معتقلون أفرج عنهم من "سجن الصالح" يرون قصصهم

من صنوف التعذيب الصعق بالكهرباء والإيهام بالإعدام
آمال محمد
July 25, 2021

معتقلون أفرج عنهم من "سجن الصالح" يرون قصصهم

من صنوف التعذيب الصعق بالكهرباء والإيهام بالإعدام
آمال محمد
July 25, 2021
Photo by: Waleed Al-Hashimi- © Khuyut

منذ دخلت الحرب في اليمن منعطفها الأكبر في مارس/ أذار 2015، تضاءل هامش الحريات في مختلف مناطق سيطرة أطراف النزاع في اليمن، وتمثّلت وسائل التضييق في القمع والاعتقال والإخفاء القسري.

  وبعد أن سيطرت جماعة أنصار الله (الحوثيون) على تعز في مارس/ أذار 2015، قامت بتحويل "مدينة الصالح السكنية" في منطقة "مفرق ماوية" القريب من الحوبان، الى أكبر معتقل في المحافظة.

  سجن الصالح يتكون من أكثر من ثمانية مباني سكنية، والمبني الواحد مكون من ٥ طوابق ومقسم إلى شقق. تحولت كل هذه المباني، حسب تقرير حقوقي لـ"رابطة أمهات المختطفين"، إلى مبانٍ مكتظة بالسجناء أغلبهم تم احتجازهم لأسباب سياسية.

  وتفيد الرابطة في تقريرها بأن السجناء في "سجن الصالح" تعرضوا لسوء المعاملة وانعدام الرعاية الصحية، وأن سبعة منهم توفوا خلال السنتين الأخيرتين نتيجة نقص الرعاية الصحية .

  وبحسب المعتقل السابق في سجن الصالح، فخر الدين (15) سنة، أصبح اسم المكان مقترنًا بالخوف والرعب بمجرد ذكر اسمه، بسبب التعذيب الذي يتعرض له السجناء فيه، حيث يؤكد فخر الدين أنه تعرض للتعذيب والمعاملة السيئة طوال ثلاث سنوات ونصف ظل فيها في هذا السجن  .

  ويضيف فخر الدين لـ"خيوط"، أن اعتقاله تمّ "في جولة الحوبان شرق مدينة تعز بدون أي تهمة"، في منتصف العام 2017، وتم الإفراج عنه بعد ثلاث سنوات ونصف .

  يتذكر فخر الدين يوميات السجن كما لو أنها كوابيس، يقول: "كان يتم ضربي بشكل عنيف والتلفظ علي بأقبح العبارات"، مشيراً إلى أن وسائل التعذيب لا تقتصر فقط على الضرب والإهانة، بل يتم نقل السجين الذي يرفض الإقرار بالتهم الموجهة له، إلى ما تسمى "الضغّاطة"، وهي غرفة صغيرة مترXمتر، شديدة الحرارة ومظلمة طوال الوقت. 

  ويتابع فخر الدين حديثه وهو يستذكر ما وصفها بـ"أقسي الأيام" التي عاشها في حياته، لافتاً إلى أن التهم الموجهة له كانت بأنه يعمل لصالح الحكومة المعترف بها دولياً. يضيف: "بعد أن رفضت الاعتراف بالتهم الملفّقة لي بأني مع القوات الحكومية، تم نقلي إلى "الضغاطة"، وظلّيت فيها ما يقارب الأسبوع"، واصفًا تلك الأيام بأنها كانت مرعبة، وأنه كان يبقى لأيام لا ينام سوى ساعتين أو ثلاث في اليوم. كما أن وزنه نقص بشكل كبير ووصل إلى حالة من الانهيار النفسي والجسدي.

  ويعدد فخر الدين أساليب التعذيب، قائلًا إنه كان يتم تعذيبه بالصعق الكهربائي والضرب المبرح وإبقائه لساعات في أماكن باردة بدون ملابس، ويشير إلى أن القائمين على السجن كانوا يرشون عليه الفلفل الحار .

  خرج فخر الدين من السجن، لكن كما يقول، تدهورت صحته ويعاني الآن من مشاكل صحية في القلب، بالإضافة إلى وضعه النفسي السيء، فهو يعاني من الخوف والفزع من النوم بشكل متواصل .

  ويختتم فخر الدين حديثه بالقول إن المؤلم في ما حدث له هو حرمانه من التعليم بسبب بقائه في السجن، وأنه مازال إلى الآن يعاني من الآثار النفسية التي أصبحت معيقة له أيضًا في مواصلة الدراسة.

  فخر الدين واحد من 956 معتقل، حسب تقرير "رابطه أمهات المختطفين" في سجن الصالح بتعز، منهم من تم إطلاق سراحه بصفقات تبادل للأسرى بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثيين (أنصار الله). ويفيد التقرير بأنه تم إطلاق سراح 391 معتقل من سجن الصالح خلال العام 2020، مقابل إطلاق معتقلين وأسرى من مقاتلي الجماعة لدى قوات الحكومة المعترف بها.

سجين مفرج عنه: كانوا يأخذوني إلى سطح المبنى في الدور الخامس وأنا مقيد اليدين والرجلين، وكان أحدهم يقول للآخر ارمه إلى الأسفل وسنقول إنه انتحر

شهادات مؤلمة

  بعض الذين تم الإفراج عنهم من سجن الصالح، تحدثوا أيضًا لـ"خيوط"، عما تعرضوا له من تعذيب، ومنهم (أ. ح.  س. 35 سنة) فضّل ترميز اسمه خوفًا على بعض أقاربه من الاعتقال بحكم تنقلهم في أعمالهم في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين (أنصار الله) .

