علي عبدالكريم العبدلي

القليل من سيرة الحاكم المتنور والثائر
محمد عبدالوهاب الشيباني
September 30, 2021

علي عبدالكريم العبدلي

القليل من سيرة الحاكم المتنور والثائر
محمد عبدالوهاب الشيباني
September 30, 2021

أثناء التحضير لإقامة فعالية تأبين السلطان علي عبدالكريم فضل العبدلي أواخر العام 2016، طُلب مني الكتابة عنه، بغية تضمين المكتوب إصدار تعده لجنة التأبين للمناسبة. على عجل كتبت مادة عن التعليم والإصلاح والثورة عند سلطان متنور وثائر منسي من واقع ما توفر تحت يدي من كتابات عن الرجل، قبل أن أحصل لاحقاً على الكتاب المهم "علاقة سلطنة لحج ببريطانيا 1918-1959" للدكتورة دلال بنت مخلد الحربي، الذي عرض بالتفصيل تاريخ السلطنة، منذ خروج الأتراك منها حتى الإطاحة بالسلطان علي عبدالكريم.

اتخذتُ وقتها من سيرته الشحيحة منطلقاً للكتابة، معتبراً أن استحضارات سيرته لا يمكن أن تتم بمعزل عن التكوين المعرفي الذي غذَّاها، والمؤثرات التي حفرت فيها؛ فقد ولد عام 1922 في مدينة الحوطة، عاصمة السلطنة العبدلية، بعد أعوام أربعة من مغادرة القوات التركية لها. وهو في ترتيب العائلة الابن الأصغر للسلطان عبدالكريم فضل.

نبغ، كما تقول التراجم، وهو في العاشرة وحفظ الأشعار وأجزاء من القرآن، فأرسله والده وهو على عتبة الشباب، إلى إحدى المدارس الإنجليزية في الإسكندرية، حيث تلقى تعليمه الثانوي. ومع وصول الحرب العالمية الثانية إلى تخوم المدينة، عاد إلى لحج بطلب من والده، الذي خشي من تعرضه لأذى من وجوده في المدينة التي لا تبعد أكثر من 90 كيلومترًا من منطقة العَلَمين التي شهدت وقتها واحدة من المعارك المفصلية في الحرب العالمية الثانية بين القوات الألمانية والإيطالية بقيادة إرفين روميل، وبين القوات البريطانية بقيادة برنارد مونتجُمري في نوفمبر/ تشرين الثاني 1942.

 دراسته في الإسكندرية، المدينة "الكوزموبوليتية" بتعددها الثقافي والعرقي أواسط ثلاثينيات القرن العشرين المنصرم، أعادت تشكيل الوعي الطري للشاب باتجاه المدنية والعصرنة، التي تنبه أن أساسها لا يمكن أن يكون سوى بالتعليم. ولهذا كان تأثيره على والده وعمه واضحًا، فأوقف الأول عشرات الفدادين من أرضه لصالح التعليم في السلطنة، وأوقف الثاني "محسن بن فضل" المدرسة "المحسنية" التي استُقدم إليها معلمون عرب، وتخرَّج منها كثير من رواد العمل السياسي والثقافي في السلطنة والجنوب واليمن عمومًا. وفي استذكاره لهذا الجانب، قال السلطان: "استمر تطوير التعليم سنة بعد سنة، وعند اعتراف المعارف المصرية بشهادة المدرسة "المحسنية"، ابتدأنا بإرسال البعثات إلى مصر، لإتمام تعليمهم الثانوي والجامعي". 

وتقول دراسات إن لحج "كانت السلطنة الوحيدة في النواحي الغربية التي أولت اهتماماً بالبعثات التعليمية إلى مصر والعراق والكويت، كما كان يوجد فيها بعثة تعليمية مصرية تتبع في منهاجها الدراسي المنهج المصري." 

