"فضفضة" خفيضة الصوت مع قارئ مجهول

مقدمة الشاعر لديوانه الثاني: "بَلْ" مع تقديم أنسي الحاج
محمد عبده العبسي
December 20, 2020

"فضفضة" خفيضة الصوت مع قارئ مجهول

مقدمة الشاعر لديوانه الثاني: "بَلْ" مع تقديم أنسي الحاج
محمد عبده العبسي
December 20, 2020

(قبل وفاته، رتّب محمد العبسي مجموعته الشعرية الثانية "بل" للنشر، بما في ذلك هذه المقدمة، التي يسبقها تقديم مقتضب للمجموعة من قبل الشاعر اللبناني أنسي الحاج. تنشر "خيوط" تقديم أنسي الحاج ومقدمة العبسي لديوانه، في الذكرى الرابعة لوفاته.)


اعتذار  مستمر:

"الشاعر اليمني الشاب محمد عبده العبسي يذكّرني في مقدّمة مجموعته «بل» بالعديد ممّا جزمتُ به في مقدّمة «لن» ونقضته في قصائد «لن» نفسها. يؤلم هذا التذكير وينعشُ اليقين بأن لا دائم في التنظير. لا ما يتناول الشكل فحسب، بل الجوهر، وهل نعرف الجوهر لنحجّمه؟ وأليس لكلٍّ جواهره؟

لم أتوقّف عن الاعتذار عمّا اقترفته من تنظيرات اعتباطيّة في شأنٍ لا يحتمل إلّا التواضع. وما جاء استنادنا أنا وأدونيس إلى كتاب سوزان برنار عن قصيدة النثر إلّا إغراقاً لنا في جملةِ أخطاء. ومهما أقسمتُ أن لا أعود إلى ذرّ النظريّات داومتُ على ذرّها بين الحين والحين مرتكباً أخطاء من نوعٍ آخر. كلّ هذا من باب التبرير. لا تزال قصائد «لن» وما تبعه هي المقدّمة الأصلح لموضوعي ولا يزال موضوعي هو حيث أغيب عن كلّ شيء إلّا عن نواة الحلم الذي فيّ لا يخطئ معي."  أُنسي الحاج.


1

كتب المتنبي قصيدته بالريشة والدواة، وكتب السياب بالقلم، وفي مقدوري أنا وأي من جيل "جهة الشعر" الكتابة على لوحة المفاتيح مباشرة، أو عبر أزرار الهاتف المحمول. 

تطورت الريشة إلى قلم. وتطور القلمُ، باختراع الكمبيوتر، إلى لوحة مفاتيح. وتطورت الكتابة من التدوين اليدوي على سعف النخل إلى التشكيل البصري بالكلمات على ورقة بيضاء. وتطور الكتاب من النسخ اعتماداً على الوراقين والنساخين إلى المطبعة تعمل لوحدها، إلى الفضاء الإلكتروني الشاسع الخارج عن سيطرة حراس بوابة الإعلام التقليدي. 

عملية التلقي أيضاً؛ لقد تطور الشعر من السماع إلى القراءة، ومن مخاطبة الأُذن إلى محادثة العين. من الجهر إلى الهمس، ومن الإطراب إلى الإنصات، ومن التأثير في جمهور عام إلى "فضفضة" خفيضة الصوت مع قارئ مجهول. 

كان الشعر قديماً يُسمع ويذاع. اليوم يكتب وقلّ ما يحفظ. ويقرأ أكثر مما يُسمع رغم تقنيات الهواتف الذكية وقدرتها على تغيير المعادلة في أي لحظة. لقد كان الشعر سيد عصرٍ لا تلفاز فيه ولا إذاعة ولا إنترنت. أما اليوم فقد جردته وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، والأجناس الأدبية والفنية الجديدة، الكثير من سلطاته التاريخية. وإذا كان الإعلام التواصلي قد غير قواعد الاتصال الجماهيري معلناً ميلاد ما يعرف بـ"المواطن الصحفي"، فمن يدري ما إن كنا سنشهد مستقبلاً موجة ثانية من قصيدة النثر، تصحح زلات الـ"آباء"، وتتخفف من خطابهم التبشيري، ولا تغالي في أداء دور المنشقّ المتأفّف من الموروث الثقافي العربي. موجةً ثانية لا "تؤكد انعزالية الفن وإنما استقلالية الوظيفة الجمالية" وتحرُّرَها من اليقينيات، فلا تتحزب لشكلٍ فني ما بوصفه "كتالوج" معياري متمردة على كل قالب جاهز. 