يقول: "تم اختطافي من محافظه تعز في منطقه عسكرية  تابعة لجماعة الحوثي في مناطق سيطرة الجماعة شمال مدينة تعز، وتم نقلي إلى سجن الصالح في وقت متأخر من الليل، وأثناء التحقيق تم تعذيبي بالصعق الكهربائي والضرب على الرأس حتى سقطت على الأرض مغمى عليّ، ولم يتم نقلي إلى المستشفى، وبقيت |أكثر من ساعة في حالة غيبوبة وما تم إجراؤه لي هو إيقاف نزيف الدم من رأسي" .

ويقول المفرج عنه (ع. ب. س(: "كنت أعاني من التهابات المفاصل واللوزتين، وكان يغمى عليّ من شدة الألم، ثم أعطوني دواءً قيل لي إنه مهدئ للألم، لكن الألم ازداد أكثر بعد ذلك الدواء".

  وحسب إفادات عدد من المفرج عنهم الذين التقتهم "خيوط"، فإن ظروف الاحتجاز في سجن الصالح "سيئة للغاية" مع انعدام التهوية، كما أن عدد السجناء في الشقة الواحدة ما يقارب ٢٥ شخصًا، ما يتسبب بإصابتهم بأمراض كثيرة.

يقول (ب. ف. ص. 30 سنة)، ومهنته محاسب، إن السجناء "يعانون من سوء المعاملة دائماً". ويضيف: "كان يأتي الحارس في منتصف الليل ويقوم بإيقاظنا من النوم، وكان معنا أحد السجناء عمره ستين سنة، وإذا وجده الحارس نائماً يقوم بسحبه إلى صالة الشقة ويضربه. وفي إحدى المرات أتى مشرف السجن ووجد هذا السجين يقرأ القرآن فأخذ المصحف من يدية وضربه بالعصا". كما يشير المفرج عنه إلى أن المواقف التي شاهدها في السجن كثيرة، وأنه مازال يعاني منها حتى اليوم.

  ماهر (٣٤ سنة)، كان ضمن المتحدثين أيضاً، ويروي قصة تعرضه للتعذيب النفسي عندما كان يرفض الاعتراف بالتهم. يقول: "كانوا يأخذوني إلى سطح المبنى في الدور الخامس وأنا مقيد اليدين والرجلين، وكان أحدهم يقول للآخر ارمه إلى الأسفل وسنقول إنه انتحر. في تلك اللحظة كنت أشعر بخوف شديد وأنزلاني قليلاً قليلاً من طرف السطح وهم ممسكين بيدي، كنت أنظر إلى الأسفل وأشاهد الموت أمام عيني. مازال ذلك المنظر أمام عينيّ حتى هذه اللحظة".

  كما تعرضت عائلات المعتقلين للابتزاز المالي مقابل عودة أبنائها أو معرفة أماكن احتجازهم أو السماح بالاتصال بهم. تقول أم المفرج عنه (ب ف س(: "لم أعلم شيئا عن ابني إلا بعد خمسة أشهر من اختفائه، وبعد سنتين تمكنت من زيارته، وطُلب مني دفع مليون ريال يمني مقابل الإفراج عن ابني، وبالرغم من دفع المال، إلا أنهم لم يفرجوا عنه إلاّ بعد مرور سنتين وثمانية أشهر".

  وحسب تقرير لـ"رابطة أمهات المختطفين"، أفاد بأن القائمين على السجن كانوا يعطون السجناء حبوب دواء لا يعرفون ما هي، سوى أنها تُعطى لجميع السجناء الذين يمرضون بدون إجراء فحوصات طبية.

وفي تقرير "رابطه أمهات المختطفين" بعنوان "رائحة الموت"، أكدت الرابطة أن عدد من احتجز في سجن الصالح منذ العام 2015 حتى 2020، بلغ (956) معتقل، منهم (850) تعرضوا للإخفاء القسري.

وقالت عائشة العديني، عضو الرابطة لـ"خيوط"، إن المفرج عنهم مازالوا يعانون من آثار نفسية وجسدية، وإن كل واحد منهم يحتاج لتأهيل نفسي بسبب ما تعرضوا له من تعذيب شديد، حتى يتم دمجهم بالمجتمع من أجل ممارسة حياتهم كما كانت في السابق. وطالبت بضرورة تدخل المنظمات الدولية والمحلية من أجل  تحسين ظروف السجن في مدينة الصالح، والكشف عن مصير المختفين قسريًا فيه، مشيرة إلى أنه مازال هناك 156 معتقل خلف القضبان.

 وكانت منظمة "مواطنة" لحقوق الإنسان وثقت في تقرير بعنوان "في العتمة"، "ما لا يقل عن 63 واقعة احتجاز تعسفي، وأربع وقائع تعذيب، وواقعتي وفاة في مركز الاحتجاز في “مدينة الصالح”. وأفاد التقرير بأنه "خلال فترات طويلة بين العام 2016 والعام 2019، تحفظت إدارة مركز الاحتجاز عن مصير المحتجزين فيه، ولم تسمح لهم بالتواصل مع ذويهم". وأن المحتجزين في هذا المركز تعرضوا "لأشكال متعددة من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك الصعق بالكهرباء، والضرب المبرح بالعصي والأسلاك، ونزع الأظافر"، وأن السجناء "يتلقون وعودًا بالإفراج عنهم، لكن بدلًا من ذلك يتم أخذهم إلى أماكن أخرى والاعتداء عليهم بالضرب المبرح قبل إعادتهم مجددًا إلى مكان الاحتجاز نفسه".


•••
آمال محمد

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English