جرائم بفعل التغيُّرات المناخية

الجفاف والتدهور البيئي وصعوبات المعيشة كاثرتها
هبة التبعي
January 14, 2024

جرائم بفعل التغيُّرات المناخية

الجفاف والتدهور البيئي وصعوبات المعيشة كاثرتها
هبة التبعي
January 14, 2024
.

تلعب الأحوال الجوية والمناخية دورًا في تشكيل الظاهرة الإجرامية، فأشعة الشمس لا تؤثر على الأرض فحسب، بل لها أثرها -الذي قد يكون اجتماعيًّا أو عضويًّا أو نفسيًّا- في انتشار الجريمة كقاعدة عامة، وفق دراسات نفذها متخصصون بالتغيّرات المناخية.

شهدت اليمن خلال العام الحالي 2023، تفشي العديد من الممارسات والانتهاكات والجرائم في المجتمع بشكل ملحوظ، بعضها كانت بشعة ووحشية، الأمر الذي دفع إلى طرح تساؤلات كثيرة فيما إذا كان هناك تأثير لبعض الفصول والتغيرات المناخية في ذلك، كما لا يخفى على أحد المشكلات والنزاعات حول المياه والأراضي، وتبعات الجفاف على توسيع هذه النزاعات وتطورها، وتحول بعضها إلى جرائم.

في مديرية شرعب السلام، شمالي محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)؛ كان (ع.ر.أ) ضحية نزاع مسلح بين عائلته وعائلة عمه على ساقية (ممر مائي) تمتد من مرتفع جبلي إلى الأراضي الزراعية التي تملكهما الأسرتان المتنازعتان، كما أصيب آخرون من المارّة ليس لهم أي ذنب.

يقول أحد أبناء المنطقة (فضّل عدم ذكر اسمه) لـ"خيوط"، أنّ العائلتين تبدآن النزاع بداية كل موسم أمطار؛ نظرًا لحاجة محاصيلهم الماسة للماء، في ظلّ الجفاف الذي تشهده المحافظة.

ويوضح أنّ قصة هذه العائلة التي انتهت بضحية وسجين، على أمر بسيط مثل (ساقية)، تمثّل نموذجًا واحدًا من عدة قصص في جميع المناطق، الحاجة الماسة للشيء يولد صراعًا عليه قد ينتهي بجرائم.

ومثّلت سفينة صافر قبل تفكيكها أكبرَ تهديد لسواحل البحر الأحمر، كما تمثّل السفن المنتهية الصلاحية الموجودة في موانئ عدن والمكلا، جرمًا بيئيًّا متعدّيًا بفعله، يهدّد الحياة البحرية في البحر العربي. كما يصنّف مراقبون حرب قراضة والمرزح في صبر الموادم قبل سنوات، على أحقية استخدام مياه الجبل، جرمًا بيئيًّا متطورًا بسلوكه العِدائي والانتقامي.

يؤثر التغير المناخي على القطاعات الاقتصادية المختلفة، مثل الزراعة والصيد والسياحة، وقد يؤدي تدهور هذه القطاعات إلى فقدان فرص العمل وتفاقم الفقر وعدم المساواة الاجتماعية، مما قد يزيد من احتمالية الجريمة.

في السياق، تعتقد الناشطة في قضايا المناخ، عُلا السقاف، في حديث لـ"خيوط" أنّ: "التغييرات المناخية قد لا تؤثر بشكل مباشر على انتشار الجريمة، ولكنها عامل من عوامل انتشارها، مؤكدةً أنّ التغييرات المناخية تهدد الأمن الغذائي بشكل كبير؛ وبالتالي يتأثر الاقتصاد ويضعف الأمن وتزيد البطالة، وكلها عوامل تؤثر بشكل مباشر على انتشار الجريمة.

وترى السقاف أن التغييرات المناخية تتسبب في قلة الموارد، وهي بدورها تؤدي إلى النزوح، ما يؤدي إلى النزاعات المسلحة والجريمة.

نزاعات الجفاف ومصادر العيش

بحسب المنظمة المعنية بالأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة واستنادًا إلى إحصائيات وزارة الداخلية اليمنية، فإنّ النزاع على موارد المياه والأرض يؤدي إلى وقوع 4000 ضحية سنويًّا.

المختص في القانون في القانون والباحث في قضايا البيئة والمناخ، راشد محمد، يرى في حديثه لـ"خيوط"، أن التغييرات المناخية يترتب عليها نزاعات مجتمعية قد تتطور إلى جرائم، مشيرًا إلى انتشار الكثير من النزاعات المسلحة حول مصادر المياه، والنزاعات حول الأراضي الزراعية والبنائية داخل مدينة تعز، خصوصًا في الأرياف.

يرجع راشد سبب ذلك بشكل كبير إلى الجفاف الذي تشهده تعز، ويهدد اليمن بشكل عام، لافتًا إلى أن "التغيرات المناخية أثرت أيضًا على المناطق الساحلية، كذلك شحة الأسماك والتجريف العشوائي للمصائد وتلوث مياه البحار، قللت من مصادر عيش الصيادين الذين يعتمدون على الأسماك بشكل رئيسي".

كما يتجه الصيادون إلى مصادر دخل أخرى للعيش بالقوة، ما يؤدي إلى نشوب صراعات ونزاعات من أجل الحصول على لقمة العيش، قد يتطور إلى جرائم.

