فهد الظرافي.. شغف بالصورة والمكان

من هُواية جمع الصور إلى إرشيف وطني لمرور الزمن
هشام سرحان
September 10, 2021

فهد الظرافي.. شغف بالصورة والمكان

من هُواية جمع الصور إلى إرشيف وطني لمرور الزمن
هشام سرحان
September 10, 2021

بعيد 14 سنة من انهماك الصيدلاني فهد سليمان علي الظرافي، في شغفه بجمع وأرشفة الصور القديمة والنادرة لليمن، صار اليوم، بشهادة مختصين ومهتمّين بالفن الفوتوغرافي، أحدَ المصادر المهمّة لذاكرة البلاد المصورة، ومن أبرز المؤرخين الفوتوغرافيين في اليمن، على قلتهم.
يملك فهد الظرافي (44 سنة)، ثروة هائلة من الصور الفوتوغرافية التي ترجع إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، وتوثق الكثير من ملامح اليمن خلال ذلك الزمن. بعض هذه الصور التقطت بعدسات هواة محليين، والبعض الآخر التقطها أشخاص زاروا اليمن أو أقاموا فيه لفترات زمنية متفاوتة، كرحّالة وسياح ودبلوماسيين وأطباء وباحثين وصحفيين ومصورين مختصين.

السور الشمالي لمدينة تعز، التقطت بعدسة محمد علي سري نهاية الأربيعنات أو بداية الخمسينات


ينافس الظرافي المتاحف الوطنية ومراكز التوثيق الأخرى، ويحوي إرشيفه أكثر من 12 ألف صورة فوتوغرافية مطبوعة، وآلاف الصور الرقمية المخزنة في حاسوبه، ومعظمها صور تاريخية ونادرة وغير متداولة. صور إرشيف الظرافي تتسم أيضًا بالتنوع واختزال تاريخ اليمن؛ مناظره الطبيعية، ومعالمه الأثرية، ومدنه القديمة، وأزيائه الشعبية، وتراثه وموروثه الشعبي والاجتماعي والثقافي، وعاداته وتقاليده وطقوسه، إضافة إلى قادته وساسته ورموزه الوطنية، وحياة المواطنين وأنشطتهم وذكرياتهم في الشوارع والأسواق والمدن والأودية والجبال والأرياف.
يبدي فهد الظرافي اهتمامًا كبيرًا بالصور ويقضي أوقات فراغه مع ألبوماته وحاسوبه، سواء في المنزل أو في صيدليته التي لم ينقطع عن العمل فيها أيضًا. يتصفح صوره ويعتني بها لحفظها من التلف، وينفق الكثير من الأموال في سبيل ممارسة هوايته، والبحث المتواصل عن صور أخرى في المواقع الإلكترونية، وشبكات التواصل الاجتماعي، ومنصات بيع الصور، وكذلك لدى أصدقاء محليين، وأجانب زاروا اليمن في أزمنة متفرقة ووثّقوا زياراتهم بالصور.
قال عنه الصحفي والكاتب المخضرم عبدالرحمن بجاش في منشور على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": "فهد الظرافي هو الوحيد الذي يتعامل مع فاتنته [في إشارة لتعز] وكأنما لا تشكو من وجع، ولا يعاني سكانها الألم، فتراه "يتمشقر" بها [بمعنى يضعها فوق رأسه كالريحان]، ويمارس اشتياقه في كل زاوية من زوايا الأحياء القديمة، ويفتش بين أوراق الأجانب، بالذات أولئك الذين عشقوها إعجابًا، وعشقها هو انتماءً لا يدانيه انتماء".

وأضاف: "يندر أن تجد أحدًا يحب مدينته كفهد، ولذلك تراه يلملمها بالتوثيق والأرشفة، ويحرص على أن يبقيها طوال الوقت في الأذهان".

