عبدالرحمن جابر

رائد سبتمبري منسي وتنويري مُهمل
محمد عبدالوهاب الشيباني
September 23, 2021

عبدالرحمن جابر

رائد سبتمبري منسي وتنويري مُهمل
محمد عبدالوهاب الشيباني
September 23, 2021

(1)
ارتبط اسم عبدالرحمن جابر بالعهد الجمهوري الأول، وصار في ذلك الزمن الذراع القوي للرئيس عبدالله السلال في ذروة انقسام الصف الجمهوري في العام 1966. حينها تسنّم جابر أمانة رئاسة الجمهورية في ظل فراغ كبير، بسبب وجود الرئيس السلال في القاهرة لما يقارب عام كامل، فيما يشبه الإقامة الجبرية، وبقاء خصومه يتربصون بعهده.
الصورة الناصعة للرجل القوي ومهندس الارتباط بين الرئاسة المصرية والقصر الجمهوري بصنعاء، بدأت بالتواري بعد مرحلة انقلاب الخامس من نوفمبر 1967، وبقائه الطويل منفيًا في القاهرة مع نخبة من أسماء سبتمبر الكبيرة أمثال الرئيس السلال، وعبدالغني مطهر، وعبدالغني علي ناجي، وعبدالله جزيلان... وغيرهم.
وغير هذه الصورة التي أطّرته في مربع السياسة، كان جابر أحد التنويريين الكبار، بتبنيه أفكار كبرى تمجد العقل وتعري الخرافة. يتذكر الكثير من أصدقائه ومجايليه آراءً عقلية صارمة عبّر عنها بالمشافهة في اللقاءات والجلسات والحوارات المختلفة، وكان لكاتب المادة نصيب وافر من سماعها في أواخر أيام حياة قائلها.
قبل فترة ليست بالطويلة، حاولت عمل بورتريه (ناقص) عن عبدالرحمن جابر، مازجت فيه الشخصي بالعام (علاقتي القصيرة به، مع ما جمعته لاحقًا من نتف متناثرة من سيرته)، للوصول إلى إنتاج صورة مقربة صار عنوانها "عبدالرحمن جابر؛ الرجل الذي نفض عن عقله غبار الخرافة باكرًا".
واليمنيون يحيون الذكرى الـ59 لثورة الـ26 من سبتمبر/ أيلول، ارتأيت إعادة التذكير بسيرة جابر، بعد أن طالته، مثل غيره من السبتمبريين، سهام الإهمال وقسوة التغييب.
(2)
لسنوات ظلت هيئته المميزة تشدني إليه؛ قبعته، عصاه، لحيته البيضاء المشذبة، بدلاته "السَّفَاري"، وبعض النتف التي سمعتها عنه من بعض الأصدقاء والأساتذة. كنت أشاهده في مؤسسة العفيف الثقافية من وقتٍ لآخر؛ إما مستغرقًا في القراءة أو منهمكًا في حديث طويل مع أحد أصدقائه القدامى، مثل العفيف، أو الحضراني، أو الفُسَيِّل، أو أي شخص آخر من رعيل المثقفين الأوائل، الذين كانوا يجدون في مؤسسة العفيف، طيلة عقد ونصف، مكانًا حميمًا لتجمعهم ولقاءاتهم.
لم أتعرف به عن قرب إلَّا في أحد معارض صنعاء للكتاب منتصف الألفية الثالثة، حين جاء بخطواته المرتبة الثقيلة تقوده عصاه المميزة إلى جناح اتحاد الأدباء والكتاب، حيث كنت جالسًا بمفردي. استعرض عناوين الكتب المعروضة، وجرَّنا الحديث إلى العناوين وأسماء المؤلفين، ومشروع الإصدار الذي تبناه الاتحاد، وكان وقتها في ذروته. وبعد أن عرَّفته بنفسي، قال لي: اسمي "عبدالرحمن جابر"، ولم يزد. لكنه أثناء تنقله بين العناوين، انطلقت لسانه بمعرفة مدهشة عن الكُتَّاب والموضوعات والأحداث...، ولأني كنت أرغب في اكتشاف عوالم هذه الشخصية، لم أتركه و"تَشَعْبَطْتّ" (تمسكت) به أثناء جولة في الأجنحة القريبة، بعد أن أهديته ديوانيَّ الشعريين، الأول والثاني، وبعض إصدارات الاتحاد.


