لا تقدير للفن التشكيلي في اليمن

رسّامون كُثر، ومعارض نادرة
عمران مصباح
February 25, 2021

لا تقدير للفن التشكيلي في اليمن

رسّامون كُثر، ومعارض نادرة
عمران مصباح
February 25, 2021
لوحة فسيفسائية لطلبة كلية الآداب - جامعة تعز

إلى قبل فترة قصيرة، لم يكن هناك فن تشكيلي في اليمن، حتى مجيء هاشم علي، الذي يعتبره البعض، بأنه قد خلق تاريخًا من العدم، وذلك للانتقال النوعي الذي أحدثه في هذا المجال الجديد على مستوى اليمن، ومعه عبدالجبار نعمان.

ليأتي بعدهم، العديد من المبدعين، الذين صنعوا تراكمًا كبيرًا على مستوى البلد ككل، هذا الإرث؛ يستمد الرسامون الجدد منه الكثير، وفي الوقت نفسه، يلقي على عاتقهم مسؤولية كبيرة، للسقف العالي الذي حُدد لهم.

رغم أن الفن التشكيلي، بهذه السمة الحديثة، وجد في اليمن منذ فترة ليست بالبعيدة، وبالإمكان تحديدها؛ بانطلاق أول معرض تشكيلي في ستينيات القرن الماضي، إلا أن تاريخًا من المنحوتات القديمة يدل على رغبة واحدة في التعبير، لكن بوسائل مغايرة، وبين هذا وذاك، كانت هناك رسومات فردية كثيرة، لم ترتقِ إلى تكوين حركة تشكيلية، كما فعل جيل هاشم علي، وعبدالجبار نعمان.

بحسب الفنانة التشكيلية، آمنة النصيري، والتي تحدثت لـ"خيوط"، بالقول: "هؤلاء وبعدهم فؤاد الفتيح، مثلوا ظهور الفن التشكيلي في الجزء الشمالي من اليمن، أما في الجنوب، فظهرت أسماء محلية بجانب الفنانين الأجانب الذين تواجدوا إبان الاحتلال الإنجليزي، وشكلوا جمعية الفنون في عدن من يمنيين، وإنجليز، ثم فيما بعد، ظهرت أسماء بارزة، مثل خالد صوري، والعقيلي وعلي غداف".

ولأنه لا يمكن ذكر تاريخ الفن التشكيلي في اليمن، دون إقران القدير هاشم علي، تقول الدكتورة آمنة النصيري عنه: "يظل حالة خاصة في المحترف التشكيلي اليمني، لأسباب كثيرة؛ أهمها أسلوبه الفني الفريد، الذي أثر على كثير من الفنانين، حتى إن البعض منهم، ورغم تراكم خبراتهم، لم يستطيعوا الإفلات من سطوة أسلوبه، والسبب الآخر يكمن في الدور الذي قام به هاشم في تبني الفنانين الشباب، وتعليمهم الفن في محترفه وإنفاقه الوقت والجهد والمادة لإكسابهم المهارات اللازمة وتطوير أدواتهم".

معارض نادرة

هناك شباب يحاولون إحياء هذا الفن، من خلال الاجتهاد لإقامة معارض تشكيلية، كونها السبيل الوحيد لاستعراض إبداعاتهم، وذلك لأنه حتى الوسائل الأخرى، مثل حملات الرسم على الجدران التي كان يقودها الفنان التشكيلي مراد سبيع قد توقفت منذ سنتين، وبقي فقط بعض المعارض التي تقام في فترات متباعدة ومتقطعة.

