من أوراق أول أعداد مجلة "العربي"

حينما تحايل اليمنيون على قوانين الأرض والسماء
محمد عبدالوهاب الشيباني
November 4, 2021

من أوراق أول أعداد مجلة "العربي"

حينما تحايل اليمنيون على قوانين الأرض والسماء
محمد عبدالوهاب الشيباني
November 4, 2021

حضر القات في بعض من مواقف وكتابات رواد الحركة الوطنية، بوصفه واحدة من مشكلات اليمنيين المستديمة، لأضراره الصحية والمادية، وتحوله بمرور الوقت إلى معضلة اجتماعية واقتصادية في البلد الفقير والمتخلف والمعزول. ولعل كتاب "القات؛ السلوى والبلوى" لمحمد أحمد الرعدي، تلخيص مكثَّف لهذا الحال، حين ينقل متعاطيه مِن وَهْمِ "السلوى" وقت مضغه إلى (فضاعة) "البلوى" بعد (نجعه) أي بعد وقت قصير من رمي كتلته المطحونة الخضراء من أفواه المخزنِّين. 

يتذكر مواطنو السبعينيات، كيف أن رئيس الوزراء وقتها، الراحل محسن العيني جُوبِهَ باستشراس شديد من واجهات اجتماعية وسياسية ومشايخ، عندما اتخذ قراره الشهير في العام 1972، بتجريم زراعة القات ومنع تعاطيه في الجهات والدوائر والأماكن العامة. في حوار مع صحيفة الخليج (11أغسطس/ آب 2011) استذكر هذه الخطوة بقوله لأحد محاوريه:

"بعد القرار اختفت الأفواه المنتفخة من شوارع اليمن، وصار وضع متعاطي القات شبيهًا بمن يأكل علنًا في نهار رمضان، وطلبتُ من اليمنيين قلع أشجار القات، ومنعتُ موظفي الدولة والقوات المسلحة من تعاطي القات، كما منعت زراعته في أملاك الدولة وأراضي الوقف". 

وسأله [المحاوِر]: ماذا كانت النتيجة؟

قال ضاحكًا: "عقدت القبائل مؤتمرًا للرد على قراراتي، واستقالت حكومتي".

لم يكن القات وقتها يمثل مشكلة اقتصادية وبيئية كبيرة كما هو حاصل اليوم، بتجفيفه أحواض مائية كبيرة في القيعان التي تشكلت في حقب طويلة، بسبب استهلاكه لمخزون الماء في بلد شحيح المياه، إلى جانب تمدده في رقعة زراعية كبيرة على حساب محاصيل نقدية وغذائية مهمة، مثل البن والحبوب والفواكه، وغزوه في سنوات قليلة مناطق لم تكن تزرعه في الأصل، وصار مستهلكوه اليوم من كل الشرائح والأعمار والأجناس في كل أنحاء اليمن، يهربون إليه للحصول على نشوى زائفة، تذهب بمجرد انتهاء مفعوله المنشط، ليعودوا إلى واقع مؤلم حاولوا الهرب منه لساعات طويلة وثمينة في وقتهم، وصرفوا على أوراقه وعيدانه الشيء الكثير من النقود التي يتحصلون عليها بشق الأنفس، حارمين أسرهم من محتاجات ضرورية يصل بعضها إلى حرمانها من الطعام.

(2)

 يحتفظ صديقي فيصل عبدالسلام قمحان، بنسخة أصلية من العدد الأول من مجلة "العربي" الكويتية، الصادر في ديسمبر/ كانون الأول 1958، إلى جانب الأعداد اللاحقة لهذا العدد؛ وقبل أيام قليلة منحني فرصة تقليب صفحاته، دون استعارته، لأسباب تتصل بفقده لأحد الأعداد النادرة من ذات المجلة، التي جعلته يحجم عن إعارة أي من الأعداد حتى لأقرب الناس إليه.

بقلم ناثرٍ عتيد استلهم من الشاعر قوة التصوير، اختزل الزبيري مشكلة اليمنيين مع القات في سطرين ونصف السطر بأوجهها (الصحية والاقتصادية والثقافية).

