اليمن... أطفال خلف القضبان

صغار ضحايا التفكك الأسري والعنف المجتمعي
عصام القدسي
September 10, 2021

اليمن... أطفال خلف القضبان

صغار ضحايا التفكك الأسري والعنف المجتمعي
عصام القدسي
September 10, 2021

يوم الأحد 6 يونيو/ حزيران عند التاسعة والنصف صباحًا، كانت السيدة (ف.م) تقف أمام بوابة المكان الذي قطعت مسافات طويلة للوصول إليه، كان حارس البوابة يستفسر منها سبب قدومها وغرض الدخول، ويفتش كيسًا بلاستيكيًّا طبعت عليه دعاية إحدى الشركات المحلية، تحمل به بعض أغراض الزيارة. دخلت المرأة حوش المبنى واتجهت إلى أمام نافذة عليها شباك حديدي وفتحة صغيرة، يصطف أمامها الكثير يوميًّا لساعة أو أقل من ذلك، يعتمد زمن توقفهم على مقدار إشباع رغبتهم لما جاؤوا لأجله. بعد مرور أقل من خمس دقائق من وصول السيدة، كانت تحدث طفلًا صغيرًا لم يتجاوز عمره عشر سنوات، يفصل بينهما شبك حديدي أشبه بما يوضع على نوافذ السجون.
تتشابه هذه الزيارة كثيرًا مع زيارات السجناء، وإن حملت التفاصيل نفسها، فالاختلاف كبيرٌ هنا؛ لأن من يتصدر دور المحتجز خلف القضبان طفلٌ صغير، ربما مكانه الصحيح خارج هذا المكان المحاط بالأسوار الكبيرة والممرات الطويلة، "دار التوجيه الاجتماعي" المكان الذي يودع فيه أطفال الأحداث الذين هم في خلاف مع القانون.
لم تعد عقوبة السجن تقتصر على كبار السن أو الأشخاص البالغين، بل طالت أطفالًا، جمعتهم عقوبة سلب الحرية والمكوث وراء القضبان لسنوات تعتبر زهرة حياتهم وأجمل سنين عمرهم. في الوقت الذي يصارع فيه أطفال الشوارع مشقات العمل والمخاطر التي يرافقها، يقضي أطفال آخرون طفولتهم وراء القضبان، وبعيدين عن حياة حرمتهم الظروف الصعبة منها.
في دار التوجيه الاجتماعي بنين في صنعاء المعروف بسجن الأحداث، قرابة الـ200 طفل في نزاع مع القانون، لا يعرفون لماذا أتوا؟ وكيف وجودوا أنفسهم في هذا المكان مع آخرين يتشابهون في المصير نفسه؟ أسئلة كثيرة يبحثون عن إجابات لها أو حل لأزمتهم وعقدتهم التي قد ربما ترافقهم مدى الحياة حسب بعض الأخصائيين. لكنهم في النهاية ضحايا رغم الجرائم التي صنفوا بها، هم الجاني والمجني عليه، والمتهم والضحية في آن معًا، إنهم أطفال الأحداث، أو كما يعرفهم المجتمع بـ"المجرمين الصغار"، هذه الفئة العمرية التي كتب عليها أن ترى الوجه القبيح للحياة مبكرًا.


كثيرة هي الليالي التي نامها الطفل البالغ من العمر 11 عامًا باكيًا من الضرب المبرح على يده والده، وكثيرة هي الصباحات التي بدأها بدموع القهر من العنف الذي لا يتوقف، وعندما وجد أيامه نسخة واحدة تتكرر بنفس مشاهد القسوة والعنف، قرر التخلص منها والهروب إلى المجهول.


أنشئ دار التوجيه الاجتماعي للبنين عام 1978، والذي يعمل على احتواء الأطفال الذين هم في خلاف مع القانون، أو ما يسمى أطفال الأحداث أو الأطفال الجانحين، معظم القضايا التي تدخل إلى هذا الدار تشبه القضايا التي تدخل إلى السجن المركزي، ولكنْ فاعلوها من فئة الأطفال.
كثيرة هي قضايا الأطفال في دار الأحداث، وتختلف من شخص لآخر، من السرقة والتحرش وممارسات غير أخلاقية، وأيضا القتل، والشروع به. ولكن وفقًا لمدير الدار محمد العرافي، تعتبر السرقة من أكثر القضايا التي يدخل بسببها الأطفال إلى دار الأحدث، إضافة إلى الممارسات اللا أخلاقية، والتحرش، والإدمان. لافتًا في حديثه لـ"خيوط" إلى أن المؤشر المخيف والمقلق في المرحلة الراهنة هو الأطفال المعرضون للانحراف.
الهروب إلى المجهول
الزائر لدار التوجيه الاجتماعي الخاص باحتجاز الأطفال الأحداث، سيغادره بحزن عميق وبشعور يهدم ما تبقى من إنسانية مهما كانت الظروف. عشرات القصص المؤلمة لأطفال هم ضحايا الأهل أو المجتمع، دخولهم لدور الاحتجاز يمثل بداية للانحراف، وحكم بالإعدام على طفولتهم.