كنت لأجزم، لولا مقتي لخطاب التبشير، أن نصوصاً في المستقبل ستكتب بتكثيف تغريدة "تويتر" ومزاج نص "فيسبوك"، وأن الحد الفاصل بين الشعري وما ليس شعرياً إلى تلاشٍ. الحد الذي هو "أقل استقراراً من الحدود الإدارية للصين" حسب عبارة رومان ياكبسون. "إنكم تسمعون في الحافلة نفس الصور التي يقوم عليها الشعر الغنائي الأكثر حذقاً"، يضيف. 

أراد أصحاب مجلة "شعر" توتير العربية. أُنسي بطريقة بناء جملة شعرية مغايرة والماغوط بشعريته الفذة، ويوسف الخال بالتبشير باللغة المحْكية، لكن هل تطعيم النصوص بـالعلّيّة والناطور حل ثوري بربكم؟

الأمر متعلق بالزمن إذن. وإلا ما كان طالب في الإعدادية اليوم يعرف مقدار سرعة الضوء بدقة، بينما مات سيد عصره مكتشف الجاذبية نيوتن جاهلاً بها، جازماً باستحالة قياسها فيزيائياً! شعر النواسي كمثال أدبي، عُدّ مبتذلاً ومنحلاً يوماً ما، والآن نحتفي به ونمجّده. تلكم هي قوانين الزمن.

وفق ذلك ينبغي أن نعيد النظر في مسلماتنا وأن نتساءل:  

كيف لي كشاعر أن أكتب قصيدةً بنفسية شاعر كالمتنبي يفصلني عنه 1200 عام من المتغيرات في كل شيء: السيارة والطائرة وثورة المعلومات؟ كيف يكتب شاعر في عصر الإلكترون بمزاج "الخيل والليل"؟ وكيف لمن يسافر على طائرة مجاوراً السحاب، متنعّماً بنظرة جوية للمدن، أن يكتب بصفاء ذهن وتأمل شاعر قطع الصحراء بظهر ناقة، فذمّ "ماشية الهيدباء" ممتدحاً "ماشية الخيزلى"؟ أتريدون من شاعر يرسل رسالة الكترونية من أقصى الأرض إلى أقصاها في ثانية أن يقول للريح "أبلغيها السلام" ولديه هاتف وإيميل وسكايب؟ لقد دارت العجلة. 

حتى اللغة العربية تغيرت، شأن أي لغة حية، وغيّرت. وهذا حجر الزاوية: إن القنْبلة، كلفظ، في زمن المتنبي بمعنى "جماعة من الناس والخيل"، والقُنبلة في زمني متفجرات قاتلة. السيارة في زمنه هي "القافلة" وفي زمني سيارة فحسب. 

قَصدَ المتنبي بـ"الأنابيب" في شعره "ما بين كل عقدتين من الرمح"، ونقصد بها أنابيب المختبر أو أطفال الأنابيب. قَصدَ بـ"القناة "عود الرمح" وقصد بشارة الخوري "السويس أو بنما" ونقصد بها ""BBC و"الجزيرة". التغيير قسري. كانت قهوة العصرين الأموي والعباسي بمعنى لا يخطر على بال: الخمرة! اليوم هي هذه المصبوبة في فنجان. لقد تغير المعنى من مشروب محظور، دينياً واجتماعياً، إلى مباح ومشاع، فكيف بـ1200 عام من المتغيرات؟ 

الهاتف في عصرهم "كل ذي صوت". وفي عموم الشعر العربي يعنى به الحمامة أو طائر شجي بعينه. هاتفنا آلة لا طائر! البريد "رسول" وقيل 12 ميلاً. بل إن العرب كانت تسمّي الدابة الحاملة للرسالة بريداً. اليوم البريد وسيلة إرسال واستقبال الرسائل الورقية أو الخلوية أو الإلكترونية. 