لكل إنسان رسالة في هذه الحياة، تختلف نوعيتها، ووسائل إيصالها، البعض يتخذ من الفن التشكيلي طريقة للتعبير عن أفكاره، إذ تقول الفنانة التشكيلية آمنة النصيري، إن المبدع يولد بهذه الجينات، فيصنع موسيقى، أو يكتب شعرًا وروايات، أو يرسم

الدكتور كامل كامل، متخصص في الإدارة الفنية لتنظيم المعارض التشكيلية، يؤكد، قائلًا: "في الفترة الأخيرة، ومع الظروف التي تمر بها البلد، تراجع بشكل كبير إقامة معارض للفن التشكيلي، واستبدل، نوعًا ما، بالمعارض عبر منصات التواصل الاجتماعي".

لم تفتقر اليمن للمواهب في كل المجالات، بل بقي هؤلاء الموهوبون هم من يفتقدون للدعم، والوضع المناسب لإبراز ما لديهم، وحين تتاح للمبدعين، ولو فرصة صغيرة، تجد بروز الكثير منهم، هذا ما حدث في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول عندما اجتمع عدد كبير من الرسامات، وأقاموا معرضًا في فندق البستان، استعرضت من خلاله 25 فنانة نحو 250 لوحة من أعمالهن.

تؤكد الفنانة التشكيلية آية محسن أن ذلك الحشد كان فقط من خلال منشور عبر الفيسبوك، وهو ما يعكس التعطش والرغبة الكبيرة من قبل الفنانين والجمهور لهذا النوع الإبداعي من الفن التشكيلي.

بدوره، يقول الفنان التشكيلي ذو يزن العلوي، إن هناك عددًا كبيرًا من الفنانين والفنانات، الذين صعدوا لميدان الفن في الفترة الأخيرة، وقدموا أعمالًا فنية ناضجة، تناولت قضايا مهمة، وبأساليب قوية.

ضعف التأهيل الأكاديمي

عكس أغلب الفنون، يبقى تعلم الرسم مقتصرًا على الجهد الذاتي، وباستثناء معاهد خاصة قليلة جدًّا، ونادرة هي المؤسسات الرسمية التي تدرس ذلك، مثلًا، أهم جامعة يمنية، جامعة صنعاء، لا يوجد فيها كلية فنون جميلة، في حين بعض الجامعات أدخلت هذا التخصص إلى أقسامها، مثل جامعة إب، وذمار، والحديدة.

تضيف النصيري أن "ذلك لا يفي بحاجة العدد الكبير من الموهوبين، كما أنها معنية بتجهيز كوادر لتدريس الفن، وليس إعداد فنانين محترفين ومستقلين عن العمل التعليمي، فمناهج الفنون الجميلة تختلف إلى حد بعيد عن مناهج التربية الفنية".

وتشير إلى مشكلة تعليم الفن، نظرًا لعدم وجود كلية متخصصة في جامعة صنعاء، مع أن أكبر عدد من الشباب الهواة يتركزون في العاصمة اليمنية، والدليل على ذلك تواجدهم ومشاركاتهم بأعداد ملفتة في أي معرض، إضافة لعدم وجود منح للدراسة في خارج البلاد، وهذا يصيب كثيرًا من الشباب بالإحباط، فيلجؤون لتخصصات لا تناسب ميولهم.

ذي يزن العلوي، فنان تشكيلي شاب، يعلق على ذلك، قائلًا: "إذا اختار الشخص أن يكون فنانًا، تبدأ رحلة طويلة من المعاناة، والكفاح في تعلم قواعد الفن الذي يهواه". يضيف أن منصات الإنترنت أصبحت تقدم المواد التدريبية التي تعتبر بوصلة لأي هاوٍ.

رسالة الفن

لكل إنسان رسالة في هذه الحياة، تختلف نوعيتها، ووسائل إيصالها، البعض يتخذ من الفن التشكيلي طريقة للتعبير عن أفكاره، وفيما يخص ذلك، تقول الفنانة آمنة النصيري: "المبدع يولد بهذه الجينات، فيصنع موسيقى، أو يكتب شعرًا وروايات، أو يرسم، ولا يستطيع أن يغير من هويته الإبداعية، بل قد يتحطم إن لم يمارس ما خُلق له، الموهبة ملكة تولد مع الإنسان ولا يقدر على التغاضي عنها، وهنا، أتحدث عن المواهب الحقيقية، لا عن الأفراد الموهومين بالفن دون موهبة".

