أذون الخزانة والدين العام المحلي... قنبلة متفجرة

أبرز تبعاتها تظهر حالياً في ندرة السيولة النقدية
د. مطهر العباسي
February 6, 2021

أذون الخزانة والدين العام المحلي... قنبلة متفجرة

أبرز تبعاتها تظهر حالياً في ندرة السيولة النقدية
د. مطهر العباسي
February 6, 2021
الصورة ل: محمد الصلوي

بعد تحقيق الوحدة المباركة في مايو/أيار 1990، وبسبب تزايد النفقات الحكومية لمواجهة التزامات الدولة الوليدة، انتهجت الحكومة سياسة تضخمية لتمويل العجز في الميزانية العامة للدولة عن طريق الاقتراض من البنك المركزي، والذي كان يغطيه بالإصدار النقدي الجديد، وتلك السياسة أدت إلى زيادة مستوى الأسعار (ارتفاع التضخم) لمعظم السلع والخدمات، كما أدت إلى تدهور قيمة الريال مقابل العملات الأجنبية (ضعف القوة الشرائية للريال)، وأصبح سعر الصرف في السوق الموازي أضعاف أضعاف السعر الرسمي.

كل ذلك دفع الحكومة لتوقيع برنامج التكيف الهيكلي والاستقرار الاقتصادي مع كلٍّ من البنك وصندوق النقد الدوليين في عام 1995، وكان من ضمن متطلبات البرنامج ضرورة توقف الحكومة عن تمويل عجز الميزانية العامة من مصادر تضخمية، واعتماد تمويل العجز عن طريق إصدار أذون الخزانة، وابتداء من عام 1998، بدأت الحكومة في إصدار أذون الخزانة بهدف تمويل عجز الميزانية بأدوات غير تضخمية، ولسحب السيولة الفائضة في السوق "لدى البنوك والمؤسسات والتجار" للحد من المضاربة في سوق الصرف، ولاستثمارها في أذون الخزانة بعائد مجزٍ سنويًّا، إضافة إلى التأسيس لسوق الأوراق المالية "البورصة".

مما زاد الطين بلة، قيام البنك المركزي - عدن، بإقراض الحكومة لتمويل نفقاتها عن طريق الإصدار النقدي دون وجود غطاء يحميه من الاحتياطيات الدولية، ولا تتوفر بيانات وافيه عن حجم ذلك الإصدار، ولكنه -بحسب مصادر غير رسمية- يفوق 1.5 تريليون ريال، مما ساهم في تزايد مستويات الأسعار، بما في ذلك سعر صرف الريال مقابل العملات الأجنبية

وخلال الفترة 1998-2015، تراكمت ديون الحكومة من أذون الخزانة وبلغت حوالي 1.5 تريليون ريال، كما استحدثت أدوات أخرى للدين الحكومي، مثل السندات الحكومية والصكوك وإعادة شراء الأذون "الريبو"، والتي تراكمت حتى بلغت أكثر من تريليون ريال، كما بلغت ديون البنك المركزي للحكومة قرابة 1.5 تريليون ريال، منها حوالي 900 مليار ريال، سحبت على المكشوف للحكومة خلال العام الأول من الحرب، وخلال السنة الأولى من الحرب انفجرت فقاعة "قنبلة" الديون المحلية لتصيب ضحاياها بخسائر جسيمة وبشلل تام، وأول الضحايا: البنك المركزي، الذي استنزفت خزائنه من احتياطيات العملة الوطنية لتغطية نفقات مرتبات موظفي الدولة ونفقات الدولة الأخرى حتى سبتمبر 2016، وكانت سببًا لبروز ظاهرة "ندرة السيولة النقدية" في القطاع المصرفي، وأصبح البنك المركزي عاجزًا عن القيام بأهم مهامه وهو إدارة السياسة النقدية بصورة توفر السيولة وتحافظ على استقرار الأسعار، وثاني الضحايا: البنوك اليمنية، والتي بلغت استثماراتها في أذون الخزانة حوالي 80%، من قيمتها الإجمالية، وكلها كانت أرصدة مودعة لدى البنك المركزي، فوجدت البنوك نفسها عاجزة عن توفير السيولة للمودعين من الشركات والتجار والأفراد، وفقدت أهم عنصر في تعاملها، وهو عنصر الثقة والأمان لدى المتعاملين معها، ناهيك عن تكبدها لخسائر منظورة وغير منظورة في عملها الائتماني، إقراضًا وإيداعًا.