السِّكَّة، يقول الفراهيدي "أوسع من الزقاق"! 

والسكة، يقول العبسي "هي ما تسير عليها القطارات". 

تتغير اللغة إذن دون استئذان أحد. كان البطريق بمعنى "قائد رومي" وهو، في شعر المتنبي، القائد الروماني الشرير الذي يقاتل سيف الدولة فيُهزم. اليوم هو حيوان أليف يعيش في القطب المتجمد ويعدّ مثالاً عظيماً في التضحية والإيثار. إن الفرق بين بطريق "ناشيونال جيوجرافيك" وبطريق شاعر سيف الدولة، ليس فرقاً لغوياً بين معْنيين فحسب، وإنما هو تعبير مكثف لانقطاع الناطقين باللغة العربية في الإسهام الحضاري! 

لقد اختلف اللفظُ ومعناه، بفعل دورات الزمن، والعربي ولغته وموقعها. وتحضرني تأكيداً لكل ما سبق عبارة المؤرخ الألماني مارك بلوخ الجامعة "البشر أبناء عصرهم أكثر من آباءهم".

**          **

"المكوك" يقولُ العرب "مكيال". 

و"المكُوك" يقول العجم "صاروخ فضاء". 

والمكوك زيادةً على المعنى الأول "طاسٌ يُشرب به". هذا ما ذهب إليه واضع أول معجم في العربية الخليل بن أحمد. أما معظم المعاصرين له واللاحقين به فقد اكتفوا بمعناها الشائع "مكيال"، باستثناء الرازي الذي دفعته حماسته على التفصيل فقال: 

"المكّوك مكيال وهو ثلاث كليجات! والكليجة مَنّاً وسبعة أثمان منّاً". 

  • ما المنا؟ سألتُ مستغرباً. فضحك الرازي: لا تعرف المنا! هكذا أنتم شعراء عصر البسكويت والفيسبوك. "المنا رطلان. والرطل اثنا عشرة أوقية والأوقية إسْتارٌ وثلثا إسْتار".  
  • فما الإستار؟ قلتُ. 
  • "الإستار 4 مثاقيل ونصنف، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم. والدرهم ستة دوانيق. والدَّانق ماذا؟ هه؟ "الدانق قيراطان". و"القيراط وحدة وزن الذهب" قلتُ في ثقة.
  • لا لا" صرخ الرازي في وجهي "القيراط طسوجان"!  و"الطسُّوج حبتان، والحبة سُدس ثمن درهم وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءاً من درهم".

هذا هو"مكّوك" القرون الماضية الذي ما كان ليوصل رائد فضاء إلى سطح القمر كما فعل نيل آرمسترونج عام 1969. 

**          **

لندخل الآن في الجدّ: هل اللغة العربية بالية؟ 

إذن كيف يمكن كتابة قصيدة حديثة بلغة قديمة؟ 

هل ستحقق نبوءة الخال بتشظي العربية إلى لغات محكية؟

أراد أصحاب مجلة "شعر" توتير العربية. أُنسي بطريقة بناء جملة شعرية مغايرة والماغوط بشعريته الفذة، ويوسف الخال بالتبشير باللغة المحْكية، لكن هل تطعيم النصوص بـالعلّيّة والناطور حل ثوري بربكم؟ ما الذي يجعل المحكي مشعّاً أكثر من الفصيح؟ قلة استخدامه! حتى هاتين المفردتين اللتين انتزعتا إعجاب دراسة هامة حول قصيدة النثر، وردتا في نصوص قديمة بمعانٍ متحررة وقاموسية مثل ألفاظ أخرى مشابهة يعتقد خطأ أنها محكية.

