"فرح" التي أتعستها قذيفة

إعاقة مباغتة على طريق البئر
رأفت الوافي
March 26, 2022

"فرح" التي أتعستها قذيفة

إعاقة مباغتة على طريق البئر
رأفت الوافي
March 26, 2022

ما يزال المدنيون في اليمن يتحملون ويلات الصراع الدائر في البلاد منذ سبع سنوات، جراء استمرار التصعيد العسكري والمعارك بين الأطراف المتحاربة، متسببةً في مقتل وإصابات آلاف المدنيين، بمن فيهم الأطفال الذين كانوا أكثر عرضةً من غيرهم لانتهاكات الحرب التي طالت معظم أنحاء اليمن.

الطفلة فرح ماجد العزب (15 سنة)، واحدة من الأطفال الضحايا الذين أتعستهم الحرب؛ أصيبت منتصف عام 2017، جراء سقوط قذيفة مدفعية أدّت إلى بتر قدمها اليمنى، بينما كانت في طريقها لجلب الماء بمنطقة الصياحي (غرب محافظة تعز). 

بعينين تفيضان دمعًا، تروي فرح لـ"خيوط": "بينما كنت في طريقي إلى البئر، سقطت القذيفة الأولى بالقرب مني، لم يحدث شيء تلك المرة، واصلتُ المشي برفقة إحدى صديقاتي، كنا نتحدث حول بعض الألعاب التي اتفقنا أن نلعبها حال عودتنا، وفجأة باغتتنا قذيفة أخرى سقطت جوارنا، لحظتها فقدت الوعي". 

لدى فرح أبٌ مريض ومصابٌ جراء الحرب، وشقيقات أكبر منها عمرًا، كانت مهمتهن تختص برعي الأغنام وجمع العشب للماشية، أما فرح _وهي أصغرهن_ كانت مهمتها تقتصر على جلب الماء، حيث لم تكن قد تجاوزت العاشرة من العمر غداة الواقعة. 

مثل كثير من الجرحى المدنيين في تعز، رفض أكثر من مستشفى استقبال حالتها، بحجة عدم توفر الإمكانيات، "تم نقلي إلى أربعة مستشفيات، جميعها لم تقبلني لأني طفلة، حتى جاءت الدكتورة داليا محمد وأدخلتني، لأن حالتي كانت خطرة"؛ تقول فرح. 

في ذات السياق، تقول الدكتورة داليا محمد لـ"خيوط": "إن المستشفيات كانت تفتقر للإمكانيات في بداية الحرب بسبب الحصار الذي تفرضه جماعة أنصار الله (الحوثيين) على المدينة؛ لذلك كانت بعض المستشفيات ترفض استقبال الحالات بسبب كثافة الإقبال، وخطورة الحالات، أما الرفض فهو تصرف فردي"، حد تعبيرها. 

وفي المستشفى، قرر الأطباء بتر قدم فرح المصابة نتيجة شدة الضرر التي لحق بها، في البداية رفض والدها، ثم أذعن أخيرًا بعد ثلاثة أيام، حين حذره الطبيب من أن تأخير البتر، قد يعود بمضاعفات خطيرة على حالتها، خصوصًا أن مكان الإصابة بدأ يميل لونه إلى الأخضر.  

البحث عن قدم بديلة 

"حين أفقت في المستشفى لم أكن أعلم أنّ قدمي قد بُترت، عاتبت أبي كيف سمح بذلك؛ قلت له: لماذا رجلك أنت مكسورة ولم تقتضِ حالتك البتر، لكنه أخبرني أن قدمي بدأ لونها في التغيير، فوافق على بترها من أجل سلامتي"، تضيف فرح.  

بعد سبعة أشهر من البتر، كان لا بد من البحث عن طرفٍ صناعي حتى تتمكن من ممارسة حياتها الطبيعية كبقية الأطفال، حينها تلقَّتْ خبرًا من سيدةٍ تدعى "أم علي"، التي طلبت منها الذهاب إلى منظمة "يونيسف" في مدينة عدن، من أجل الحصول على طرفٍ صناعي.

رغم ما تعانيه فرح من جراء إصابتها، وتنقُّلها بين الأطراف الصناعية، إلا أنها لم تستسلم، وأصرت على مواصلة تعليمها، متمسِّكة ‏ببصيص أمل، لعلّ التعليم يكون ملاذها الوحيد لمواجهة الحياة التي قست عليها

استجابت فرح وسافرت مع والدها إلى عدن، وبالفعل حصلت على طرف صناعي خفف عنها مسافات الحياة البائسة، لكنها لم تلبث سوى عامٍ واحد حتى كَبُرَتْ وأصبح الطرف الصناعي غير مطابق لساقها، ذلك أن الأطفال بحاجة لتركيب أطراف صناعية بشكل دوري على حسب مراحل النمو، ثم بدأت من جديد في البحث عن طرفٍ آخر. 

توضح: "بعد مرور سنة من تركيب الطرف الصناعي، بدأت مقاساته تقصر، قمت بعدها بتركيب طرفٍ ثانٍ في مستشفى الثورة بتعز، واستمر معي تسعة أشهر، ثم حصلتُ على بديلٍ جديد من إحدى المنظمات". 

أيضًا حصلت فرح مؤخرًا، على طرفٍ جديد ساعدها كثيرًا على الحركة والتنقل بشكل جيد، بعد أن سافرت إلى سلطنة عمان، بدعمٍ من "مؤسسة الشيخ حمود سعيد المخلافي" التي تعمل على تركيب الأطراف الصناعية للمبتورين من ضحايا الحرب والألغام في اليمن.

إصرار رغم الإعاقة

رغم ما تعانيه فرح من جراء إصابتها، وتنقلها بين الأطراف الصناعية، إلا أنها لم تستسلم، وأصرت على مواصلة تعليمها، متمسكة ‏ببصيص أمل، لعلّ التعليم يكون ملاذها الوحيد لمواجهة الحياة التي قست عليها. تقضي فرح ساعتين ونصف يوميًّا في طريقها إلى المدرسة، كانت تقطع تلك المسافة قبل إعاقتها خلال ساعة واحدة.

تدرس فرح حاليًّا، في الصف العاشر، وترى أن "التعليم أساس الحياة"، متمسكة بوصية والدها الذي تُوفِّي بعد عامين من إصابتها، وكان يحثها عن مواصلة تعليمها، حتى تتمكن من تحقيق حلمها في دراسة الإعلام، ونقل معاناة الآخرين. 

الإحصائيات تتجاوز العتبة

تكشف الإحصائيات الصادرة عن المنظمات المعنية، حجم الانتهاكات التي طالت هذه شريحة خلال الحرب في اليمن، حيث تقول منظمة "يونيسف" إن نحو عشرة آلاف طفل في اليمن، قُتِلوا أو أُصيبوا بجروح منذ بدء النزاع في البلاد.  

وقال جيمس ألدر، الناطق باسم المنظمة خلال تصريح صحافي اطلعت عليه "خيوط"، إن "النزاع في اليمن تجاوز محطة مخزية مع بلوغ عتبة عشرة آلاف طفل قُتِلوا أو أُصيبوا بتشوهات منذ بدء المعارك في مارس/ آذار 2015، وهذا يعادل أربعة أطفال يوميًّا". 

وأضاف ناطق "يونيسف" في إحاطته التي طالب خلالها بإنهاء القتال في اليمن، أن هذا الرقم يشمل فقط الأطفال الضحايا الذين تمكّنت المنظمة من معرفة مصيرهم، مشيرًا إلى أن هناك "عددًا لا يحصى" من الأطفال الآخرين.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English