دييغو ارماندو مارادونا.. وداعاً

" الملاعب الخاوية بفعل كورونا رسمت حداداً مبكراً لموت اسطورتها ."
جمال حسن
November 27, 2020

دييغو ارماندو مارادونا.. وداعاً

" الملاعب الخاوية بفعل كورونا رسمت حداداً مبكراً لموت اسطورتها ."
جمال حسن
November 27, 2020

 ما زلت أتذكر ذلك النهار في سلّم بيت جدي بالقرية، حين سمعت اسم مارادونا أول مرة؛ سألتُ أبي عن أفضل لاعب في العالم. كنت في التاسعة من عمري، ومنذ ذلك اليوم بدأت حكاية عشقي لفريق التانغو. وبرحيل مارادونا، مات الجزء الأكثر حميمية من شغفي بكرة القدم، إذ لولاه ربما كنت سأختار تشجيع البرازيل.

  جاء الحب قبل النظرة، عبر الأذن أولاً. ربما كانت حكاية تشبهني لذلك المزيج من الحلم والواقع. بعد عام رأيت مارادونا أول مرة يقود منتخب بلاده في مونديال 1986. كنت أجلس ملتصقاً بتلفزيون سانيو ملون 16 بوصة، ورأيت السحر في أقصى كماله؛ لم يخيبني مطلقاً؛ يا لذلك الرنين الذي كان يُلفظ به اسم دييغو أرماندو مارادونا. 

  تلتصق صورة الفتى الذهبي، صانع فرح التانغو، بمخيلتنا عن السوبر مان. انقضاضه كما لو كان مدرعاً بسلاح هرقل، بينما قدمه تضع مسافة صغيرة مع الكرة، كافية لترفع الأرض نحو السماء. كان يرقص مع الكرة فتذوب طبقات الثلج في قمم جبال الأنديز، وتتجمد جبال الألب بينما يرتدي الريح. هكذا يشق طريقه غير عابئ بجحافل تقف لإعاقته. ما الذي يفعله هذا المجنون؟ كنت ستقول ذلك لولا أنه مارادونا.

  تشكلت أسطورته بمزيج من البطولة والمأساة؛ هرقل البطل والنزوي، يقف رافعاً رأسه إلى أعلى وبصدر بارز، هيئة جسده القصير تميزه بين العشرات. يتقمص جسده أشكالاً بحسب الممرات التي يصنعها بين اللاعبين، يتحول بين شكل الفراشة والنمر، الفرس والطفل. يحاول الجميع إعاقته بكل الطرق، الضرب أو الركل. يفقد توازنه، لكنه يدفع الكرة بقدمه للأمام بينما يحرك ذراعيه سابحاً في الهواء، في محاولة لاستعادة توازنه. أحياناً يستند بيديه على الأرض، ويحبو في هيئة طفل، يا لتلك السعادة وهو يركض خلف الكرة؛ الطفل المفترس الذي يفعل الأعاجيب. مجدداً يخاشنونه، يتكوم مثل كرة، أو يسقط في هيئة سمكة، لم يكن هناك حماية للاعبين وقتها كما اليوم. يتراقص بالجميع، نطّات لتحاشي محاولة ركله.

  ولأنه عصيّ على السقوط، يتمادى الخصوم في إيذائه. تصبح كرة القدم عالماً منقسماً من الخير والشر؛ مارادونا الساحر وأولئك الذين يحاولون إعاقته. تسري عدوى الشر إلى جمهور يتوق لتحطيمه دخل الملعب، ولا بأس إن تسبب ذلك بحرماننا من لذة بصناعة مارادونية.

  إنها لعبة رجولية ونقية، يقاتل الجميع من أجل الفوز، لذا حاول الجميع إرغام مارادونا على السقوط، ظل يشكو ما يتعرض له من خشونة، لكن دون ذلك لا يمكن ايقافه. يمكن للآخرين أن يتساووا معه فقط، حين يحدّون من سحره.

  بتدخل من جزار بلباو وهو يلعب مع نادي برشلونة، كاد مارادونا أن ينهي مسيرته. لا يتسامح مارادونا أمام هذا النوع من القصدية. ودون أن يعبأ بالبروتوكولات، حول المباراة النهائية لكأس إسبانيا إلى معركة، على مرأى ملك إسبانيا خوان كارلوس. قفز مارادونا موجهاً ركلة على وجه الجزار، وسرعان ما اتسعت المعركة بين لاعبي الفريقين، ثم بين الجماهير في المدرجات. قبل ذلك بعامين، ركل خصمه البرازيلي في بطنه ليتلقى الطرد من المباراة. كان محل توبيخ الأرجنتينيين، ولم يكونوا يدركون أي سعادة سيمنحهم إياها.