لا تتوقعوا من اللغة العربية أن تكون مخترعة ومنتجة وهي منقطعة عن الإسهام الحضاري أصلاً

ما أود قوله إن المحكي ليس مادة من عدم، وإنه ككلام يتشكل خارج القاموس لا خارج اللغة. فالمحْكي في العربية، أو بعضه على الأقل، مشتق من الفصيح ويتفّلت منه إلى الكلام اليومي كـ"ناطر" باللبنانية مثلاً و"قازوزة" بالمصرية. فـ"ناطر" مشتقّ في جذره، أو مولّد، من معنى "ناطر الكَرْم". والإبدال بين الأحرف المنقوطة وغير المنقوطة شائع في معظم اللغات: كمجْداف ومجذاف، وقارورة وقازوزة، وسجر وشجر . وحتى عندما يقول الشامي أو اللبناني "تعوا" بدلاً عن "تعالوا"، فإنما هو ينطق بلهجة سريانية قديمة وليست محكية مخترعة، حسب تنظير الخال. 

ما أود، وأطمئن إلى قوله، إن الشاعر العباسي كان منفتحاً ومُنتهلاً من المحكي أكثر من شعراء أي عصر آخر، وإن قصائده كانت معرضاً لكلمات فارسية ومانوية وزارداتشية ولغات أخرى. والسبب ليس فردياً ولا ترفياً بقدر ما هو مجتمعي وحضاري: كانت بغداد مدينة عالمية تتعايش وتتلاقح فيها الثقافات المختلفة، وبالتالي فالمشكلة ليست ما إن كنا نكتب، أو نفكر، بالمحكي أم بالفصيح كما تصورها أو صوّرها الخال، وإنما في موقعنا من العالم وانفتاحنا على ثقافاته المتنوعة وإسهامنا فيها، وفي السؤال متى آخر مرة حدّثت اللغة العربية قواميسها؟ ولمن عُهدت؟ وكم كلمة جديدة تخلّقت في لغتنا؟ 

**          **

بالعكس؛ وخلافاً لكل الأمثلة السابقة المؤكدة لحتمية تطور اللغة وتغير معانيها، وحتى لا نبني أحكاماً معممة، يُدهشني أن أسلافنا في ريف ومدن اليمن ما يزالون يستخدمون لفظ "صليط" إلى اليوم بنفس المعنى القديم الذي استخدمه ابنُ بلدي امرؤ القيس في معلقته: "زيت السمسم"! وما هي إلا واحدة من عديد كلمات مقاومة للزمن وحفرياته. وتلك إحدى طاقات العربية.

**          **

يروي الشهرستاني أن رجلاً دخل على الإمام الحسن البصري فقال: (يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يُكفِّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفرٌ يخرج به عن الملة. وهم وعيْدِية الخوارج. وجماعة أخرى يُرجئون أصحاب الكبائر. والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وهم مُرجئة الأمة؛ فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟) فتفكر الحسن في ذلك ملياً. وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء، وكان من المواظبين على مجلسه: "أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً. بل هو في منزلة بين المنزلتين". وتضيف الرواية الشهيرة: "ثم قام واصل واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد. فقال الحسن البصري اعتزلنا واصل وسمّوا بذلك المعتزلة". لم أتوقف عند هذه الرواية لارتباطها بتشكل جماعة المعتزلة. اهتمامي لغوي. لفت انتباهي لفظة اسطوانة. على الأرجح سُميت الاسطوانة بالاسم الذي نعرفها به اليوم لأسباب بصرية خالصة تتعلق بالشكل.

ولم لا؟ فالثعبان في العربية، مشتق من الثُّعْب وهو مسيلُ الماء. إن حركة الماء في السواقي والأنهار تشبه إلى حد كبير حركة جسم الثعبان فاشتقت من الجذر اللغوي للثعْب. بمعنى أن التسمية، أو الاشتقاق، كان استناداً على الشكل في كلمة "اسطوانة" وعلى الحركة في كلمة "ثعبان".