كان الشاب علي عبدالكريم أول من أشار على أخيه السلطان "فضل" بفكرة "المجلس التشريعي"، حتى يستطيع من خلاله تجاوز ضغوط البريطانيين التي يقودها المعتمد الخاص بالمحميات الغربية. وبُعيد تولّي علي عبد الكريم أمور السلطنة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1952، خلفًا لشقيقه الذي "غادر" إلى عاصمة الإمام أحمد حميد الدين "تعز" بعد أحداث دامية، كان المجلس قد مثل أول تجربة "تشاركية" في منطقة المحميات واليمن عمومًا.

وفي عهده القصير الذي لم يتجاوز السنوات الست "شهدت لحج حالة من الاستقرار اللافت، واسترجاع ما كان لها من مزايا طبيعية واقتصادية، فعمل على تنظيم أمور السلطنة والإدارات الحكومية، بوسائل إدارية عصرية، وكانت أول ميزانية توضع للسلطنة، هي تلك التي صادق عليها المجلس التشريعي في دورته الثانية"- كما يقول عبدالخالق الحود في موضوع "آخر السلاطين" في جريدة العربي 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016.

الشعور الوطني المبكر ورؤيته الثاقبة لخطورة الاستعمار ونزوعه التدميري، جعل السلطان المستنير أكثر قرباً من "رابطة أبناء الجنوب"، في إرهاصات التكوين الأول.

وفي عهده أيضًا- بحسب الحود- شهدت حوطة لحج "نهضة زراعية كبيرة تمثّلت في إدخال زراعة القطن، التي توسعت بشكل كبير بفضل الإدارة الناجحة لـ"قحطان الشعبي"، أول رئيس لليمن الجنوبي بعد الاستقلال. ترتب على تلك النهضة الزراعية إنشاء أول محلج للقطن في منطقة "صَبِر" القريبة من "الحوطة" عاصمة السلطنة. وفي مجال التعليم، "حرص على إنشاء المدارس والحفاظ على مجانية التعليم، وكذا صرف الكتب والأدوات للطلبة مجاناً، وحققت السلطنة في عهده استقلالية التعليم فيها، بعدم تبعيتها لإدارة المعارف في عدن." وفي القطاع الصحي، "استقدم علي أطباء من باكستان للعمل في مستشفى الحوطة، الذي استكمل بناءه وأقام المراكز الصحية في قرى لحج والصبيحة." 

إيمانه الواعي بمبدأ المشاركة في اتخاذ القرار، هو الذي أسهم بشكل مباشر في إنجاح تجربة الإصلاح والتحديث في لحج. ويقول في واحد من حواراته القليلة في هذا الشأن: 

"لم أكن لوحدي القائم والمهتم بالإصلاح في لحج والمنطقة، فقد كنت بطبيعتي أحب التشاور وأخذ المشورة الصالحة وإشراك المخلصين في العمل لاتخاذ القرارات والاستفادة من معرفتهم وتجاربهم. لهذا حين استلمت إدارة الأمور، كرئيس لمجلس المديرين بعد وفاة الوالد، كوّنت مجموعة من المخلصين للعمل في وضع أسلوب للتعامل مع السلطة البريطانية يؤدي بالنتيجة إلى أن يستلم أبناء المنطقة مقدرات أمورهم، وأعني بهذا كامل المنطقة، التي كانت عدن والمحميات، وإقناع حكام تلك المناطق للمشاركة في هذا المشروع. كنت أتطلع إلى الاستفادة من معلومات ومشاركة من أعرف من المثقفين في عدن ممن كانت لي علاقة طيبة معهم، وكنت أتطلع إلى مشاركتهم في تصويب خطواتي وأفكاري لإيماني بالعمل الجماعي، الذي أخذ يتعمق في نفسي يومًا بعد يوم. ونظرًا لما لاحظناه من تغلغل الاستعمار في البلاد وقلة المدركين لخطورته في ذلك الوقت، أو قلة المتجاسرين على إظهار شعورهم الوطني، لهذا فقد تجرأت وكونت لجنة تعمل في سرّية في لحج، لصياغة فكرة مجلس يضم حكام السلطنات والإمارات الجنوبية، كي يكون لهم رأي فيما يجري في بلادهم، بدلًا من أن يكونوا في كل الأمور تبعًا لما يقرره المعتمد البريطاني." (عدن الغد- 30 نوفمبر 2013).

