العميل قريبي 1-2

كيف حشرت السياسة أنفها في أحلامنا ومفرداتنا؟!
د. أحمد سنان
September 1, 2021

العميل قريبي 1-2

كيف حشرت السياسة أنفها في أحلامنا ومفرداتنا؟!
د. أحمد سنان
September 1, 2021

"تررن. الهاتف يرن في الدكان، لعل عميلًا يطلب زيتًا أو دقيقًا أو مربى".

كانت هذه العبارة تأسرني، حينها كنت تلميذًا في مدرسة جمال عبدالناصر في كريتر، لا أتذكر بالضبط هل في السنة الثالثة أم الثاني الابتدائية، لا يهم كثيرًا في حالتي هذه.

 كانت الرشيدة –(المطالعة)، هكذا كنا نسمي كتاب القراءة- عالمنا اللامتناهي. في هذا العالم كان يوسف يمثل الأب في الرشيدة طبعًا يدعو أصدقاءه، يغيب قليلًا ثم يعود لابسًا بنطالًا لأبيه ويمسك عصًا يتوكأ عليها وقد رسم شاربًا أسود. كنا نأتي على القراءة بمتعة لا تضاهى؛ لذلك كان أكثرنا سرعان ما يتقن القراءة والكتابة. وكان سمير يحب أن يمثل دور البقال؛ لذلك كان الهاتف في بقالته في رنين دؤوب. كان مؤلف كتاب القراءة هو أحمد بوكماخ كما أتصور، ولم تكن السياسة الفجة قد اقتحمت عالمي الطفولي؛ لذلك كنت كما غيري من تلاميذ كثر، نجد أيما متعة ونحن نتنافس أيّنا يجيد القراءة أكثر، حينها لم يكن لنا إلا آباؤنا الذين نعرفهم وأمهاتنا اللواتي ولدننا فقط.

لم يكن أبونا علي قد ظهر في المطالعة، ولم تكن أمّنا بلقيس أو أمنا ... ترافقه حين يطل ليجلدنا بين السطور. على أيامنا لم تكن "الكرة تجري"؛ لأن ذلك يخالف منطقها. لأنها عادة تتدحرج بفعل فاعل!

أما أمل فلم تكن على أيامنا تخيط الثوب أو تجلب الحطب، كانت أمل تتعلم هي الأخرى! وتمثل هي الأخرى مثل سمير يوسف. كانت تمثل دور الأم.

في كتاب القراءة الذي أتينا عليه بنهم شديد، أخاف الإنسان الشيطان؛ لأن الانسان كان بمقدوره أن يدفئ نفسه من البرد بالنفخ على يديه، وكان بمقدوره أن يبرد الحساء الحار أيضًا بالنفخ عليه. إنها قوة الإنسان الممنوحة له من ربه، على هيئة العقل. حينها كانت اللهجة العدنية تزدحم بالمفردات الغنية والثرية التي تعكس موزاييك المجتمع العدني، مفردات كثيرة لا حصر لها، يختلط فيها الفصيح بالعامي والهندي بالإنجليزي، والصومالي بالبنجالي على هيئة لوحة صوتية متفردة ومندمجة بروح عدن.

كان ذلك قبل أن تتحول المدينة ببطء إلى جيتوهات مناطقية ضيقة. قبل أن تجتاح لهجات المناطقية المدنية وتدهس لهجة عدن وتطمرها في التراب.

الغريبة أن الأستاذة جنة مشهور وهي تعلمنا مادة الجبر على وجه الخصوص لم تظهر لنا معادلة النقصان في الفعل كان على الرغم من تردده كثيرًا في حصصها. ولم يفسر لنا سالم بامعروف أستاذ العلوم كيفية تفاعل هذا الناقص مع ما هو مكتمل في نماذجه الكيميائية في المختبر الذي كان مفتوحًا طوال فترة الدراسة


في عدن لم نعد نسمع مفردات كثيرة مثل: "هفتة، راشن، ديبازي، كرا، كراني، بطاولة، بانهيس، بيستين، باولة". كثير من المفردات طمرت بطمي سيل اللهجات العابرة إليها من القرى والصحاري والأحراش البعيدة.