وثالث الضحايا: صناديق التقاعد، وأهمها الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات، والتي وضعت معظم بيضها في سلة السندات الحكومية، وبلغت في 2015 أكثر من 800 مليار ريال، فقد أصيبت بالشلل التام، وأصبحت عاجزة عن دفع مرتبات المتقاعدين من موظفي الدولة، الذين لا حول لهم ولا قوة، وتجمد نظام التقاعد في كل مؤسسات الدولة، وللأسف فإن الموظفين المتقاعدين أو الذين هم في سن التقاعد وجدوا أنفسهم ومستقبلهم، بل وصون كرامتهم، في سراب وفي وضع لا يحسدون عليه، بعد أن أفنوا كل ربيع عمرهم في خدمة الدولة ومؤسساتها.

ورابع الضحايا: الميزانية العامة للدولة، فخلال نفس الفترة، بلغت خدمة الديون المحلية "الفوائد المستحقة والمتراكمة" حوالي 600 مليار ريال، ومثّل عبئًا ثقيلًا على الميزانية العامة للدولة، وأثر سلبًا على أولويات الإنفاق العام في مجالات ذات أولوية عالية، مثل الصحة والتعليم وقطاعات البنية التحتية، من طرق ومياه وكهربا وغيرها.

ومما زاد الطين بلة، قيام البنك المركزي - عدن، بإقراض الحكومة لتمويل نفقاتها عن طريق الإصدار النقدي دون وجود غطاء يحميه من الاحتياطيات الدولية، ولا تتوفر بيانات وافيه عن حجم ذلك الإصدار، ولكنه -بحسب مصادر غير رسمية- يفوق 1.5 تريليون ريال، مما ساهم في تزايد مستويات الأسعار، بما في ذلك سعر صرف الريال مقابل العملات الأجنبية إلى مستويات بلغت حوالي 4 أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب.

وكما هو واضح، فإن تداعيات تراكم الديون الحكومية وفوائدها قد أثر سلبًا على عدد من القطاعات، وأصاب العديد من الضحايا بجروح بالغة، وسيكون لها تأثيرات أعمق على أجيال المستقبل، وللإنصاف فإن الحرب كان لها آثارٌ مدمرة وكارثية على الاقتصاد الوطني، وساهمت في انفجار فقاعة الدين العام المحلي من الأذون والسندات، باعتبارها أوهن الحلقات في هيكل النظام الاقتصادي الوطني.

ولذلك، فالأمر يتطلب وقفة جادة من جميع أطراف الحرب، والتوجه نحو التفاوض والحوار المدني والحضاري، بعيدًا عن حوار البنادق والمدافع، حتى توحد مؤسسات الدولة الاقتصادية، لتعمل على حشد الموارد من عوائد النفط والغاز والموارد السيادية الأخرى، ووضع برنامج تعافٍ عاجل للتنمية وإعادة الإعمار ومعالجة الاختلالات في القطاع المصرفي وفي صناديق التقاعد وغيرها من مؤسسات الدولة، وحتى تتمكن الحكومة من الوفاء بالتزامها تجاه كل الدائنين لها، وفي مقدمتهم موظفي الدولة المحرومين من مرتباهم لأكثر من 4 سنوات، وقائمة الالتزامات والمعالجات طويلة وواسعة، ولكن شريحة الموظفين والمتقاعدين هي الشريحة الأكثر معاناة من تداعيات الحرب، إضافة إلى النازحين والشرائح الفقيرة، والتي نأمل أن تنعم بفوائد السلام والاستقرار بالبلاد.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English