الوقتُ بخطوات عجُولة (9)

من الأهلي إلى الأهالي.. أو العبور إلى الثقافة والسياسية
محمد عبدالوهاب الشيباني
October 16, 2020

الوقتُ بخطوات عجُولة (9)

من الأهلي إلى الأهالي.. أو العبور إلى الثقافة والسياسية
محمد عبدالوهاب الشيباني
October 16, 2020

 كان لدى شركة القائد، وكيل شراب الفيمتو العريق، مخزنًا في شارع جمال أمام فندق ديلوكس، نذهب إليه برفقة شخص يكبرنا، بعربية حديدية طويلة اسمها "الجاري"، لأخذ طلبات الدكان من الفيمتو، وكانت تتكدس في مدخل المخزن أكوام من الجرائد والمطبوعات المصرية القديمة، التي كانت الشركة وكيلًا لها في اليمن، منذ كان مقرها في عدن في الخمسينيات، وكنت أعود في أغلب المرات من المخزن بعدد قديم من مجلة "ميكي" أو "سمير"، وفي أحدى المرات دفعت مبلغًا مقابل الحصول على مجلد به أكثر من عشرة أعداد من مجلة سمير، وبقيت أحتفظ به لفترة طويلة. في تلك الفترة حمل لي عمي عددًا مبكرًا من "مجلة ماجد"، التي أصدرتها شركة أبوظبي للإعلام في أواخر السبعينيات، التي كانت تصل بشكل منتظم أسبوعيًّا وتذكر تمامًا موعد إصدارها، وكان الأربعاء من كل أسبوع، وصارت عندي بديلًا للإصدارات القديمة من مجلتي ميكي وسمير، التي تعذر وصول الإصدارات الجديدة منها، مع بقية الجرائد والمطبوعات المصرية بسبب حملة المقاطعة، التي قامت بها الدول العربية على مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد – سبتمبر/ أيلول 1977 - والزيارة الشهيرة للرئيس المصري أنور السادات للقدس في نوفمبر/ تشرين الثاني 1979.

    بقيت على هذا الحال - قراءة وتجميع مجلات الأطفال - لسنوات، حتى بدأت تستهويني لعبة كرة القدم، ومتابعة أخبارها في الجرائد والمجلات، فكنت أنتظر يومًا محددًا في الأسبوع، ومنذ صباحه أبدأ بمراقبة كشك المركزي "كشك محمد شرف القدسي"، الذي كان يقبع في قلب موقف السيارات شمال السوق، أو أقتطع قليلًا من الوقت والذهاب بسرعة الريح إلى كشك سبأ جوار سينما "قصر سبأ" في آخر شارع التحرير الأعلى، بالقرب من الباب الكبير للسؤال عن وصول مجلة "الصقر" الرياضية، التي كانت تصدر في الدوحة، أو مجلة "الرياضي" التي تصدر في الكويت، وأحيانًا أستغل أقل فرصة للذهاب إلى كشك جرائد يقع بالقرب من باب موسى، ومنه إلى كشك  يقع جوار مدرسة الثورة الثانوية في منطقة المصلى  قبل العودة إلى الدكان، طبعًا هذا غير المشاوير السريعة لمكتبة "الوعي الثوري" في شارع 26، ومكتبة "الطليعة" في منتصف عقبة شارع جمال، وكلها من أجل الحصول على الإصدار الأسبوعي من إحدى المطبوعتين.

    كان ينتابني قلق وتوتر عجيبَين من تأخر وصولهما، وأبقى أحوم حول الأكشاك، حتى إني وصلت ذات مرة في بحثي عن إحداهما لكشك بالقرب من فرزة التربة في أطراف مقبرة اللجينات الغربية، وهو موقع بعيد جدًّا عن الدكان، وكنت حين أظفر بأحدهما بعد مكابدة، أبدأ بتصفحها سريعًا وأنا عائد، فتتفشى في أنفي رائحة الحبر المميز للورق المصقول الملون.