بموت مارادونا ماتت كرة القدم. ربما كانت الملاعب الخاوية بفعل كورونا ترسم حداداً مبكراً لموت أسطورتها الأكبر؛ فبعد موته لن تعود الكرة أيضاً إلى ما كانت عليه

  بلغت حكايته مع برشلونة طريقاً مسدوداً، لا يبدو وقتها أن الإدارة كانت تعرف أي فتًى أضاعت. قرر مارادونا أن يمنح سحره لأناس يشبهونه. جاء من أزقة بيونس أيريس الفقيرة، فكانت نابولي الأقرب إلى قلبه. بعد عدة عروض إيطالية؛ فضل اللعب هناك على ارتداء قمصان أندية الشمال الغنية.

  وكموسيقى التانغو القادمة من عوالم سفلية، أصبح فاكهة الأغنياء والفقراء على حد سواء. في إيطاليا عرف جنة كرة القدم، ومنحهم جنون الكرة وفردوسها. كانت نابولي تلائم ثوريته، مثل الأرجنتين، أصبح بطلاً لجزء من العالم وكابوساً للجزء الآخر.

  حين سُئل المدافع الإيطالي كانافارو عن أكثر لحظاته سعادة، كان المتوقع أن تكون لحظة تتويجه مع منتخب بلاده بكأس العالم 2006. قال إنه حين كان طفلاً يقوم بإعادة الكرات في ملعب سان باولو وبعد انتهاء إحدى مباريات نابولي، توجه إليه مارادونا ودعاه ليمنحه قميصه. تلك كانت اللحظة الأكثر سعادة في حياته. ظلت نابولي أولاً التي أصبح قدّيسها مارادونا، لكن سحر شخصيته وكاريزميته تجعله قريباً لنا، كأنه شخص من العائلة، كأنه صديق، وفي الوقت نفسه، بعيد المنال. 

  في الثمانينيات كان الجميع يعرف مارادونا ومايكل جاكسون. قبل ذلك لم يكن لاعب الكرة يتمتع بتلك الشهرة أو الشعبية. عرفته الجدات في أقاصي القرى، وأصبح مرادفاً لكل ما هو خارق في كرة القدم.

  وفي مونديال 1990، كان مارادونا منهك القوى، إذ نال الإدمان من قواه. لولا ذلك، من كان سيتغلب؟ كنا نبحث عنه وعاد لنا في ومضات رائعة، مثل مراوغته المبهرة لثلاثة لاعبين تسببت في إقصاء البرازيل. ذلك جعلنا نتفهم لماذا ظل خصومه يحاصرونه ويضربونه. قاد منتخباً كسيحاً، ومع هذا، وضعه في مركز الوصافة. وعلى الرغم من أداء ألمانيا الكبير، احتاجت لضربة جزاء غير صحيحة لتفوز.

  انشغل العالم حينها بالحديث عن هزيمة مارادونا. أتذكر صورته ملئ غلاف مجلة رياضية باكياً بعد الهزيمة، وفي زاوية أخرى من الصورة، يحتفل الألمان بالكأس. نحن أيضاً لا نتذكر اسم القائد الذي هزم نابوليون بونابرت في معركة واترلو. وبدا أن العالم كان منقسماً؛ فنصفه انتظر هذا السقوط، والنصف الآخر صلى من أجل مارادونا.

حين يسقط المرء لا أحد يرحمه. لاحقته الفضائح تلو الأخرى، إدمانه الكوكائين، استبعاده من مونديال 1994، لتعاطيه المنشطات. لكنه ظل الفتى الذهبي الذي أصبحت كرة القدم بعده على غير ما كانت قبله. هو الثورة التي ما زالت كرة القدم تعيشها حتى اليوم. وكما قال أحد أصدقائي: بموت مارادونا ماتت كرة القدم. ربما كانت الملاعب الخاوية بفعل كورونا ترسم حداداً مبكراً لموت أسطورتها الأكبر؛ فبعد موته لن تعود الكرة أيضاً إلى ما كانت عليه.

  يُقال عن هرقل أنه فتك بجيش لوحده، وكان مارادونا اللاعب الوحيد الذي جلب كأس عالم بمفرده. 


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English