في هذا العدد يبرز اسم الشاعر الراحل محمد محمود الزبيري، كأحد كتاب العدد الأول بمقالة عن القات، جمع في تحريرها بين روح الكاتب صاحب الموقف المناهض لهذه النبتة الشيطانية كما سمّاها، وبين الصحافي الباحث عن تفاصيل دقيقة في حياة متعاطيه، والطقوس الملازمة لتناوله. المادة التي كتبها أثناء إقامته في القاهرة غالبًا، تتعزز بصور عن الحالة العامة لتعاطي القات في مدينة عدن، من أماكن بيعه في منطقة دار سعد (منطقة حدودية سابقة بين مستعمرة عدن والسلطنة العبدلية اللحجية)، وأماكن تعاطيه في المساكن داخل المدينة في مواضع سفلية تسمى "مبارز القات"، وهي تسمية ثانية للـ"مفارج" التي تطلق على أماكن تعاطي القات في شمال اليمن.

يتحدد موقف الكاتب من القات من العنوان ذاته "شيطان في صورة شجرة"، وإن تشبيه الشجرة بالشيطان في وعي ومدركات رجل متدين كالزبيري، تنقل لنا صورة المقت الشديد التي شكلها عن هذه النبتة؛ يقول في السطر الأول من المقالة:

"شيطان، في صورة نبات، أوقع الإنسان اليمني في فتنته، وزاحم الأغذية البريئة في معدته، وجرى مجرى إبليس في دمه، وولج ولوج اللص في خزائنه، يطارده صباحًا في رؤوس الجبال، ويؤرقه ليلًا في متاهات الخيال، متنقلًا به بين السرور والحزن، وبين العقل والجنون!".

بقلم ناثرٍ عتيد استلهم من الشاعر قوة التصوير، اختزل الزبيري مشكلة اليمنيين مع القات في سطرين ونصف السطر بأوجهها (الصحية والاقتصادية والثقافية)؛ صحيًّا بمزاحمته الأطعمة البريئة في المعدة، ونفسيًّا بتحميل متعاطيه من البشر أثقالًا نفسية بالغة، واقتصاديًّا بتبديده مقدرات الأسر على شرائه.

يقول الزبيري:

"يُفني الإنسان اليمني نصف عمره في صورة ملونة مفتعلة، تستهلك فيها رجولة الرجال، وعزائم الأبطال، بتأثير (القات). تلك الشجرة الملعونة التي تعمل عمل الطاغية المستبد، يتحكم في حياة الشعب ومصيره ومصالحه. هي الحاكم والمتحكم في الاقتصاد، وفي الطاقة، وفي الدوافع الجنسية".

متلازمة القات والبن كصيغة مقارنة ضدية، في الكتابة عن الشجرتين اللتين تتعرَّف بهما اليمن، تحضر في المادة، ليس من وجهة نظر الكاتب المنحازة للثانية، وإنما من وجهة نظر المجلة، حين قدمت الموضوع بمدخل شبه خبري بإيرادها مقترحًا للوزير السوري صلاح البيطار (أحد وزراء الجمهورية العربية المتحدة) على اتحاد الدول العربية [الذي كانت اليمن أحد أعضائه الثلاثة- مصر وسوريا واليمن] تحريم زراعة القات في اليمن، واستغلال المساحات التي يزرع فيها بزراعة البن بدلًا عنه.

حتى اليوم يمكن مشاهدة العديد من الأشخاص من المسنين ومن متوسطي الأعمار، وهم يمشون حفاة على الأسفلت الساخن قبيل الظهر، ويظهر عليهم الظمأ الشديد في جفاف أفواههم، والسبب أنهم يقومون بحمية شديدة القسوة، وإكساب أجسامهم حرارة حتى موعد الغداء، الذي يتناولونه أيضًا بدون شرب الماء أو أي نوع من السوائل، وهم شديدو الظمأ، حتى يتلذذون بطعم القات لاحقًا، أما كسر عطشهم الشديد لا يكون إلَّا بعد مضغهم بعض أوراقه.