في سِنِي الطفولة كانت كل الكلمات بالنسبة لنا هي لغتنا، ولم نفرق بين ما هو دارج وبين ما هو فصيح. وكانت مفردة "عميل" التي استقيناها من كتاب القراءة لا تختلف عن كلمة هفتة أو راشن، ما دامت تؤدي دورًا حيويًّا في حياتنا تلك، ولم نهتم كثيرًا لأصلها اللغوي أو فصلها الصوتي.

وحينها لم نبحث لها عن تضاد، ولم يكن التضاد يهمنا! ولم نبحث لها عن رديف. حينها، فهمنا أن العميل هو ذلك الشخص الذي يأتي إلى دكان صاحبنا سمير ليبتاع احتياجاته، أو حتى يقوم بالاتصال بالدكان ويتكفل سمير بتوصيل الطلبات له.

عشنا طفولتنا. عندما بدأنا بتعلم النحو كنا في حالة من الفرح الشهي. سندخل عالمًا جديدًا في تعاملنا مع الأحرف والكلمات والأفعال. ولكننا سرعان ما أدركنا أننا قد وقعنا في شراك اللغة وأستاذ اللغة. لقد صدمنا لأن (كان) فعل ماضٍ ناقص. "طيب ليش ناقص؟"، لم يخبرنا الأستاذ خالد باسودان سبب هذا النقصان، وكان قد أخبرنا أن مصدر الفعل الماضي (ثلاثي)، لم أجرؤ شخصيًّا على جدال الأستاذ خالد في موضوع النقص هذا، فقد سبق لي المجادلة معه في قضية "الشتات" و"الشمل"، ولم تعد كفي تحتمل عناق العصاء أو حتى المسطرة.

الغريب أن الأستاذة جنة مشهور، وهي تعلمنا مادة الجبر على وجه الخصوص لم تظهر لنا معادلة النقصان في الفعل (كان)، على الرغم من تردده كثيرًا في حصصها. ولم يفسر لنا سالم بامعروف أستاذ العلوم كيفية تفاعل هذا الناقص مع ما هو مكتمل في نماذجه الكيميائية في المختبر الذي كان مفتوحًا طوال فترة الدراسة. وعبدالرحمن جوبان لم يحدد لنا بالضبط موقع النقصان لهذا الفعل في خرائطه التي كانت تبرع أنامله في صياغتها كأنها لوحة. والأكثر إثارة للأعصاب أن محمود النجاشي (رحمه الله) لم يثِره موضع هذا النقصان في الفعل (كان) عندما حضر لافتتاح المعرض العلمي للمدرسة. على الرغم أن أصدقائي كمال عبدالكريم وعدنان جرادي وطارق بكران وخالد باوزير وحسين عيدروس والإبي وغيرهم، ربما كانوا قد أعدّوا أنفسهم للتصدي لهذه المهمة. 

الدكان الذي يديره سمير صار آليًّا في عقولنا رديفًا لسعيد باحكيم وعبدالله الخلافي وباهديلة وباذيب وباموسى صاحب البقالة في (حافتنا)، وهكذا ببساطة ربطنا بين مطالعتنا وحياتنا اليومية، ومع الأيام تزاحمت كل الأمور.

يقول الدكتور محمد شحرور: "إن اللغة العربية هي لغة المتضادات أكثر مما هي لغة المترادفات". وهكذا بمجرد ما بدأت السياسة بحشر أنفها في عالمنا الطفولي تبعثرت أحلامنا. لم تعد الكرة تتدحرج، ولكنها صارت تجري، وانشغلت أمل بغسل الصحون لأخيها. ولم تعد كلمة عميل تشير إلى المشتري أو الوسيط التجاري الداخلي أو الخارجي، لقد صارت تحمل معنى تدميريًّا.

صارت رديفًا للخيانة، صارت رمزًا للعداوة، وبدلًا من أن يكون العميل موضوعًا للتكريم والتقدير والاحترام، وبدلًا أن يسارع الناس لتقديم آيات الاحترام لهذا العمل باعتباره أحد عوامل النجاح التسويقي والتجاري، وتمدد العلاقات التجارية طولًا وعرضًا، صار مدعاة للتهكم وعرضة للترصد والإخفاء وربما القتل.



•••
د. أحمد سنان

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English