**          **

خلاصة كل ما سبق كلمة: التطور

لا تتوقعوا من اللغة العربية أن تكون مخترعة ومنتجة وهي منقطعة عن الإسهام الحضاري أصلاً. وإذا كانت اللغة تتطور وتتغير بتطور الزمن وأدوات الكتابة والتلقي أفلا تتطور القوالب الكتابية "الأوزان الخليلية" وما هي إلا أوعية؟ 

الإجابة واضحة.

لم لا نعثر على لفظ "مكنسة" في شعر أبي نواس أو المعري ونجدُ في الوقت نفسه الفعلَ "كَنَس" أو الاسم "كنْس" في شعرهما، مراراً، وبإيقاعات وسياقات متنوعة؟

2

أجد روح قصيدة النثر في أغاني سيد درويش والأخوين رحباني للسيدة فيروز، أكثر مما أجدها في قصائد كثير من رواد ومشاهير قصيدة النثر العربية. ومؤخراً وقعت عينيّ على عبارة ملهمة لهنري ميلر: "إن مؤلفي الأغاني الزنجية -بالرغم من أنهم لا يعلمون- هم أقرب إلى رامبو من الشعراء اللذين عبدوه وقلّدوه". 

أقول روح قصيدة النثر كما أفهمها أنا بمعزل عن أي كتالوج وبصرف النظر ما إن كنتُ محقاً أم مخطئاً، أقول روح قصيدة النثر، ولا أحاول القبض عليها. إنها هناك في الشعر الجيد في كل عصر ولغة. ليست سلعة لنقول هذه ولا ماركة مسجلة لنقول تلك. ثم إنني لست قاضي محكمة، وضد وجود "هيئة محلفين"، وأكره حد الاشمئزاز أداء دور العارف بالله الذي يعلم وحده أين توجد روح قصيدة النثر الحقيقية من المزيفة! فقط أمارس حقي في الإفصاح عن قناعة شخصية أؤمن بها بشدة. 

**          **

(لقي ابن مناذر بمكة حماداً الأرقط فقال: أقرئ أبا عبيدة السلام وقل له اتق الله واحكم بين شعري وبين شعر عدي بن زيد ولا تقل ذلك جاهلي وهذا إسلامي. ذلك قديم وهذا محدث فتحكم بين العصرين واحكم بين الشعرين ودع العصبية). 

والحال هذه، يقع معظم نقاد الشعر الحديث في خطأ أبي عبيدة: يفضِّلون الشعر الُمحدث على القديم لحداثته الزمنية وليس الفنية، والمحافظون يتحسرون على زمن أم كلثوم والشعر الأصيل. وهكذا فالمقارنة بين زمنين مقارنة فاسدة سلفاً! فالشعر بجودته وفردته وليس بزمان وطرق كتابته. وإلا لما كان المتنبي أكثر حداثةً من شوقي، بمعايير ولغة اليوم، وأبو صخر الهذلي أو يزيد بن المفرّغ الحميري أكثر جدة من البارودي، ولما كانت معلقة زهير استثناء بين المعلقات السبع كأكثرها وضوحاً وبساطةً بالنسبة لقارئ معاصر وأقلها حاجة لشرح المفردات وتبيان المعاني. 


3

لأسماء الآلة وضع خاص. لا نكاد نعثر في الشعر العربي، جاهلياً أم إسلامياً، على أسماء آلة إلا نادراً وكأنها مستثناة من الشعر. بعبارة أوضح: لم لا نعثر على لفظ "مكنسة" في شعر أبي نواس أو المعري ونجدُ في الوقت نفسه الفعلَ "كَنَس" أو الاسم "كنْس" في شعرهما، مراراً، وبإيقاعات وسياقات متنوعة. 

ملاحظتي تقنية: لم يسهُل على اللسان العربي قولُ: غَرَفَ، يغْرِفُ، غَرْفاً، وتثقُل عليه كلمة "مغْرف" في نص قديم أو معاصر! 