منظر جوي لمدينة تعز ، التقطت الصورة في 1978


إلى ذلك تشيد الجهات الرسمية بالظرافي وإرشيفه الذي يشكّل مصدرًا للكثير من المعارض ومرجعًا للمهتمين والباحثين، إذ يوثق لمراحل تاريخية وحقب زمنية مهمّة في البلاد، وتنبعث من إرشيفه رائحة الماضي وألوان الحياة ومظاهرها، كما يروي ما لا ترويه آلاف القصص، ويوثق معالم أثرية ما زالت صامدة وأخرى لم يتبقَّ منها سوى الصور التي يحتفظ بها، كشاهد على أصالة وعراقة بلد يمتد عمق حضارته وتاريخه إلى آلاف السنين.
حصل فهد على مجموعة من الصور الملونة تعود لستينيات القرن العشرين، فأنشأ في 2011، حسابًا في "فيسبوك"، ونشر الصور، ليدشن بذلك مرحلة جديدة من هوايته.

ماذا تقول عنه هيئة الآثار؟
في حديث لـ"خيوط"، يقول عبدالقدوس أسحم، رئيس الهيئة العامة للآثار والمتاحف في مدينة تعز، إن الهيئة تعتمد أحيانًا على إرشيف الظرافي في أعمال ترميم بعض المعالم وفقًا للطراز القديم الظاهر في الصور. كما يقول عن صاحب هذا الإرشيف الوطني: "فهد الظرافي شخصية وطنية وتحظى بإشادتنا في مختلف المحافل، إذ نثمن الدور الذي يقوم به ونعتبره دورًا وطنيًّا ناجحًا وفاعلًا، ويهدف إلى إحياء التراث الشعبي والثقافي لمدينة تعز".
ويضيف أسحم أن الظرافي "شخص شغوف بجمع الصور القديمة والنادرة، ما يجعل إرشيفه ذاكرة لتعز وغيرها، وهو رجل مبدع ومثقف ومحب لمدينته، ويحتفظ بالكثير من الخرائط، ويهوى التواصل مع الدبلوماسيين والسياح والأطباء الأجانب، كما يشكل جسر تواصل لنا بأمثاله من هواة جمع الصور".

وبحسب أسحم، فإن هيئة الآثار والمتاحف بتعز تلجأ للظرافي في الكثير من الأوقات ليزودها بصور قديمة لبعض المعالم الأثرية والمراكز الثقافية والمباني التاريخية، وتستفيد منه في أعمال الترميمات وإعادة الطرز القديمة لتلك المعالم، خاصة التي تضررت بفعل الحرب، وعوامل التعرية الطبيعية. ويتابع: "يمدنا الظرافي بالكثير من الصور القديمة، وسبق أن زوّدنا بصور للمتحف الوطني، ومتحف الموروث الشعبي، وحمّام المقطر، وقبة الحسينية، وجامعي المظفر والأشرفية، وصور أخرى لمدينة تعز القديمة وسور السراجية، وكثير من المعالم الدينية والمباني القديمة للمدينة. تقدم لنا صوره خدمة كبيرة وتساعدنا كثيرًا في ترميم تلك المعالم حسب الطراز القديم والأثري الأصيل".
وانتهت هيئة الآثار مؤخّرًا من ترميم المتحف الوطني، ومتحف الموروث الشعبي، كما أكملت تثبيت قبة الحسينية الأثرية، في حين شرعت في ترميم حمّام وجامع المظفر. وتنوي الهيئة إطلاق مشروع للحفاظ على مدينة تعز القديمة، وهو مشروع، سوف تتم الاستعانة فيه بإرشيف الصور الخاص بالظرافي، وفقًا لأسحم، الذي لفت في حديثه إلى أن هيئة الآثار ستنشِئ خلال العام القادم (2022) متحفًا مصورًا لمدينة تعز، وسيعتمد كثيرًا على إرشيف الظرافي.