الشعور الوطني المبكر ورؤيته الثاقبة لخطورة الاستعمار ونزوعه التدميري، جعل السلطان المستنير أكثر قرباً من "رابطة أبناء الجنوب"، في إرهاصات التكوين الأول، لأن الحزب كما قال: 

"كان في وقتها المنظمة السياسية الوحيدة التي كانت تنادي بالاتحاد والوحدة العربية، والوثائق التي حُفظت كلها تثبت ذلك. لهذا نشأ عند البعض وهْم أنني كنت أسير الرابطة، وغذَّت بريطانيا هذا الوهم وشجعت على نشره وترويجه، علمًا بأنني لم أشترك كعضو في الرابطة إلاّ بعد النفي وأنا في القاهرة, وذلك في سنة 1959، وبعد أن رأينا إقامة قيادة في المنفى للرابطة، وبعد تأسيس مكتب الرابطة في القاهرة." 

ومن هذا المنطلق كان رفضه الشديد لمشروع اتحاد الجنوب العربي، الذي طرحته بريطانيا بواسطة "تريفا سكس"، المعتمد البريطاني للمحميات الغربية، مؤيدًا في ذات الوقت مشروع وحدة الجنوب العربي الذي تبنّته الرابطة، بل والدعوة إليه، وتأييده علنًا في المحميات، ووقف بقوة ضد مشروع الفيدرالية الذي طرحه المحتلون.

يرد في كتاب دلال الحربي أنه "بعد اجتماع حاكم عدن (هيكنبوثم) مع حكام المحمية الغربية في 7 يناير/ كانون الأول 1954، الذي عرض فيه مشروع الاتحاد، طلب من السلطان وبقية الحكام رأيهم في المشروع، حتى الأول من أبريل/ نيسان من ذات العام، والذي سيصادف زيارة الملكة اليزابيث، زار تريفا سكس السلطان علي عبدالكريم في 8 يناير لسبر غوره في ما يتعلق بالاتحاد، فتأكد من شكوكه [التي كانت تقول إن السلطان رافض للمشروع] عندما أجابه بغضب وانفعال:

"لقد كانت أشبه بشروط الاستسلام المفروضة على العدو المهزوم، هل تعتقدون بأننا نرغب في أن نظل مستعمرة لكم؟" ص460.

 نزوعه القومي العربي كان سببه الإعجاب الشديد بالرئيس جمال عبدالناصر وبقوته وسياساته، حتى أصبحت لحج مركزًا للدعاية المؤيدة للرئيس جمال عبدالناصر والمعادية لبريطانيا، ودائمًا ما كان تريفا سكس يرى فيه "صاحب طموح زائد لا يتناسب مع حجم إمارة صغيرة كلحج، وكان هذا الطموح مبعث قلق للأول، إضافة إلى أن السلطان كان يشير إلى نفسه بصفة مستمرة على أنه قومي عربي، ثم هناك ما لوحظ من التفاف مؤسسي "رابطة أبناء الجنوب" حوله لأنهم كانوا يشاركونه في أفكاره".

على مدى يقترب من ستة عقود عاش السلطان المتنور متنقلًا بين "القاهرة" و"جدة"، حيث وافاه الأجل في الأخيرة في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، عن 94 سنة.