من الشائع في شعر العرب ورود الفعل "طَرَق" أو الاسم "طرْق" دون ورود "مطرقة"؟ الأمثلة بالمئات: كم "مغسلة" في شعر العرب مع أنها، وفق قياس متزمّت، من عائلة فصيحة: غسل يغسل غسلاً؟ كم "معْلق"؟ كم "محفظة" وهي سليلة عائلة: حَفِظ، وحفيظ، وحفْظاً، والعرب أهل حفظ وسماع أصلاً؟ 

هنالك سببان جوهريان في تقديري: الأول تقني هو نظام حركات وسكنات التفعيلة في البيت الشعري المقيّد. فمعظم أسماء الآلة قلقة بسبب تتابع الحركات (حرفيين فأكثر) فيما معظم التفاعيل ميالة إلى السكون بعد حركتين ولا تقبل ثلاث حركات متتالية إلا في صيغة "متَفاعلن" و"فعلن". لهذا السبب تكثر كلمات الحشو في قصائد بحر "الطويل" حتى لدى المتنبي نفسه، بينما، وللسبب ذاته، نجد "المتقارب" أكثر البحور الشعرية انسياباً لدى نزار قباني. 

السبب الثاني وظيفي يتعلق بالتنظيرات السائدة حول الشعر وما الذي ينبغي أن تكون عليه كلماته من الرطانة والفخامة التي أنتهكها، وتمرد على "كتالوجاتها"، الشعراء المولدون في العصر العباسي، مكتشفين جمال البساطة، واللغة المتخففة من المنبرية. لغة الشارع والسوق. وفي طليعتهم أبو نواس: 

حاملُ الهوى تَعِبُ                 يستخفه الطربُ 

إن بكى يحُق له                      ليس ما به لعبُ

أو سخريته من الوقوف على الأطلال لا بوصفه سلوكاً، وإنما كونه "لازمة شعرية" لا فرق بينها وبين "لوازم" الحداثة ويقينياتها:

قلْ لمن يبكي على رسْمٍ دَرَسْ              واقفاً، ما ضرّه لو جلَسْ؟ 

فكيف إن أضفنا إليهما سبباً ثالثاً: لقد توقف العرب منذ نهاية القرن السادس الهجري، العاشر الميلادي، عن اختراع أي آلة فهل يهمُّ بعدها أسماء الآلة؟

الشعر العربي حافل بالمنشقين عن أحكام المجتمع ومعاييره لما هو أخلاقي، أو ديني (حلال وحرام)، أو سلوكي (خير وشر) لكنه أقل بكثير على مستوى الانشقاق الجمالي الذي صار هدفاً بحد ذاته مع ظهور السوريالية كمدرسة

**          **

كتب نزفال: "تبهرني وسط الجملة حديقة/ أو مرحاض، إن هذا لا أهمية له/ لم أعد أميز بين الأشياء/ بحسب الفتنة والقبح الذين أسندتموها إليها". كأني بأدونيس يقاطعني قائلاً: "لا تسقني ماء الملامة" لأبي تمام هي أيضاً صرخة احتجاج مشابهة على الشروط الفنية في عصره. صحيح. الشعر العربي حافل بالمنشقين عن أحكام المجتمع ومعاييره لما هو أخلاقي، أو ديني (حلال وحرام)، أو سلوكي (خير وشر) لكنه أقل بكثير على مستوى الانشقاق الجمالي الذي صار هدفاً بحد ذاته مع ظهور السوريالية كمدرسة: بروتون ودالي. إن التاء المضافة إلى كلمة "رسول" في عنوان مجموعة أنسي الحاج "الرسولة بشعرها الطويل" لهي انشقاق جذري على الموروث الجمالي واللاهوتي العربي. الماغوط أيضاً في قصيدته للسياب.. والنماذج فوق قدرتي أو مساحة السرد.