من جانبه، يؤيد عدنان القاضي، أستاذ الإرشاد النفسي بجامعة تعز؛ ذلك قائلًا: "يمكن أن يؤثر التغير المناخي على القطاعات الاقتصادية المختلفة، مثل الزراعة والصيد والسياحة، وقد يؤدي تدهور هذه القطاعات إلى فقدان فرص العمل وتفاقم الفقر وعدم المساواة الاجتماعية؛ مما قد يزيد من احتمالية الجريمة".

ويضيف القاضي لـ"خيوط"، أن التغيرات المناخية تؤدي إلى زيادة التوترات الاجتماعية، مثل نقص الموارد لكتل سكانية كبيرة في المناطق المهاجرة وتفاقم التحديات الاجتماعية والاقتصادية، مما يؤثر على تزايد معدلات الجريمة.

تأثير تغير الفصول

يقول وديع المخلافي، أخصائي نفسي ومهتم بقضايا المناخ، لـ"خيوط": "هناك ارتباط بين التغير المناخي وبين الصحة النفسية، حيث تتسبب درجات الحرارة المرتفعة بتفاقم الحالة المزاجية؛ مما يؤدي إلى الشعور بمزيد من الانفعال والتوتر والمشاعر السلبية".

ويسترسل أنّ ذلك ناتج عن التبدلات التي تحدث في الجسم، وبعض التغيرات في المواد الكيميائية في الدماغ، التي من شأنها أن تخلق نوعًا من الإثارة العصبية والسلوك العدواني.

يتابع: "تزداد الجرائم الناتجة عن العنف، كالانتحار أو الشروع فيه والعنف الزوجي والضرب وغيره، وقد لا تكون درجات الحرارة المرتفعة سببًا مباشرًا في جرائم القتل التي نسمع عنها إلا أنها تلعب دورًا مساعدًا في ذلك"، يضيف المختص النفسي.

كما يفيد القاضي، أيضًا، بأن الدراسات تؤكد أن المناطق التي تزيد فيها درجة الحرارة أغلب السكان يصابون فيها بما يسمى بالاكتئاب الموسمي؛ بسبب تمدد ذرات الهواء، ويجد الناس صعوبة في استنشاق الأكسجين؛ مما يجعل تصرفات الناس عصبية قد تصل إلى السلوك العدواني والإجرامي.

ويؤكد أنّ التغيرات المناخية والظروف البيئية القاسية لها أثر سلبي على الصحة النفسية، وقد تتسبّب كذلك في ارتفاع مستويات الضغط النفسي والقلق والاكتئاب، فضلًا عن زيادة السلوك الإجرامي.

السلوك والجرائم البيئية

إلى ذلك، تدعم (النظرية الطبيعية) في كتاب (علم الإجرام والعقاب)، أن ما يُحدثه الجو من تأثير مباشر على الإنسان، يدفعه إلى انتهاك سلوك معين، وقد تكون الجريمة إحدى صورها.

تضيف هذه النظرية أنّ درجة الحرارة متلازمة طرديًّا مع ارتكاب جرائم الدم، وتفسر ذلك بأن درجة الحرارة تزيد من طاقة الإنسان، مما يدفعه إلى مضاعفة العمل، فيصير حادّ العاطفة سريع الانفعال، ما يجعله يُقدِم على ارتكاب جرائم العنف.

في السياق، يظل الإنسان -وفق خبراء في البيئة والمناخ- هو المسؤول الأول عن الجرائم البيئية؛ لأنه السبب الرئيسي في التغييرات المناخية، مثل: قطع الأشجار، ورمي النفايات، وبخاصة الصلبة والبلاستيكية في مجاري الوديان والسيول أو حتى طمرها ضمن التربة أو إحراقها في الهواء، إضافة إلى ما تذكره تقارير في هذا الصدد، مما يجري من ممارسات للتخلص من نفايات السفن والنفايات النووية والإشعاعية وسط البحار والمحيطات.

يقول الاستشاري في التنمية المستدامة، محمد الشرعبي، في تصريح لـ"خيوط": "إنّ عدم قدرة السلوك الإنساني على خلق ممارسات بيئية جيدة تعمل على تحفيز عناصر الحياة الطبيعية عبر مشاريع بيئية قادرة على رفع مستويات الموارد الطبيعية المتجددة وتنميتها بشكل أفضل وبما يجعلها متاحة للجميع حتى لتلك الأجيال القادمة".

مضيفًا أنّ هذا يوضح تمامًا أن التغيُّرات المناخية لها تأثير مباشر على انتشار الجرائم، خصوصًا البلدان النامية التي تعتبر أكثر تأثرًا بهذه الظاهرة وتبعاتها. ويؤكّد الشرعبي أنّ التدهور البيئي يمكّن الجماعات المسلحة من بسط نفوذها والتلاعب بالموارد لصالحها، كما يشكّل ذلك بيئة مناسبة لانتشار الجماعات الإرهابية والخارجة عن القانون، مع غياب القانون والمشرع البيئي المنظم لإدارة واستخدامات الموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة، وغياب برامج التوعية البيئية المناسبة لكل أفراد المجتمع، وغياب الشرطة البيئية المتخصصة بحماية وتنفيذ قوانين حماية البيئة وحماية المحميات الطبيعية والبيئات البحرية وحماية النظم الإيكولوجية الشاملة لكل مصادر التنوع الحيوي.

ويؤكد خبراء البيئة والمناخ أن غياب القدرة على التقاضي البيئي، حتى تلك المحاكم المتخصصة التي ما زالت في علم من الغيبيات المخيفة، يفاقم من مشكلات المناخ، ويساهم في ارتفاع منسوب الجريمة.

•••
هبة التبعي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English
English