عملت إدارة الاحتلال البريطاني على سحب اعترافها به سلطانًا على لحج في 10 يوليو/ تموز 1958، وكان وقتئذ في إيطاليا، وترتب على هذا القرار منعه أيضًا من العودة إلى لحج، أو إلى مستعمرة عدن أو إلى أي جزء من المحمية، فاختار أن تكون القاهرة منفاه. وعن حادثة النفي تروى (مريم صالح مهدي بن علي العبدلي) أن السلطان علي عبدالكريم سافر في صيف 1958، إلى لندن "لتقديم احتجاجاته واعتراضاته على ما قامت به القوات البريطانية من اجتياح لعاصمة السلطنة العبدلية لحج، ولم يُستجب له ولمساعيه التي استمرت ما يقارب الشهرين، وحينما قرر العودة إلى سلطنته لحج، وعند وصوله إلى ميلانو الإيطالية، أبلغه نائب القنصل البريطاني بأن حكومة بريطانيا قررت خلعه وسحب الاعتراف به كسلطان لسلطنة لحج، ومنعه من العودة. وبررت السلطات البريطانية عزل السلطان علي عبدالكريم بالأسباب التالية: عدم تعاونه مع حكومة عدن، لم يلتزم بالمعاهدات المبرمة مع الحكومة البريطانية، حيث عمد إلى إقامة علاقات سياسية مع جهات أجنبية (مصر، اليمن)، ومعارضته المستمرة للمشاريع البريطانية ومنها مشروع الاتحاد الفيدرالي، والأهم رفضه الاستجابة لمطالبات حكومة عدن في إبعاد قادة ورموز الحركة الوطنية من زعماء الرابطة والذين استقروا في لحج ووفر لهم السلطان الدعم والمساندة لأنشطتهم" - الأمناء نت 23 نوفمبر 2017.

و بعد نفي السلطان علي "أرغمت حكومة عدن سلطنة لحج في أكتوبر 1959، على الدخول في اتحاد إمارات الجنوب العربي، لتصبح العضو السابع في الاتحاد، وفي عام 1962، نجحت بريطانيا في دمج عدن في الاتحاد، وغيَّرت اسم "اتحاد إمارات الجنوب العربي" إلى "اتحاد الجنوب العربي"، وانتهى بذلك حلم علي عبدالكريم بأن تظل لحج سلطنة قائمة بذاتها. 

بالمناسبة، دائمًا ما كان علي عبدالكريم العبدلي يفضِّل أن يدعى بـ"الحاكم" وليس "السلطان"، لأسباب تتصل بمدلولات اللفظ ووظائفه، لهذا حينما سئل في أحد الحوارات:

- "حفلت فترة سلطنتكم بإنجازات كبيرة في إصلاح نظام الحكم كقيام المجلس التشريعي والدستوري حدثونا عن ذلك والإرهاصات التي سبقها"؟

قال في إجابته على ذلك السؤال:

 "أود أن يقال فترة حكمكم بدلًا من سلطنتكم، لأني أشعر أنها غير مناسبة بعد أن تلطخت هذه الكلمة بكثير من الاتهامات في العرف الوطني والنضالي، وسلطنة كلمة كبيرة على دولة صغيرة مثل بلدي، وكنت دائمًا أرى أنها غير مناسبة، ولكن الظروف حكمت كما حكمت على أشياء كثيرة لم نكن نقرّها، لكن وجدنا أنفسنا فيها رغم أنفنا. فسلطنة كلمة تدل على دولة كبيرة أو إمبراطورية كالدولة العثمانية طيبة الذكر والتي كان يرأسها سلطان آل عثمان، والتي حكمت من حدود المغرب العربي إلى النمسا، أما في بلادنا فيكفي أن يقال حاكم" عدن الغد السبت 30 نوفمبر 2013.

حينما عاد إلى لحج في العام ١٩٩٦، لأول مرة بعد قرابة أربعين عامًا من المنفى، تخلى عن جزء من أملاكه لصالح العلم والمعرفة، حيث تبرع بـ"قصر الروضة" ليكون إدارة لعمادة كلية ناصر للعلوم الزراعة بلحج، وتبرع بأكثر من خمسين فدانًا كمزرعة للكلية يستفيد منها طلاب الكلية في إجراء تجاربهم الزراعية، وسخَّر جزءًا من قصره في منطقة الخليج الأمامي بكريتر المعروف بـ"قصر الشكر" لتنتفع به جامعة عدن ومركز الدراسات والبحوث.

وعلى مدى يقترب من ستة عقود عاش السلطان المتنور متنقلًا بين "القاهرة" و"جدة"، حيث وافاه الأجل في الأخيرة في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، عن 94 سنة، بعد أن سطّر في حياته تاريخًا مشرقًا لوجه مختلف للحاكم الثائر والمستنير.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English