بمعنى: كم مرة ذكر الشعراء العرب، قديماً وحديثاً، مجدّدون ومقلدون، لفظ عصفور واشتقاقاته منذ القدم، مقابل صرصور واشتقاقاته؟ لا مجال للمقارنة. لست بحاجة للتنويه أن المسألة ليست في عدد المرات، وليست مجانية فنية، وليست رص كلمات صرصور وحمّام ومؤخرة، وأخرى شائعة في النص النثري، بقدر ما هي في روح الانشقاق الجمالي والفكري وانتزاع الشيء من سياق مهمل إلى سياق جمالي كمفهوم لوتريامون عن "الجمال الموجود في اللقاء بين مظلة وآلة خياطة موضوعين فوق مشرحة". 

منذ القدم والشاعر العربي يشبّه حبيبته وصوتها بغناء وشدو العصافير. إنما أكان المتلقي العربي ليتذوق شعراً غنائياً كـ"عم شوفك بالساعة/ في تكّات الساعة" في زمن أبكر؟ أو لغةً بسيطة مطعمة بصور متحركة في أغاني سيد درويش كـ"عَوَجِ الطاقية وقلي" والتي ما تزال حية ومشعة إلى عقود وقرون قادمة.

4

"ألف عام من الضغط.. ألف عام ونحن عبيد" هكذا كتب أنسي الحاج في شبابه. لكنه بعد السبعين كتب ما ينبغي كتابته: "ليكتب كل على هواه ولينقل الهواء ما يشاء. لقد أردنا مكاناً لما لم يكن له مكان". وهذا ما أود قوله بطريقتي: سأكتب كما أريد وكيفما كان نصي: جيداً أم رديئاً لا يهم. حداثياً أم رجعياً. أيضاً لا يهم. ما يهمني أن أكون صادقاً وعفوياً وأن يعبر عن انفعالاتي الداخلية. لن أمنع نفسي عن استخدام المجاز والتشبيه والغنائية حتى أتملق الوعي الحداثي، وما أنا بالقطيعي، ولست بالمقلد. ولا يحتاج أي شاعر إلى وصايا أو كتالوج كتابي، وأن يدله على مسالك قصيدة النثر، ووفق أي شروط تكتب، مرشدٌ ما اسمه سوزان برنار مثلاً. حتى الاشتغالات القيّمة لعبدالقادر الجنابي حول قصيدة النثر لا ينبغي أن تتحول إلى يقينيات وخطوط طول وعرض يقاس بناء على موافقتها، أو مخالفتها، أي نص.  إنني أدين الأيقنة والنمذجة. وضد وجود "هيئة محلفين" الفكرة التي أدانها رامبو ذاته. وإلا فما الفرق بين سوزان برنار ومنظرو "شعر" ومن بعدهم وبين الآمدي ورفاقه القدامى؟

تقوم القصيدة القديمةُ على الوزن، والجديدةُ على الإيقاع. تقوم الأولى حسب المتقدمين على "وحدة البيت المستقل والقافية". وتقوم الثانية حسب أدونيس مثلاً على "وحدة متماسكة حية متنوعة وتنقد ككل لا يتجزأ". وصفات جاهزة لا غير. مواصفات قديمة وأخرى حديثة ولكل عصر عرّابيه: بالعمامة والسواد في بغداد العباسية، والكرفتة والجينز في بيروت الحداثية. 

يقول الآمدي في الموازنة إن الشعر الجيد مبني، بالضرورة، على "الكلام الذي يدل بعضه على بعضه ويأخذ بعضه برقاب بعض. فإذا أنشدتَ صدر البيت علمت ما يأتي في عجزه". ما الفرق بين هذا المعيار العضليّ للآمدي وبين أي معيار تقني معاصر كقول صاحب زمن الشعر أيضاً، إن الشعر الحديث "يتخلى عن الحادثة لأنه يسير دائماً ضد الحادثة حد تعبير بودلير". هذا حكم قاضي جنايات لا شاعر بنباهة وسعة إطلاع أدونيس!