كان الطفل (م. ك. ز) يشاهدنا بنظرة مليئة بالتعجب، ويبتسم أكثر حين نحدق صوبه أثناء حديثنا مع أحد الموظفين في الدار. اقتربنا منه لنعرف حكايته؟ وكيف وصل إلى هذا المكان؟ ومهما كانت الظروف، هو طفل وجد نفسه في مكان لا ينتمي إليه.
لم يكن وصول هذا الطفل وتواجده هنا جزاء بما اقترفت يداه، فالحياة القاسية التي عاشها في منزله، والضرب والعنف الذي كان بديلًا لكل معاني الحنان دفعته إلى خيارات مُرة، كانت أفضلها حلًّا الهرب من المنزل، لتشكل مدخلًا جديدًا لحياة لا تقل وحشية من جور الأسرة وقسوتها. كثيرة هي الليالي التي نامها الطفل البالغ من العمر 11 عامًا باكيًا من الضرب المبرح على يد والده، وكثيرة هي الصباحات التي بدأها بدموع القهر من العنف الذي لا يتوقف، وعندما وجد أيامه نسخة واحدة تتكرر بنفس مشاهد القسوة والعنف، قرر التخلص منها والهروب إلى المجهول. لأكثر من 80 يومًا يقضي هذا الطفل حياته في دار الأحداث، عاش قبلها أكثر من عام ونصف مشردًا في الشارع دون معرفة أسرته عن مصيره شيئًا، مع أطفال آخرين سبقوه للمصير نفسه، وعملوا معًا في تنظيف السيارات، وعاشوا حياتهم في الشارع ليل نهار، حتى جاء أحد الأشخاص ودفعه لسرقة دراجة هوائية، ليجد نفسه بعدها في قبضة رجال الأمن، وصولًا إلى سجن الأحداث مع أعداد تتزايد كل يوم وبقضايا مختلفة. ما يدفعنا للتساؤل: ما هي المسببات التي تجعل طفلًا في عمر الزهور يمارس سلوكًا يجعله في خلاف مع القانون. فبرغم من كون البعض منهم ارتكبوا جرائم كبيرة إلا أنهم ضحايا هذه الجرائم؛ إما بالدوافع أو بالأسباب أو بالنتائج، وفقًا للمختصين في دار التوجيه الاجتماعي.
الحرب سببٌ أيضًا
أسباب كثيرة تدفع الأطفال لممارسات سلوكيات تجعلهم في خلاف مع القانون، وبحسب المختصين فإن العوامل الاقتصادية وتوقف صرف المرتبات هي أحد أهم العوامل الرئيسية المسببة في إيداع الأطفال للسجون، وكذلك التفكك الأسري وغياب الرقابة من الوالدين، والعنف المجتمعي وقسوة الأب وأيضًا الأسرة والتي يعتبرها مدير دار التوجيه الاجتماعي أنها المسبب الأول لانحراف الأطفال وارتكاب جرائم قد تكون جسيمة، فبعض الأسر تضطر أن تخرج أطفالها للعمالة، وهذا يشكل بداية انحراف الأطفال.


يؤكد مدير دار التوجيه الاجتماعي أن هناك بعض الأطفال في الدار لم تتقبلهم أسرهم، حتى بعد صدور الإفراج عنهم، وفي حال تواصل الأخصائيين مع أهالي الطفل لمعرفة الأسباب يأتي الرد مؤلمًا، وهذا يسبب انتكاسة كبيرة للطفل.