     على مدى أشهر صارت لدي مجموعة كبيرة من أعداد المجلتين، مع تناقص في أعداد مجلة الأطفال، حتى صرت أعرف أسماء الفرق واللاعبين، وصارت لدي فرق كرة قدم، في أكثر من بلد  أشجعها بحماس، وتعرفت عليها من صفحات المجلتين، مثلًا كنت أشجع فريق "بايرن ميونخ"  في ألمانيا ونجمي المفضل فيه كارل هانس رومنيجه، وفي إنجلترا كنت أشجع فريق "ليفربول" ونجمه الويلزي أيان راش، وفي الأرجنتين أشجع  فريق "بوكا جونيورز"، ونجمي فيه مارادونا في ذروة سطوعه العالمي، وفي البرازيل فريقي المحبب "نادي  فلامنجو"، ونجمي فيه زيكو، وفي إيطاليا  أعشق "نادي يوفنتوس"، ونجمي فيه ميشيل بلاتيني، ومن المنتخبات العالمية كنت أعشق منتخب الأرجنتين وفي المنطقة العربية منتخب الكويت، ومن الأندية كنت أشجع نادي "النصر السعودي"  ونجمه ماجد عبدالله، و"القادسية الكويتي" ونجمه جاسم يعقوب، و"الريان القطري" ونجمه منصور مفتاح، و"الأهلي المصري" ونجمه محمود الخطيب. أما في اليمن فقد كنت أشجع وأتحمس لنادي "الطليعة"، الذي كان مقره القديم بجوار "سينما بلقيس" بالمدينة، في ذات المنطقة التي أعيش فيها، وكان نجمي فيه مُضار السقاف، وكنت أشجع "نادي التلال" في عدن ونجمه أبوبكر الماس، وأتابع مبارياته بصوت المعلق سالم بن شعيب. بدأت أشاهد المباريات في التليفزيون، التي يبثها تلفزيون صنعاء، وعلى وجه الخصوص مباريات كأس الخليج.

    في العام 1983، انتقلت إلى مسكن الخال عبدالله  في حارة الأصنج، بالقرب من شارع 26، وتقوّت، مع مرور الأيام، علاقتي بأولاد صاحب مكتبة "الوعي الثوري" عبده محمد مقبل القدسي خليل وخلدون، فصرت أقضي وقتًا طويلًا بمعيتهم، وكانا يسمحان لي باستعارة بعض المجلات والجرائد، ومنها الصقر والرياضي والجرائد المصرية، التي بدأت تدخل إلى اليمن من جديد بعد سنوات من المقاطعة، ومن هذه الجرائد كنت مدمنًا على جريدة النادي الأهلي، الذي كنت أشجعه بجنون، حين كان نجمه الأوحد محمود الخطيب، فكنت أقوم بشرائها أو باستعارتها، وإعادتها في اليوم التالي دون أن يظهر عليها العبث.

    ذات مساء صيفي من ذات العام، بقيت أتردد على المكتبة من العصر بعد إعلامي أن الصحف المصرية وصلت وستوزع في أي وقت من ذات اليوم، وفعلًا وصلت الجرائد في وقت متأخر قبل إغلاق المكتبة بقليل، ومن كثر استعجالي أخذت الصحيفة بعنوانها الأحمر، ثم صعدت مستعجلًا من الزقاق المظلم، للحاق بموعد العشاء، وحينما اختليت إلى فراشي في الغرفة السفلية لمطالعة الصحيفة، اكتشفت أني حملت معي صحيفة عريضة ملطخة بالحبر ليس بها أخبار رياضية، وبها أخبار سياسية  كثيرة، أذكر منها خبرًا بارزًا عن فعاليات ونشاطات سياسية للنقابات المصرية ضد التطبيع، وأخبار أخرى عن نشاطات رئيس الحزب، ومواد طويلة أخرى، وكان للرياضة نصف صفحة داخلية بائسة، بها أخبار عادية وهامشية، حدقت مليًّا في اسم الصحيفة، كان اسمها "الأهالي" بعنوانها الأحمر بدلًا عن صحيفة "الأهلي"، التي يأخذ اسمها في الترويسة نفس اللون الأحمر، التي كنت أقصدها في الاستعارة العجلى.

بداية تكويني الثقافي والسياسي بدأت منتصف الثمانينات، حينما انتقلت من مدينة تعز إلى مدينة صنعاء لدراسة آخر فصول المرحلة الثانوية، وتحديدًا حينما سكنت في منزل ابن خالتي المحامي عبدالكريم عبد الرحمن، الذي كان يمتلك مكتبة منزلية معتبرة

    لم يكن باستطاعتي العودة مرة أخرى للمكتبة التي كان موعد إغلاقها قد تم من وقت طويل، فبدأت أقرأ الأخبار القصيرة ومطالعة الإعلانات للتسلية، لكني وجدت نفسي مندمجًا بقراءة موضوعات وأخبار غير قصيرة، عن الحرب الباردة، ومؤامرة أمريكا على كوبا، وحين صحوت صباحًا، وقبل إرجاعها، استكملت مسحها من الصفحة الأولى للأخيرة. صحيح أن الموضوعات بعناوينها كانت فوق مدركاتي الصغيرة، لكني بدأت بالانجذاب إليها، وشعرت معها أني قريب من خطابها، لهذا صرت أتابعها من وقت لآخر، وإن كان شغفي بالرياضة وأخبارها لم يزل مقدّمًا على ما سواها من اهتمامات.

