جاء بسبب الدراسة المتعبة في ذمار، إضافة إلى أننا لم نكن نستلم أي راتب ونعتمد على ما يأتينا من القرية، وكنا نطبخ لأنفسنا، وهذه العملية تأخذ من وقتنا الكثير، على عكس صنعاء، حيث مدرسة العلوم مدرسة رسمية والإمام ينفق عليها من بيت المال وكانت هناك وجبات منتظمة، بالإضافة إلى مرتّب صغير لشراء بعض المستلزمات، كما أنّ الكتاب المدرسي كان متوفراً ودون عناء.

ما إن خرج الطلاب إلى الشارع للاحتجاج حتى التحق بهم طلاب مدرسة العلوم والمدرسة المتوسطة وبقية المدارس، وانتقلت المظاهرة بعد ذلك إلى مدينة تعز، حيث قامت مظاهرة في مدرسة الأحمدية، واستمرت طوال اليوم تقريباً، وكانت المظاهرات ترفع شعارات تطالب بسقوط الملكية، وترفع صور جمال عبد الناصرذهبنا إلى صنعاء نراجع وزارة المعارف، وكان الوزير حينها القاضي عبد الله الحَجْري رحمه الله، ولم ننجح في مسعانا في المرحلة الأولى، لكننا حصلنا على وعد بأن تكون لنا الأولوية في حالة وجود مقاعد شاغرة. عدنا إلى ذمار وبعد أشهر كانت لنا عودة مجدداً إلى صنعاء، وحينها حصلنا على موافقة بالالتحاق بالمدرسة العلمية وقد شرعنا في الدراسة بمدرسة «دار العلوم »، ولم تكن المناهج مختلفة عما هو موجود في ذمار إلا أن الدراسة في ذمار كانت طوعية وتعتمد على الجهد الشخصي، أما في «دار العلوم » فقد كانت الدراسة منظمة ورسمية ولها أوقات محددة، كما أنّ هناك اهتماماً

بالأدب والشعر والتاريخ والسياسة. وأتذكر أنّ ]الشاعر[ المرحوم عبد الله صالح البردوني كان يقوم بتدريسنا مادة الأدب في تلك المدرسة.

بعد عدة أشهر من دخول «دار العلوم » شاركنا في مظاهرة الطلبة التي قامت قبل الثورة، والمظاهرة في الواقع بدأت كاحتجاج على تصرفات الإدارة في المدرسة الثانوية في صنعاء، وكان يومها يديرها الأستاذ علي الفضيل، حيث تقدّم الطلاب ببعض المطالب، منها تحسين الغذاء وغيرها من القضايا، لكن هذه المطالب كانت مجرد ذريعة أو مظهراً خارجياً للغليان الذي ساد قطاع الطلاب، وكان هناك استعداد نفسي للاحتجاج على النظام السياسي بأكمله. لذلك ما إن خرج الطلاب إلى الشارع للاحتجاج حتى التحق بهم طلاب مدرسة العلوم والمدرسة المتوسطة وبقية المدارس، وانتقلت المظاهرة بعد ذلك إلى مدينة تعز، حيث قامت مظاهرة في مدرسة الأحمدية، واستمرت طوال اليوم تقريباً، وكانت المظاهرات ترفع شعارات تطالب بسقوط الملكية، وترفع صور جمال عبد الناصر.

ذهب المتظاهرون إلى مبنى الإذاعة، وهناك حصل اشتباك بباب الإذاعة وأصيب الأخ يحيى العماد وشخصٌ آخر لم أعد أتذكره ثمّ عادت المظاهرة في محاولة لاقتحام وزارة المعارف وجرى تهشيم سيارة الوزير، وبعد ذلك ذهب الطلاب إلى الكلية الحربية، وحاولوا توجيه نداء إلى ضباط الجيش ليفتحوا لهم الكلية للدخول، لكن الضباط الذين كانوا يستعدون للقيام بالثورة أغلقوا الأبواب في وجوهنا، فعدنا إلى ميدان التحرير ثمّ إلى باب الروم، وهناك خرج الحرس الملكي وأحاط أفراده بالطلبة المتظاهرين، وتمّت إعادتنا إلى داخل المدينة بعد اعتقال بعض زملائنا واقتيادهم إلى السجون. وأتذكر أنّ من بين زعماء الطلاب يحيي العماد وأحمد العماد (وهو حالياً عضو في الحزب الحاكم)وراجح المالكي وأحمد العبيدي وحسن العربي، بالإضافة إلى مجموعة من الطلاب الأكثر ثقافة والأكثر اهتماماً بالسياسة، وهؤلاء بلا شكّ كانت لهم صلات سياسية واسعة، ولم يكن في ذهنهم موضوع مطالب تحسين الغذاء وغيرها من المطالب وقد حولوا المظاهرة إلى تظاهرة سياسية واضحة. وذات يوم دخلنا إلى المدرسة فوجدنا الأخ علي صلاح، أحد القادة البارزين، وقد ألقي القبض عليه ويدقون القيد على رجليه، فتأكد لنا حينها أنّ الاعتقالات اتسعت، فانسحبنا أنا وابن عمي ناجي عمر وهربنا سيراً على الأقدام حيث صعدنا على متن سيارة، لكنها تعطلت في الطريق وقعدنا يومين على الطريق، ثمّ واصلنا السير على الأقدام إلى رداع ثمّ البيضاء ومكيراس حيث أمضينا ليلة في إحدى القرى خارج مكيراس في طريقنا إلى عدن.

_________________ 

(*) " مذكرات جارالله عمر الصراع على السلطة والثروة في اليمن" حوار : ليزا ودين حرّره وقدّم له: فوّاز طرابلسي – دار المدى 2020

•••
خيوط

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English