ويشير إلى أن "الفقر ليس السبب الوحيد، بل دافعًا للانحراف، وهناك أحداث جانحون في الأسر الغنية نتيجة عدم الاهتمام بهم عاطفيًّا.
وبحسب المادة (3) بالقانون رقم (4) بشأن رعاية الأحداث في اليمن، يعتبر الطفل معرضًا للانحراف إذا وجد متسولًا، أو اعتاد الهروب من البيت أو المدرسة، أو إذا لم يكن له إقامة سكن مستقر أو كان يبيت في الطرقات أو أماكن غير معدة للإقامة أو المبيت فيها، أو إذا تخلى عنه والده أو لم يكن له عائل مؤتمن. وتنفيذًا لذلك يتم إلقاء القبض على الأطفال الذين يندرجون ضمن هذه المادة، ويصلون إلى دار الأحداث، لكنهم لم يمارسوا أي خطأ، ليختلطوا مع أطفال ممارسين لسلوكيات خاطئة، كالسرقة والإدمان، ويتعلموا منهم، كما أفاد العرافي والذي ينعتها بـ"الجريمة الكبرى"، خاصة أن هذه الفئة تدخل إلى الدار بشكل متواصل.
ويشير العرافي بالقول إلى أن دار التوجيه يعتبر دار استيعاب ولا يستطيع أن يمنع دخول الأطفال التي تحولهم نيابة الأحداث، فالقانون هو من يحكم الجميع، حد قوله، مبينًا أن "بعض من هو معرض للانحراف يمثل أنه غير ذلك، وعندما يتم الإفراج عنه، يهرب من البيت ويعود للدار مجددًا بسلوك خاطئ؛ الأمر الذي يصفه العرافي بـ"المأساة".
ويوضح في حديثه لـ"خيوط" أن مشكلة الطفل المعرض للانحراف محلولة عندما تعرف أسرته أنه دخل إلى دار الأحداث، ووفقًا لإجراءات القانون فإن وجود الأسرة يمنع الطفل من المرور على الإجراءات القانونية والتحقيق والنيابة، التي يمر بها الأطفال الجانحون، ولكن تخلي الأسرة عن طفلها وتركه في السجن، فهذا أمر يعتبره مدير الدار العرافي "مساهمة بخلق مجرم من بين الجانحين". داعيًا الجهات المعنية أن تهتم وتجد مكانًا خاصًّا لهؤلاء الأطفال المعرضين للانحراف، وذلك ليخضعوا لبرامج نوعية، ويمثّل دخول الطفل المعرض للانحراف إلى دور الاحتجاز دون أن يفعل أي سلوك خاطئ -وفقًا للعرافي- بداية ومساهمة في انحرافه.
يؤكد مدير دار التوجيه الاجتماعي أن هناك بعض الأطفال في الدار لم تتقبلهم أسرهم حتى بعد صدور الإفراج عنهم، وفي حال تواصل الأخصائيين مع أهالي الطفل لمعرفة الأسباب يكون الرد مؤلمًا، وهذا يسبب انتكاسة كبيرة للطفل.
في المقابل، هناك بعض من الأسر لا يشكل انقطاعها عن زيارة أطفالها في دور الأحداث تخليًا أو إهمالًا لهم، فبُعد أماكن سكنها في محافظات بعيدة عن مراكز الاحتجاز إلى جانب الوضع المادي الذي تعيشه- سببٌ يعيقها من القيام بواجبها تجاه أطفالها، ورغم ذلك يحمل الأخصائيون الأسرة كل ما يحدث لهؤلاء الأطفال، خاصة أنها من تدفعهم للشارع لممارسات أعمال أكبر منهم، ويسقطون ضحايا، إضافة إلى العنف الأسري الذي يدفع بالأطفال إلى ممارسة أخطاء توقعهم في شباك القانون.
الجانب الأكثر وجعًا يكشفه بعض القائمين على الدار، وهو أن هناك الكثير من الأطفال عندما يصلون إلى الدار يطلبون عدم رؤية أو زيارة أسرهم، فهذه المأساة يصفها الأخصائيون بالأمر المقلق. إذ ما الذي يجعل الطفل يهرب من مصدر حنانه ويلجأ لهذا المكان؟ لا إجابة مقنعة عن ذلك، حاولت "خيوط" الوصول لأسر هؤلاء الأطفال لكن من يتخلى عن طفله، ويرفض التجاوب مع الجهة التي تحتفظ به، بالتأكيد لن يرد على صحفي يحاول إبراز حقيقة غائبة عن الجميع ولا يكترث لها أحد.
التعامل بحذر