لا يحتاج أي شاعر إلى وصايا أو كتالوج كتابي، وأن يدله على مسالك قصيدة النثر، ووفق أي شروط تكتب، مرشدٌ ما اسمه سوزان برنابرت مثلاً

للأولين شروط إذن وللآخرين شروط. وقد تصبح الشروط، مع الوقت والدعاية، شُرطة: يقول المرزوقي بلغة من يملي مقادير كتابة الشعر: "يجب أن يكون المعنى وافياً شريفاً (!) صحيحاً يقبله الذوق ويختاره"! ويقول أنسي في "لن": "يجب أن تكون قصيدة النثر قصيرة لتوفر عنصر الإشراق. كل قصيدة هي بالضرورة قصيرة بناءً على ما قاله إدغار ألن بو". يا سلام! "يجب" المروزقي قديمة و"يجب" أنسي حديثة. على كلٍّ حسناً، نكث الأخير فيما بعد بهذا الشرط في شعره، المُحبّب لدي شخصياً، كون الشعر أكبر من أن يحد بـ"يجب" قديمة كانت أم حديثة!

وكما قال المرزوقي كلاماً معيارياً عن الوزن الذي "يجب أن يطرب الطبع لإيقاعه ويمازجه بصفائه"، فقد قيل وكتب الكثير حول إيقاع قصيدة النثر والشبح الوزني الأليوتي الذي "يجب" أن تكون عليه قصيدة النثر، وكأن الأولين والآخرين يفكرون بنفس الطريقة. حتى أن منظري قصيدة النثر عددوا شروطاً قالوا إنها صاحبت كل قصيدة نثر عظيمة (كانت برنابرت تتحدث عن إرث قائم، كما تنبه كثيرون، بخلاف أصحاب شعر وتنظيرهم لقصيدة نثر عربية مستقبلية في علم الغيب)؛ كـ: 

  1. التوهج والإشراق.
  2. المجانية، أو ما أسمّاها أدونيس (لازمنية) أو اللاغرضية وتبدو أدق من مجانية.
  3. الكثافة والإيجاز.

ولسائل أن يسأل: فماذا إن لم تكن هذه "الشروط" متوفرة؟ أنا سأجيب: ستمتنع الصحف والمجلات والمنابر الحداثية عن نشرها أو سماعها وهذا إقصاء وإلغاء يمارسان اليوم متنكران بعبارات مثل: هدم الصنمية، تحطيم التابو..إلخ

من الآخر: انظروا للشعر فحسب ودعكم من يجب ومشتقاتها! 

5

نُقل عن مؤسس الديانة المانوية أنه قال"إن الشرارة الإلهية موجودة فينا جميعاً لا تنتمي إلى أي عرق، ولا إلى أية طائفة، إنها ليست ذكراً ولا أنثى. ولقد لقّن الناس أن عليهم الانتساب إلى عقيدة كما ينتسبون إلى عِرقٍ أو قبيلة. وأنا أقول لكم إنهم كذبوا عليكم. جدوا المادة المنيرة في كل عقيدة، في كل فكرة وأزيحوا القشور. هذا هو سبيلي". ماني الذي قال أمين معلوف "إن ربه لم يكن يبحث عن عَبَدة" مُعلقاً على مآل ديانته: "لقد جرى العُرف أن يكون لكل ديانةٍ أفواجُها، أما ماني فلا. أفيكون قد أخطأ في انتقاء الحقبة؟ أيكون قد أخطأ في اختيار الكوكب؟". 

شخصياً، أكاد أتخذ من هذه العبارة المانوية العظيمة مُوجهاً ومرشداً لي في كافة مجالات الحياة: 

جِدُوا المادةَ المنيرة 

في كلّ عقيدة، 

في كل فكرة، 

وأزيحُوا القشور"

وهي أيضاً عقيدتي في الشعر والفن.

**          **

بل. هذا هو رأيي.

بل: لا يزال في البحر مداد. 

بل: انما هي طريقتي في قول "لن".


صنعاء 2006 

نقحت في أكتوبر 2013


•••
محمد عبده العبسي

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English