سُجن بسبب وشاية ولُفّقت له تهمة "الإلحاد"، وكان قريبًا من حبل المشنقة لولا تشفُّع إحدى نساء الأسرة المالكة من بيت الإمام عند والدها، ويقال إنها كانت قد رأته يؤم الناس في الصلاة بصوت جميل، فقالت لا يمكن أن يكون رجل كهذا ملحدًا.


كنت مرتبكًا من أن يعاملني كمتطفل تجاوز حدوده، لكني وجدته شخصًا سلسًا ومريحًا؛ يسألني عن الشعر وكُتَّابه ومذاهبه، كنوع من الاختبار، كما أحسست. تركته بعد حين في جناح مؤسسة العفيف، حيث كان يجمع مقتنياته من الكتب الكثيرة والثمينة أيضًا.
بعدها بأيام قلائل وجدته في مكتبة أبي ذر الغفاري بشارع "حَدَّة"، يتفحص العناوين ويداعب عمال المكتبة وروادها. وبعد السلام، فاجأني أنه يتذكر اسمي جيدًا، وإن ما أعجبه في ديواني الأول قصيدة "عدن التي تحرسها الفودكا"- كما قال ضاحكًا، ومن مجموعتي الثانية، التي كان يحفظ عنوانها: "أوسع من شارع.. أضيق من جينز"، ذكر قصيدة "نورهان الحضرمية وقبلة المسمار". تحدثنا قليلًا وتواعدنا أن نلتقي في مؤسسة العفيف، لكني لم أفعل لمشاغل وتكاسل، وحين كنت أجده بعد ذلك، ولكثير من المرات في مكتبة العُلُفي في "باب البَلَقَة"، عند "فهد مجاهد"، كنت لا أتركه إلَّا بعد أن يطوّفني في حديقة أفكاره الخضراء، التي لا يمكن لمستمع شغوف أن يمل من التنقل على أغصانها وزهراتها المشبَّعة بالرحيق.
لم يتطرق لسيرته وتجربته في الحياة في أيٍّ من أحاديثنا، رغم أني كنت أحاول جره إلى مربع الحديث عنها. تحدث نعم، لكن فيما هو عامّ ومعلوم لدي، ومع ذلك، لم يبخل عليَّ بآرائه الفكرية والسياسية المدهشة والصادمة، التي ظل يدافع عنها لعقود، ولو لم يتبقَ القليل من لهجة أهل تهامة عالقًا في لسانه، لما استدلّيت من أين هو؛ فسِحْنته وحضوره الطاغي كانا خليطًا عجيبًا من تصاوير حكماء الشرق المبجلين، وهيئاتهم المقدسة.
عرفت لاحقًا من كثيرين، ومنهم الأستاذ والصديق عبدالباري طاهر، أن عبدالرحمن جابر من مواليد منطقة الحسينية بمحافظة الحديدة، ولا يُعرف بالضبط كيف تشكّل وعيه باكرًا، بمعنى كيف درس وأين وكيف تشكل ثقافيًّا؟ لكنه عُرف بعد العام 1955، كأحد المقربين من ولي العهد محمد البدر، وموظفًا في ديوانه، حيث اشتهر بخطه الجميل وسعة ثقافته وآرائه المستنيرة الصادمة، التي أدّت إلى اتِّهامه بالإلحاد والهرطقة، إذ نَسبَ إليه الوشاة تربية حيوانات سماها بأسماء كبُر تقديسها وتصنيمها، والتشكيك بالهاشمية الإمامية وولاية البطنين، فسجن وكان قريبًا من حبل المشنقة، ولولا تشفُّع إحدى نساء الأسرة المالكة من بيت الإمام عند والدها، لما عاد جابر للحياة ثانية، ويقال أنها كانت قد رأته يؤمّ الناس في الصلاة بصوت جميل، فقالت إن مثل هذا الشخص لا يمكن أن يكون زنديقًا، كما يتهمه خصومه.
قال عنه عبدالغني مطهر في كتابه "يوم ولد اليمن مجده"، إنه وأثناء عمله في مكتب ولي العهد البدر في مدينة الحديدة، كان يصعد إلى السفن والبواخر القادمة من عدن إلى ميناء الحديدة بمبرر تفتيشها، لكنه كان يقوم، إضافة إلى ذلك، بإنزال المنشورات والمطبوعات الآتية من عدن، وأحيانًا أسلحة ويقوم بإيصالها إلى خلايا الأحرار؛ وفي إحدى المرات انكشف أمر أحدهم بقضية توزيع منشورات ضد نظام الإمامة، فتولى التحقيق في القضية من أجل تمييعها، حتى لا تنكشف أسرار كبيرة تتصل بحركة المعارضة لنظام الإمامة.  