توضح إحدى الأخصائيات في الدار، تحفظت عن ذكر اسمها في حديثها لـ"خيوط"، أن الأطفال الذين يصلون إلى السجن في غاية الذكاء، وثمة حاجة إلى التعاطي معهم بحرص شديد؛ نظرًا للتجارب التي مروا بها في حياتهم، فهم ليسوا أطفالًا عاديين، وثمة تقويم شهري في مواكبة عملية التأهيل ومراقبة السلوكيات والتقدم في المشاغل لاعتبار أن التقرير الذي يرفع إلى القاضي له أثر كبير على القرار المتخذ بشأن الحكم الصادر عنه أيًّا كان، ويمكن اللجوء أحيانًا إلى بدائل عن الحكم في أعمال ذات منفعة عامة بحسب التهمة الموجهة إلى الطفل، حتى تشكل درسًا له، لكن في كل الحالات، هناك ما ينذر، بحسب قولها، إذا ما كان طفل سيعود إلى السجن حكمًا بعد خروجه، لسبب أو لآخر؛ لأن الإصلاح لا ينجح دومًا، وإن كانت قصص النجاح كثيرة.
يفتقر دار التوجيه الاجتماعي إلى أشياء كثيرة، بحسب المدير محمد العرافي؛ أولها الميزانية التشغيلية التي توقف صرفها منذ العام 2014، إلى جانب توقف المنظمات الإنسانية واتجاهها منذ بدء الحرب الى أعمال أخرى، وعلى الرغم مما يشكله الدار من أهمية كبيرة في تنشئة جيل هو أمل المستقبل، فإنه يقتصر لمتخصصين في جوانب كثيرة، خصوصًا أن هناك سلوكيات خاصة تحتاج إلى متخصصين؛ كالإدمان والشذوذ وغيره، إضافة إلى طبيب نفسي متخصص، لا أخصائي نفسي، خاصة في ظل وجود مدمنين مادة "الشلك"، أو إدمان مادة معينة، فهذه كما يقول الأخصائيون تحتاج لتدخل طبي، وليس تدخلًا نفسيًّا فقط.
لكل من قصص الأطفال داخل السجن جانب مظلم يؤكد أنهم ضحايا لأهل ربما يكونون هم أيضًا ضحايا؛ نظرًا للبيئة والظروف التي ينتمون إليها. تفاصيل صادمة لقصص يصعب تصورها لهؤلاء الأطفال.
حاولنا أن نفتش في ملفات بعض هذه القضايا ومعرفة مصير هؤلاء الأطفال، ولكن قانون الأحداث في اليمن يمنع نشر اسم أو صورة الحدث أو نشر تفاصيل المحاكمة أو جزء منها.
ووفقًا للمادة (13) من قانون رعاية الأحداث، يعتبر قضاء الأحداث من القضاء المستعجل، لكن في الواقع هناك الكثير من القضايا تستمر معلقة لأشهر، إن لم تكن لسنوات، في دهاليز القضاء، ويقف أمام الإسراع في القضايا، بحسب القاضية في محكمة الأحداث إيمان الخطابي، معوقات وظروف، ترجع لأسباب كثيرة؛ من ضمنها افتقار النيابة إلى الأعضاء بشكل كبير، بالرغم أن القضايا كثيرة والأعضاء قلة.
وأوضحت الخطابي في حديث لـ"خيوط"، أن أكثر القضايا التي تتأخر وتتعلق في المحكمة هي القضايا الأخلاقية، وهي حالات الكشف عن حالات الزنا أو الشذوذ، بسبب قلة الأطباء المختصين بحالات الكشف، وبالنسبة لعضو النيابة يحتاج تحقيق شهرين من أجل القضية.
إشكاليات كثيرة تواجهها محكمة الأحداث، أثرت سلبًا على قضايا الأطفال في دهاليز القضاء، لكن وفقًا للخطابي فإن تأخر القضايا بسبب التقرير من الطبيب الشرعي، ويرتبط ذلك بحسب القضية ونوعها. ولم تنكر أن هناك قضايا تتأخر، لكنها كما تقول تعود لأسباب خارجة عن إرادتنا، ولأن قضاء الأحداث متخصص نوعي، فيلزم أن يكون مع الطفل الحدث ما يثبت سنه، وبعض الحالات لا يوجد لديها ما يثبت عمره، فنضطر لتحويله إلى الطبيب الشرعي، وكادر الطب الشرعي لدينا قليل جدًّا، فتتأخر القضايا بسبب هذا الأمر. وتضيف القاضية في حديثها أن الإشكاليات التي تواجهها محكمة الأحداث أيضًا، أن بعض الأطفال يهربون من محافظات بعيدة ويصعب التواصل مع أهلهم، كذلك عدم تفاعل ولي الأمر مع القضية، فالأصل هو الإفراج، إذ يعد الاحتجاز ملاذًا أخيرًا للذين لا يوجد معهم ولي أمر، وهذا يؤخر قضايا الأحداث.

تُنشر هذه المادة بالتزامن بين خيوط و موقع "Tiny Hand" ضمن شراكة تعاون عقدها الموقعان

•••
عصام القدسي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English