عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (13)

حكايات "هيكل" وصاحبه قاسم وأيام صنعاء البسيطة
محمد عبدالوهاب الشيباني
September 7, 2021

عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (13)

حكايات "هيكل" وصاحبه قاسم وأيام صنعاء البسيطة
محمد عبدالوهاب الشيباني
September 7, 2021

كل من عاش في مدينة صنعاء خلال الفترة من 1964 إلى العام 1975، لا بد وأن مرَّ على مسمعه اسم "هيكل"؛ أشهر حلاق في شارع جمال وأكثرهم ظرافة. ولأنه نساج حكايات كبير، فقد بادله الآخرون ذات الوظيفة، بنسج حكايات عنه أكثر حميمية والتصاقًا بشخصيته الفكهة.
قصة هيكل
جاء بعد عامين من قيام الثورة من السعودية إلى صنعاء، وافتتح صالونًا حديثًا للحلاقة بالزقاق الذي يؤدي إلى سور القصر الجمهوري من الجهة الشمالية. بشخصيته المحببة ولهجته البعدانية (نسبة إلى منطقة بعدان في ريف محافظة إب التي ينحدر منها)، استطاع استقطاب العشرات من الأصدقاء داخل الحكومة وخارجها، حتى صار حلاقًا للرئيسين عبدالله السلال وخلفه القاضي عبدالرحمن الإرياني. كان صاحب مزاج جميل، في وقت كان فضاء المدينة الخارجة من عزلتها الطويلة تنفتح على مثل هكذا طرائق في الحياة. كان أنيقًا، وعلى الدوام يتهندم ببدلة رسمية تتناسق مع ربطة العنق، إذ كان لا يمارس مهنته إلاَّ وهو بكامل أناقته.
حكايتان:
* يقال إن قاضيًا مشهورًا في صنعاء كان يمر في ذات موعده بعد مغرب كل يوم أمام محل هيكل بثوبه الأبيض ذي الأكمام الطويلة وعِمّته البيضاء، وبعد أن يسلم على الجالسين في المحل، يقول سبع كلمات فقط على هيئة سؤالين متتابعين وبلهجته الصنعانية المحببة: أين جاء الكلب؟ وما أخبار النصارى الحمر؟ ويمضي في طريقه، فيلحقه هيكل بسرعة وبيده قرطاس (كيس) ورقي فيناوله الكيس، وبسرعة يخفيه في كمه المربوط بنظيره خلف ظهره؛ لأنه قرأ الشفرة وماذا يريد القاضي بالضبط بكلماته القليلة.
* قال له القاضي الإرياني ذات مرة، إن هناك من بلَّغ عنك وقال إن محلك ليس للحلاقة، وإنما لبيع الممنوعات! فرد عليه هيكل: "منو ذا يا قاضي، السفيه ذي كذب عليك؟ وبعدا لو الكلام صدق المفروض تشكرني يا قاضي، أنا أرقدهم لك من مغرب، وإلا كان عملوا عليك عشرين انقلاب"! فضحك القاضي طويلًا، فصارت إجابة هيكل تجري على الألسن مجرى الفكاهة البليغة.
قصة قاسم
كان لهيكل صديق ظريف اسمه قاسم الرماح، وصاحب مزاج قريب منه، افتتح محل بقالة في بداية الأمر بالقرب من محل الحلاقة، قبل أن يستبدلها بافتتاح مكتب عقارات بشارع القيادة. هذا القاسم جاء من جيبوتي ببنيته الضخمة وبشرته السمراء وكرشه الذي لا يضاهى. كان معروفًا ومحبوبًا واشتهر بكونه أول صاحب مكتب عقارات في صنعاء.
لم يكن يفترق عن هيكل، وشهدت حياتهما الكثير من المواقف الطريفة، ومنها موقف إصرارهما على الانضمام للمقاومة في ذروة حصار صنعاء؛
بعد عِشاء أحد أيام رمضان حملا بندقيتيهما التشيكيتين، واستعانا بصديق ثالث لهما من صعدة كانوا يسمّونه المهندس، لتوصيلهما للجبهة الجنوبية.
قال المهندس: حينما وصلنا إلى أطراف المطار الجنوبي (باروت خانة) رأينا شجرة، فظن هيكل وقاسم أنها مقاتلًا من الأعداء، وحينها أخذا وضعيتهما كمقاتلين محترفين؛ تمددا على الأرض وشحنا سلاحيهما بالذخيرة ثم صوبا باتجاه الهدف كل الرصاصات التي بحوزتهما، وحينما لم يشاهدا سقوطه ارتعبا، وعادا أدراجهما إلى بستان المطهر يشرحان لي المغامرة الكبرى التي قاما بها.
مشهد من حياة هيكل في المدينة
بالرغم من الانفتاح النسبي لمدينة صنعاء خلال سنوات الستينيات، إلّا أن ضباط وجنود المباحث الجنائية كانوا حينما تتأخر مرتباتهم أو يجوعون، يداهمون محل هيكل، فلا يجدون شيئًا، ثم يهرب عليهم إلى بستان المطهر ويتوارى عن أنظارهم في أمكنة لا تخطر على بال أحد. يختفي في خزان الماء الأسمنتي، فيبقى نصفه الأسفل في الماء ويواري جسمه الأعلى بطرق كاريكاتورية.
كانت كل البيوت في حيّ بير العزب تُبنى على أطراف بساتين تتزود بالماء من أبار بدائية تنزع منها المياه بواسطة الحيوانات (نوق وجمال في الغالب)، وفي البساتين يربي الحراس وأصحاب المساكن مجموعة من الحيوانات التي يستنفع منها، مثل الأبقار والجمال، إلى جانب الماعز والأغنام. وكان من عادة الناس في مدينة صنعاء أن يجمعوا مخلفات الحيوانات في حفر عميقة ورشها بالماء حتى إذا امتلأت الحُفر يُخرجون ما بداخلها، ويعيدون تكويرها وفرشها على هيئة أقراص دائرية، ثم يعرضونها للشمس حتى تجف بصلابة شديدة. هذه الأقراص من مخلفات الحيوانات (الروث) والقصب والحشائش الجافة، كان يتم استخدامها كوقود شديد الخصوصية والاستدامة.
أتذكر أن هيكل جاء ذات مساء بكامل أناقته وبجيبه أكثر من دعوة لحضور حفل تقيمه السفارة الصينية، وأنه يرغب بمرافقتنا إلى الحفل، غير أننا رفضنا جميعًا لأسباب مختلفة. وحين همّ بالمغادرة خانته خطواته المرتبكة فوقع في واحدة من حُفر الروث المملؤة بالماء، ومن فوره بدأ بالاستنجاد. حين أخرجناه لم نتمالك أنفسنا من الضحك، فاعتبر ذلك مؤامرة عليه لمنعه من حضور الحفل، واستبقيناه إلى جوارنا ومضينا الليل نغسل ونجفف ملابسه، بعد أن ألبسناه ملابس شعبية كان يحتقرها جدًّا.