هذه العملية الطقسية يشير إليها الزبيري بقوله:

"ولا يطيب للمولعين بمضغ القات أن يمضغوه إلَّا وقد ألهبوا أحشاءهم بالظمأ، وهم يفعلون ذلك بشتى الوسائل ويُخضعون حياتهم اليومية لهذه الحاجة الكبرى. يعيشون في حمية من الصباح حتى بعد الظهر، فيتحاشون أكل الفواكه وشرب الماء والسوائل وجميع الأغذية التي قد تخفف من الشعور بالعطش، فيحرمون أنفسهم جانبًا كبيرًا من الأغذية النافعة، وهم في الوقت نفسه يتناولون في وجبة الصباح والغداء ما يثير حاجتهم إلى الماء بقطع النظر عن قيمته الغذائية وملاءمته للحالة الصحية لأي فرد. كما أنهم لا بد أن يسيروا سيرًا عنيفًا إلى مسافات بعيدة، أو يصعدوا إلى الجبال أو يقلبوا بطونهم وظهورهم عارية في صخور الحمامات الساخنة، كل ذلك أو بعض ذلك، لا بد منه لإثارة العطش ومضاعفة اللذة والنشوة عند الساعات السحرية لمضغ القات".

في منتصف الخمسينيات تقريبًا، قامت السلطات الاستعمارية بمدينة عدن بإصدار قانون يمنع دخول القات إلى المدينة، وصادف ذلك بدء التحضير لانتخابات المجلس التشريعي، فاستغلها بعض المرشحين، الذين رفعوا شعارات؛ من بينها سعيهم لإبطال قانون منع دخول القات.

في المقالة، يطرق الزبيري واحدة من موضوعات الجدل التي لم يزل يثيرها القات حتى اليوم في ماهيته، وهل هو مخدِّر في أصله، وهل يورث الكسل بسبب تناوله؟ ويقول في ذلك إن "نشوة القات تستمر عدة ساعات لا يعقبها -عكس ما يقال- فتور أو ارتخاء جسماني، بل تعقبها عند كثير من الناس حالة نفسية مكتئبة، وغالبًا ما يقضي ماضِغ القات ساعات طويلة من الأرق والقلق والهواجس والأوهام".

بسبب انعدام وسائل الترفيه في ذلك الوقت في عموم اليمن، التي يعددها الزبيري بـ"السينما، المتنزهات، المسارح، ميادين الرياضة، المقاهي، المكتبات، المنتديات الأدبية، قاعات المحاضرات"، كان الميسورون اليمنيون يصممون أماكن مضغ القات في بيوتهم بطرق تجعلها مريحة لتؤدي كل هذه الوظائف.

"ولعل أعجب شيء يقال في هذا الشأن، أن شجرة القات تملي إرادتها على طراز الأبنية في المدن والقرى، وتكيَّف العمارات السكنية حسب مقتضيات النشوة السحرية أثناء مضغ القات؛ إن غرفة مضغ القات هي حظ اليمنيين من كل وسائل التسلية التي تتمتع بها شعوب الأرض، لذلك فإن الذي يفكر في بناء عمارته يجعل نصب عينيه اختيار الصورة التي تبنى بها هذه الغرفة، ويطلق عليها اسم "المفرج" أي مكان الفرجة. وهذا المفرج يجب أن يرتفع فوق عدة أدوار حتى يستطيع أن يطل على فضاء فسيح، ويجب أن تكون قاعدة النوافذ قريبة من مستوى أرض الغرفة ليتمكن الجالس بالأرض من أن يتمتع بمنظر الفضاء، فتسبح به نشوة القات وتطير به كل مطار".

في منتصف الخمسينيات تقريبًا، قامت السلطات الاستعمارية بمدينة عدن بإصدار قانون يمنع دخول القات إلى المدينة وتشددت في ذلك، فصادف أن بدأ التحضير لانتخابات المجلس التشريعي، فاستغلها بعض المرشحين، الذين رفعوا شعارات لكسب أصوات الناخبين، ومن هذه الشعارات سعيهم لإبطال قانون منع دخول القات. وهذا القانون الأرضي الذي يمكن إبطاله بقوة التصويت -حسب الزبيري- يقابله احتيال على قانون سماوي في مناطق الجبال. وقد وجد اليمنيون، كما يرد في النص، مأربهم في المذهب الزيدي، الذي يسود المناطق الجبلية العليا، والذي يجيز بعض أئمته الجمع بين صلاتي الظهر والعصر فيقدمونهما قبل جلسة القات، والمغرب والعشاء فيؤخرونهما إلى أي ساعة يشاؤون، وهكذا يتحايل اليمنيون على قانون السماء، كما يتحايلون على قانون الأرض، إذعانًا لسلطة الشجرة الشيطانية العاتية.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English