    لم أجد من يأخذ بيدي في عالم السياسة آنذاك؛ لأن المحيط الذي عشت فيه لم يكن فيه سياسيون أو منشغلون بقضاياها، فوالدي عامل بسيط في دكان وكان شبه أميّ، وخالي عبدالله الذي انتقلت إلى مسكنه كان موظفًا معتبرًا في البنك اليمني ولا علاقة له بالسياسة، حتى بعض أقربائي المنخرطين في العمل السياسي كانوا يقيمون في مدن أخرى، وعلى وجه الخصوص مدينة الحديدة، ومرورهم على الدكان في أوقات متباعدة أو التقائي بهم في مواسم الأعياد في القرية، لم يترك أثرًا واضحًا في تكويني، وإن كنت أعجب بشخصياتهم وحضورهم. صحيح أن راديو أبي في الدكان وحديثه عن أيام عدن وصراع الجبهتين، وكذا زوار المحل من الشخصيات المثقفة أحدثت فوارق مهمة في وعيي، فمنهم سمعت وعرفت عن انقلاب الناصريين في أكتوبر/ تشرين الأول 1978، ومعاهدة كامب ديفيد، وأحداث الحرم المكي (حركة جهيمان العتيبي)، واجتياح القوات السوفيتية لدولة أفغانستان، ورأيت في المعهد العلمي، الذي درست به في تلك الفترة، كيف يحشدون للجهاد ضد القوات الغازية الكافرة كما كان يقول خطابهم.

    لكن بداية تكويني الثقافي والسياسي ستبدأ منتصف الثمانينات، حينما انتقلت من مدينة تعز إلى مدينة صنعاء لدراسة آخر فصول المرحلة الثانوية، وتحديدًا حينما سكنت في منزل ابن خالتي المحامي عبدالكريم عبد الرحمن، الذي كان يمتلك مكتبة منزلية معتبرة، بها كتب متنوعة في الفكر والثقافة والأدب والسياسة، فبدأت أقرأ بعض محتويات كتبها الأدبية الخفيفة. في صنعاء أيضًا صرت قريبًا من بعض الشخصيات الحزبية التي تنتمي إلى قريتي، وموزعة على أحزاب قومية ويسارية، وهي التي مدّتني ببعض الكتب والمطبوعات، التي كنت أقرأها بحماس، على حساب دروسي. بعيد تخرجي من الثانوية العامة كنت ملزمًا بتأدية خدمة التدريس الإلزامي في العام 1986، فاخترت أداء الخدمة في قريتي البعيدة، وهناك وصلتني مجموعة من الكتب الأدبية والسياسية بمبادرة من صديقي الراحل الكبير "قائد أحمد قائد الشيباني"، الذي طلب، باسمي، من والدي الذي كان يعمل بـ"مخبازة جهينة"، بالقرب من مباني جامعة صنعاء القديمة بحي القاع لصاحبها الوالد المرحوم عبدالملك سعيد معمر، مبلغًا من المال لشراء كتب لي من معرض صنعاء للكتاب، الذي كان يقام في شهر سبتمبر/ أيلول، من كل عام في الجامعة.

    وصلتني الكتب مربوطة بسلك أزرق ففرحت بها كثيرًا، لم أزل أستعيد حتى الآن رائحة أوراقها،  وألوان أغلفتها بكثير من البهجة، ومن تلك الكتب لم أزل أتذكر رواية "أرض الميعاد"، بغلافها الأخضر الداكن المقوى والمغطى بغلاف لامع رقيق للكاتب يوري كوليسنيكوف، ورواية "ميميد الناحل" للروائي التركي ياشار كمال، ورواية "جابريلا - قرفة وقرنفل" للبرازيلي جورجي أمادو، ورواية "مئة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز، وأعمال قصصية لمحمد أحمد عبدالولي، مثل "الأرض يا سلمى"، و"عمنا صالح" إلى جانب روايته "يموتون غرباء"، ومجموعة لا بأس بها من إصدارات دار التقدم في موسكو، وبعض مطبوعات دار الفارابي في بيروت، فقضيت معها أوقاتًا ممتعة في المطالعة، ولم أعد من القرية إلى صنعاء مرة أخرى في صيف 1987، إلا وأنا شخص مختلف له رؤيته في الحياة، يعبِّر عنها بكتابة قصائد، بها الكثير من عثرات البدايات، لكنها كانت تجد من يتحمس لها بالقراءة والنشر.     


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English