ذات مرة زرت تعز برفقة هيكل، فاستضافنا صديقنا السقاف، وأخذنا إلى سكن الفنان علي بن علي الآنسي في حيّ الجحملية. كان معه مجموعة من أصدقائه سامرين بديوانه، وهو يدندن بلحن أغنيته المعروفة: "نجوم الليل بتسألني".


معركة هيكل مع فنان في ديوان الشيخ
في واحدة من أيام صيف 1971، جاء هيكل بمعية قاسم إلى عندي وطلبا مني مرافقتهما إلى منزل الشيخ أحمد عبدربه العواضي الذي كان قد وصل من مدينة تعز في اليوم السابق، ومرّ على هيكل للحلاقة مثل كبار المسؤولين وقتها. كان الوقت ظهرًا؛ وصلنا إلى بيت الشيخ العواضي الكائن بمقابل مدرسة عبدالناصر بين التحرير وشارع القصر، فتح لنا الحارس الذي كان يعرف هيكل، وأدخلنا إلى ديوان المقيل. لم يكن في المقيل غير الفنان عبدالكريم علي قاسم، وصاحب البيت -الشيخ العواضي- كان نائمًا في الداخل.
جلسنا قليلًا ثم طلب هيكل من الفنان عبدالكريم أن يغني. لم يستجب لطلبه بحجة أن الوقت مبكر، ثم أن المضيف لم يزل نائمًا بالداخل ويخشى أن ينزعج. أصرّ هيكل على رأيه وبدعم من قاسم الرماح. وبالمقابل تمسك الفنان بموقفه، فاشتد الخلاف، حتى نهض هيكل وأمسك بالعود وضرب به جدار الغرفة أكثر من ضربة، فتحول إلى كومة من العيدان النحيلة تمسك فوضاها الأوتار.
على هذا الصخب والصياح والعراك، خرج الشيخ العواضي وآثار النوم بادية على ملامحه ممزوجة بالغضب، وحين استفسر عما حدث قال لهيكل معنفًا: لماذا كسرت عود الفنان؟ رد عليه بلهجة إب: "لَمُو علاذي (هكذا) يا شيخ، وانا مُو درِّيني انو عَيِكْتَسِر يا شيخ؟"، فضحك الشيخ العواضي وأعطى الفنان قيمة عود جلبه من محل بشارع القصر في اللحظة نفسها.

قاسم وصديقه المقيم في الحديدة
في واحدة من المرات جاء قاسم ظهرًا إلى المكان الذي أقيم فيه، وطلب مني مرافقته إلى مدينة الحديدة؛ لأنه معزوم عند صديق له هناك، وكان معه صديق ثانٍ: أبوبكر عرمان.
تغدينا في منطقة عَصِر غرب صنعاء، وانطلقنا على أول سيارة بيجو متجهة إلى الحديدة. وفي نقطة كيلو 16 عند مدخل الحديدة، طلب مني النزول من البيجو، وقال إنه غيَّر رأيه، وعلينا أن نتجه إلى تعز. قلت له: والصديق الذي عزمك؟ قال مرة أخرى سنزوره!
المهمّ، انطلقنا مع أول سيارة متجهة إلى تعز، التي وصلناها في الثامنة مساء تقريبًا، ومباشرة ذهبنا إلى استوديو يملكه صديق مشترك من بيت السقاف؛ وصلنا وهو يهمّ بإغلاق المحل، وحينما رآنا تفاجأ من وجودنا في تعز، وفي مثل ذلك الوقت. قام بواجب الضيافة، ثم أخذنا إلى سكن الفنان علي بن علي الآنسي في منطقة الجحملية. وصلنا ووجدنا معه مجموعة من أصدقائه سامرين بديوانه، وكان وقت دخولنا عليهم وهو يدندن بلحن أغنيته المعروفة: "نجوم الليل بتسألني".
بقينا في تعز ضيوفًا على صديقنا السقاف لأيام عديدة، وكنا كل عصر نذهب إلى ديوان الفنان الآنسي ونلتقي بأصدقائه الكثيرين، نستمع لدندناته وأغانيه الشجية.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English