محطات الشغف
يقضي الظرافي وقتًا ليس بالقليل في جمع الصور القديمة والنادرة لمختلف مناطق اليمن والبحث عن معلومات مفصلة حولها، وذلك تمهيدًا لأرشفتها في ألبومات أو مجلدات، وتوثيق المعلومات المتعلقة بها، بما في ذلك زمان الصورة ومكانها وملتقطها ومناسبة التقاطها. هذه المنهجية في جمع الصور راكمت لديه ثروة معرفية وجعلت منه خبيرًا ومرجعًا في التراث الشعبي والثقافة والسياحة والتاريخ والسياسة والفن العمراني والمعالم الأثرية والمواقع الطبيعية ومظاهر الحياة وأساليبها.
وفقًا لفهد، فإن هُواية جمع وتوثيق الصور القديمة تلازمه منذ أن كان طفلًا. يقول في حديثه لـ"خيوط": "هذه الهواية قديمة بالنسبة لي، شرعت في ممارستها عندما كنت طالبًا في المدرسة؛ حيث كنت أجمع صور الأصدقاء والأسرة وزملاء الدراسة والرحلات المدرسية، في ألبوم احتفظت به للذكرى".
ترعرعت هوايته في أعماقه ورافقته حتى مرحلة شبابه، حيث تطورت فيها اهتماماته وبدأ في البحث وجمع الصور القديمة لتعز وغيرها من مدن ومناطق البلاد. ويقول فهد إنه تأثر في هوايته، بالسفير أحمد حسن آغا، "الذي يمتلك إرشيفًا كبيرًا من الصور القديمة لتعز، وهو باحث ومهتم في تاريخها ولديه كتاب "تعز بين الأمس والحاضر"، وقد تأخرت طباعته بسبب الحرب وانتقال السفير للعمل خارج البلاد".

حصل فهد على مجموعة من الصور الملونة من مواقع إلكترونية تعود لستينيات القرن العشرين الماضي، فأنشأ في العام 2011، حسابًا له في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، ونشر الصور في صفحته مع مجموعة من صور اليمن القديمة، ودشن بذلك مرحلة جديدة من هوايته، ووسع نشاطه في جمع الصور التاريخية، كما قام حينها بنشر صور جميلة ونادرة لليمن وتعود لمطلع القرن العشرين. بعد ذلك أنشأ صفحة في "فيسبوك" أيضًا باسم "صور مدينة تعز القديمة"، وتوالت عليه طلبات الصداقة من داخل اليمن وخارجه، وتواصل مع سياح ودبلوماسيين وأطباء أجانب، ما ساعده في نشاطه ووسع من جمهوره.
في السنة نفسها، بدأ تجاوب الآخرين معه، وحصل على أول ألبوم من مدير عام مكتب الآثار بمحافظة تعز. يحوي الألبوم 120 صورة نادرة جدًّا لمدينة تعز، وهي ملتقطة بعدسة القنصل الألماني ويلي جورج ستيفن، وذلك خلال ثلاث سنوات، وتحديدًا من العام 1961 إلى 1963.
ثم حصل، عقب ذلك، على "إرشيف النقطة الرابع" [المستشفى اليمني السويدي]، وهو إرشيف كبير جدًّا، ويتضمن نسخًا أصلية لصور نادرة جدًّا تعود جميعها للفترة 1962-1967، وفقًا للظرافي. ويستمر في الحديث عن مراحل تطور هواياته عمليًّا: "تسلمت بعدها إرشيف الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي كان مقرها في مدينة تعز، وسلمني مدير مشروع مياه تعز أكثر من 2500 صورة لتوثيقها والحفاظ عليها من التلف، وقد قمت بتزويد مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة بتعز ببعضها".
يتطلع لإتمام وطباعة كتاب تاريخي بعنوان "قصة تعز في صورة"، حيث يتناول الكتاب تاريخ المدينة عبر الصور؛ من أول صورة التقطت لها إلى آخر صورة، مع تضمين كل صورة نبذة عن المكان قديمًا وحديثًا.
عرف الوسط الثقافي في اليمن فهد الظرافي العام 2014، عقب مشاركته في معرض للصور القديمة نظمته مؤسسة السعيد، وأطلقت على المعرض عنوان: "تعز في عقود"، وهي فعالية استمرت أسبوعين شارك فيها الظرافي بـ114 صورة قديمة ونادرة لتعز، ويمتد زمنها بين العامين 1900-2014 .

حقّق ذلك المعرض نجاحًا ونال استحسان الكثيرين؛ الأمر الذي حفّز الظرافي نحو مواصلة البحث بلغات مختلفة عن الصور القديمة والنادرة لليمن، وجمعها من عدة مصادر، أبرزها المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، ومن مواطنين مهتمين بالتصوير، ومصورين محترفين، إلى جانب من أتيح له التواصل معهم من أعضاء البعثات الطبية والدبلوماسية الأجنبية التي زارت اليمن في فترات سابقة، وبذلك تمكن من جمع كمٍّ هائل من الصور.

