كيك الجثة يحمله النمل الأحمر..

إلى أختي ابتسام.
محمد عبده العبسي
December 20, 2020

كيك الجثة يحمله النمل الأحمر..

إلى أختي ابتسام.
محمد عبده العبسي
December 20, 2020

ما أسرع ما عدت إلى منزلنا يا ملك الموت! ألا يوجد غيري؟

أمي بالأمس، وأختي اليوم، 

وما زلت تحاول إقناعي أن الفقد عطاء، والموت هدية، 

وأني بالصبر أفوز بإعجاب الرب!

وكيف؟

كيف دخلتَ ولم نشعر بقدومك؟

كيف وقد غيرتُ مفاتيح الشقة؟

يا موت: عفا الله عما سلف، ولكن لي طلب.

 أخبرني قبل مجيئك ثانية حتى أتجهز، 

وأقوم بواجب إكرامك يا أثقل ضيف.

لن تحتاج إلى نسْخ مفاتيحي أو كسر الرزّة.

يا سيدنا عزرائيل: 

سأترك باب الشقة مفتوحاً!

لم أستطع النوم فغادرتُ فراش العازب، 

وتجولت بأرجاء المنزل؛

الأطباق على المغسلة

المغرف تحت الحنفية

وعلى طبق المرحومة ملْعقتا "حمدي" و"محمد": ابنا أختي.

وكيكُ الجثة مفتوتٌ حولهما

يحمله النمل الأحمر

ذاك يفتُّ وتلك تلقّط!

أنت الليلة مقطوع من شجرة!

لا أخت ولا أم، فلا تحزن؛ 

ستعتاد مع الأيام على الفقد!

يا موت

يا هادم عائلتي

ظننتك أعقل من هذا!

ظننتك أرحم من أن تقبض مولوداً لم يفطم بعد

 أو شاباً لم يتذوق بعد هناء الزوجية!

يا موت:

ظننك بأن لديك عيال!

وعزائي أنك مأمور؛ 

فلله الحمد.

موت وحياة:


مفتاحان بميداليةٍ صدئة

مفتاحان لقفلٍ واحد

والبشر كحبات أرزٍّ

يحملها النمل الأسود

في مشوار أوله بطن الأم، وآخره بطن الأرض. 

والمدة بينهما حشوة عمر!

وأسمع صوتك بوضوح حين أكون وحيداً.

أسمعه

في تقطير الحنفيات المكسورة

والساعات على الحيطان!

أسمعه في تصفير صراصير الحقل

وفي تصفير مصدره ثلاجة شاي خاوية!

أسمعه في الموجة إذ تتهشم فوق الصخرة!

وفي صيحة ديك أو صوت مضخة

في دقدقة البائع بـ"البانة"

بأسطوانة غاز!

***

أحبك

حد تطاير قطرات من ماء الشلال على وجهك

 جراء هبوب رياح!


أحبك..

حد تطاير خصلات الشلاّل

حد تمازج أشجار الضفة بالضفة

والقمة بالقمة

وضباب التل هنا

بغمام الجبل الآخر!

حد لقاء المشرق بالمغرب

والمشمس بالمُقمر

الغصن اليابس بالأخضر

دجلة بالدانوب

وزمزم بالنيل

فجبل حراء بجبل الطور!

أحبك مثل قطارات القش

حين تطيّرها الريح على السكك الصفراء

أحبك

حد الغُمّة

حد ذهاب الغمة!

حد سقوط صخور القمة

الصخرة تلو الصخرة 

 مثل القطارات، فوق مياه النهر


وأسمع صوتك في الحلم:

افتح أزرارك يا سِمسِم!

فأكسرُ قارورة عرض الموج!

والصوت يردد:

افتح أزرارك يا سمسم؛

لليل سواحل من بطن الحوت

ومزاج الفاقد مثل البحر

القارب مشط النهر

المجداف مَرَجّ

يقطر في رأسي...

كالحنفيات المكسورة!


لكن نداءك أعلى وأشد وضوحاً:

"افتح أزرارك يا سمسم"؛

فتبعتُ الصوت، ونزلت

القرب حجاب

الحارس قفلٌ مكسور

الذكرى كالمنديل المستعمل

وصوت الأمواج بساحل "أبْيَن" 

مثل القرص المضغوط


بكل الحنفيات المكسورة في العالم 

وقد جمعت للتقطير على رأسي.


•••
محمد عبده العبسي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English