وتضيف أن العدد الكبير من الرسامين في بلد فقير مثل اليمن، ليس مصادفة، بل يعود لجذور تاريخية قائلة: "هذه الجغرافيا ازدهرت فيها فنون الزخرفة، والأزياء، وصناعة الحلي، والنقش على الأقمشة، والحفر على الخشب، وتزيين العمارة وغيرها، وجميعها فنون بَصَرية ساهمت في تشكيل الشخصية اليمنية".

وفي هذا الشأن، تقول آية محسن، إن الرسم هو أكثر وسيلة بإمكانها تصوير الواقع، لما فيه من خيال واسع، بينما يرى العلوي أن هذا الفن هو وسيلة هؤلاء الناس للمشاركة في الحياة العامة، والتعبير عن أفكارهم من دون قمع.

بلد بلا متحف 

يرتكز اقتصاد عديدٍ من الدول على السياحة كمورد رئيسي وإحدى الوسائل التي تساعد على جذب الزائرين، وجود متاحف تحتفظ بلوحات مهمة، لأهم التشكيلين في البلد، لكن اليمن، ما زال يفتقر إلى متحف واحد يحتوي على بعض اللوحات الخالدة.

الفنان ذو يزن العلوي، يرجع ذلك لعدم التقدير، قائلًا: "ما زال المجتمع، والدولة يتعاملون مع الفنانين كحرفيين، وليس قيمة للبلد ذاتها، والدليل على ذلك عدم وجود متحف لحفظ أعمالهم، وتوثيق جهودهم، ويكون متاحًا للزائرين في أي وقت".

وعن عدم تأسيس متحفا للفنون البصرية في اليمن، تقول النصيري: "لم تحظَ المشاريع الثقافية الكبرى باهتمامات كل الحكومات المتعاقبة في اليمن، ولم تمتلك أي حكومة حتى اللحظة رؤية لإنشاء بنى تحتية للثقافة، ويتم عادةً الاكتفاء بمجموعة من الأنشطة المناسباتية، مع عدم وجود أي منشآت توثق، وتروج للحركة الفنية، في حين جاءت الحرب لتقضي على أي أمل بتغيير في الوضع أو الوعي".

الجدير بالذكر، أن رواد الفن التشكيلي يواجهون مشكلة أخرى، ومختلفة عن المشاكل التي تلاقي الفنانين بكافة أنواعهم، وهي عدم وجود الشعبية الكبيرة، كالذي يحظى بها المبدعون في مجال الموسيقى، أو الأدب، أو غيره من الفنون، ويعتبر جمهور الفن التشكيلي نخبويًّا نوعًا ما، ومحصورًا لفئة من ذوي الذوق الرفيع، رغم أن متقبلي الفن التشكيلي في الآونة الأخيرة أصبح أكثر بكثير مما كان عليه.

في بلد لم يكن يومًا داعمًا للفن، حتى في الظروف الطبيعية، لدرجة أنه، وبعد موت الأستاذ القدير هاشم علي بعشر سنوات، ما زال أولاده حتى الآن يبحثون عن المنزل الذي وعدت الدولة بتسليمه لهم، وإذا كان هذا التعامل قد تم مع رائد هذا الفن، فكيف بالآخرين؛ لذا فالاحتفاظ بهذه الموهبة التي لا تجلب أي عائد مادي، والإصرار على توصيل مشاعرهم من خلاله، هو شيء يستحق التقدير الكبير، فالتقدير هو أقل واجب ممكن تقديمه لهم، على أمل أن يتغير الوضع، ويلقى كل مبدع ما يستحق.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English