لم يُعرف عن جابر قيامه بالتأليف أو الكتابة، رغم غزارة علمه وثقافته، لكنه ظل حتى آخر أيامه مؤمنًا بأفكاره مدافعًا عنها، بعقل خالص نقي، وعُرف بين مجايليه من المثقفين الأوائل، بالذكي والشجاع، والمستنير الكبير.


بعد ثورة 26 سبتمبر/ أيلول 1962، عمل برفقة الرئيس عبدالله السلال، الذي تعرف عليه قبل ذلك حينما كان السلال مديرًا لميناء الحديدة أثناء حكم النظام الإمامي، وعمل جابر معه ممثلًا لولي العهد في مشروع الميناء، فكان أشبه بمن وجد ضالته في الثورة ومشروع التغيير والتنوير. تولى جابر في عهد الرئيس السلال مواقع حساسة في مجلس الوزراء وفي الرئاسة، وكان آخرها "أمين عام الرئاسة"، لكنه بعد انقلاب 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، هرب من صنعاء إلى قريته في منطقة الحسينية، وتخفّى هناك؛ لأنه كان مطلوبًا للسلطة الجديدة. وحين عرف أن أجهزة الأمن على وشك القبض عليه، عاد إلى صنعاء متخفيًا أيضًا، ووصل إلى السفارة السوفيتية، حيث طلب حق اللجوء، وتمكن بهذه الوسيلة من مغادرة صنعاء على متن طائرة "الإيرفولت" السوفيتية إلى القاهرة. وحين علمت الرئاسة المصرية بوجوده، استبقته في القاهرة ضيفًا عليها، كما روى العديد من رفاقه، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته، حيث تفرغ كليةً للقراءة، وبدأت علاقته تكبر بالمفكر الكبير عبدالله القصيمي، الذي كان وقتها يقيم في القاهرة بعد أن كفّرته وأهدرت دمه المؤسسة الدينية المتشددة في السعودية. صار جابر مع الوقت خزانة أسرار القصيمي وكتبه المخطوطة(*)، وأحد المراجع الكبرى عن سيرته الفكرية الإشكالية.
ارتباط عبدالرحمن جابر بعبدالله القصيمي، كان امتدادًا مطورًا لعلاقة القصيمي القديمة والطويلة بالطلاب اليمنيين في جمهورية مصر وتأثيره الواضح فيهم، وبسبب ذلك شكَتْه حكومة الإمام للسلطات المصرية، التي قامت بسجنه لبعض الوقت، ثم نفيه إلى بيروت، أو كما يرد في سيرته: "وسجن في مصر بضغط من الحكومة اليمنية بسبب تأثر طلاب البعثة اليمنية في مصر بفكره لكثرة لقاءاته بهم".
حينما عاد جابر إلى صنعاء بعد الوحدة، تفرغ للقراءة واقتناء الكتب، التي صارت مع الوقت تشكل مكتبة كبيرة مشتتة بين مسكنيه في القاهرة وصنعاء، ولا أحد يعلم لأي جهة أوصى بها قبل وفاته.
لم يُعرف عنه قيامه بالتأليف او الكتابة، رغم غزارة علمه وثقافته، لكنه ظل حتى آخر أيامه مؤمنًا بأفكاره مدافعًا عنها، بعقل خالص نقيّ. ذاته العقل الذي نفض عن خلاياه غبار الخرافة والجهل باكرًا، فعُرف بين مجايليه من المثقفين الأوائل، بالذكي والشجاع، والمستنير الكبير.
(*) روى لي أحد الأصدقاء الموثقين أن بعض الجهات الرسمية في السعودية تواصلت مع عبدالرحمن جابر بعد أحداث الـ11 من سبتمبر/ أيلول 2001، من أجل استعادة بعض المخطوطات والمقالات والحوارات غير المنشورة التي كان يحتفظ بها للمفكر القصيمي، ومنها كتب مخطوطة لم ينشرها في حياته. وبقي جابر رافضًا فكرة تسليمها لأيٍّ من الجهات التي رغبت بتَنْصيع وجه النظام السعودي عبر طرق، منها نفي تهمة "دعم الإرهاب" عنه من خلال إظهار اهتمامه بالمنتوج الفكري للقصيمي، الذي أهدر النظام نفسه دمه، وتركه يعيش مشرّدًا عن أرضه لأكثر من 50 سنة. وبدلًا من ذلك، قام جابر قبل وفاته في العام 2012، بتسليم ما بحوزته من مخطوطات القصيمي لأحد أبنائه.

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English