اهتمامات أخرى
رغم انشغاله في العمل داخل صيدليته وسط مدينة تعز، إلا أنه يقضي عدة ساعات يوميًّا في تصفح صوره والبحث عن المزيد منها، ونشرها مع معلومات مفصلة حولها، وهو نشاط، يقول فهد إنه تغير خلال سنوات الحرب، فاقتصر على نشر الصور الخاصة بتعز. غير أنه لم ينسَ بقية مناطق اليمن، إذ يقوم بتوزيع صورها على أشخاص آخرين ليقوموا بنشرها، وذلك خلافًا للسنوات التي سبقت الحرب حين كان يتولى بنفسه نشر الصور المتعلقة بالبلاد عمومًا. يوضح الظرافي أكثر عن نشاطه في نشر الصور: "نشرت قبيل الحرب في مجموعة "صور اليمن القديمة"، قرابة 12 ألف صورة قديمة ونادرة، وهو عدد أضحى أكبر بكثير عما كان حينها، وما زال لديّ الكثير من الصور التي لم تنشر من قبل".
هكذا يستعذب جمع الصور وأرشفتها، ويتمنى أن يسهم جهده في حفظ تاريخ اليمن المصور، سواء للجيل الراهن أو للأجيال القادمة. يعتبر الصور قصة وتاريخ، ما يجعله يوليها الكثير من الوقت والجهد والاهتمام والعناية، إذ يحتفظ بالنسخ الأصلية في ألبومات متعددة، ويقوم بطبع نسخ لها وأرشفتها في ألبومات أخرى، إلى جانب إدخالها بالماسح الضوئي إلى الكمبيوتر ويحتفظ بنسخ منها في قرص خارجي وفي حسابه بموقع "جوجل"، مرفقًا مع كل صورة بياناتها.
وفي حين يطلق عليه بعض المهتمين والمختصين ألقابًا من قبيل: "ذاكرة تعز"، "ذاكرة اليمن المصورة"، يكتفي فهد بالقول: "أنا شخص يحب بلده ومدينته (تعز)، ولدي هواية جمع وتوثيق الصور القديمة والنادرة لهما".
من المعالم الأثرية التي يحتفظ فهد بصور لها: أبواب مدينة تعز القديمة، مثل "باب المَداجر"، "باب المَخلُولة"، وأجزاء كبيرة من سور المدينة القديمة ونوبات الحراسة فيه، و"المدرسة الأحمدية" (الثورة حاليًّا)، و"دار الناصر"، و"دار الضيافة" (مكتب المالية حاليًّا)، ومباني السفارات والمفوضيات الأجنبية، مثل الروسية "فندق الجند"، و"دار النصر" في جبل صبر (حاليًّا منتزه الشيخ زايد)، و"بوابة السمسرة" (سوق الحبوب ومقهاية الشُّعْبي)، و"الجامع الكبير" في حيّ "ثَعَبات"، و"نوبة الحَدَبة"، و"قلعة السراجية"، والمنارة القديمة لـ"جامع المظفر"، "جامع الظاهرية" ومنارته، و"المصلى"، و"مبنى وزارة الخارجية"، وكثير من المباني في مربع حيّ العرضي، حيث كان قصر الإمام أحمد حميد الدين (1948-1962).
ويتذكر فهد القليل مما بحوزته من صور لمعالم حوّلها القصف الجوي والمدفعي وهجمات الجماعات المتطرفة إلى أطلال، مثل: "جامع وقبة الشيخ عبدالهادي السودي"، و"منتزه الملك الأشرف" في الخط الدائري، والمباني المدمرة من "قلعة القاهرة" وأجزاء من جدرانها، و"قصر صالة" في الطرف الشرقي للمدينة. كما يتطلع لإتمام وطباعة كتاب تاريخي بعنوان "قصة تعز في صورة"، حيث يتناول الكتاب تاريخ المدينة عبر الصور؛ من أول صورة التقطت لها إلى آخر صورة، مع تضمين كل صورة نبذة عن المكان قديمًا وحديثًا.

•••
هشام سرحان

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English