في المقهى حكاؤون بذاكرة من شجن قديم

عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (1)
محمد عبدالوهاب الشيباني
March 11, 2021

في المقهى حكاؤون بذاكرة من شجن قديم

عبدالرحمن الحرازي وسيرة الظل (1)
محمد عبدالوهاب الشيباني
March 11, 2021
  1. عن مقهى عبدالجبار 

حينما كانت خياراتنا متعددة، في منتصف التسعينيات، لاختيار المقاهي التي نلوذ بها، كنا في معظم المساءات، نفضِّل الذهاب إلى مقهى عبدالجبار الصلوي (أبو رفعي) في الدائري الغربي، بموضعه الذي كان يتوسط وقتها العديد من أماكن تواجد وسكن الكثير من الأصدقاء والزملاء؛ فقد كانت بالقرب منه صحيفة "الوحدوي" الناصرية، وصحيفة حزب الحق "الأمة"، وسكن بعض أساتذة جامعة صنعاء، ومكتب المحامي عبدالكريم الحمادي الذي كان ملتقى وسكن بعض الأصدقاء، و(عزبة الصحافيين) الشبان في شارع الزراعة، التي كان يقول عنها صديقي الراحل فارس حمود غانم مازحًا: "من هذه الحفرة ستتم السيطرة والتحكم في الخطاب الإعلامي الجديد في اليمن"، وليس ببعيد عن المقهى أيضًا، كان مقر اتحاد الأدباء بمقيله الرجراج؛ لهذا صار المقهى مكانًا حميميًّا لتجمعنا المسائي ولفترة طويلة.

 صاحب المقهى الوديع ببنيته الصغيرة، ولهجته الريفية الحُجرية المحببة، وملابسه الشعبية البسيطة، كان عاملًا مؤثرًا في اجتذاب الجميع إلى مقهاه الشعبي لبساطته وتسامحه، وتحوله مع ولده إلى جزء نشط في النقاشات الحامية على الطاولات المتهالكة. مر على هذا المقهى كثيرون، ويكفي أن يستعاد بالتذكر ليتوهج في رحلة الزمن كحالة مختلفة، تحيل إلى صورة مريحة من صور حال اليمن، قبل حروب الضغائن والتهافت الصغير. 

 لم يزل صامدًا، هذا المقهى، بكراسيه وطاولاته العتيقة، وبوجباته الشعبية البسيطة، (من خبز الطاوة، والسندويتشات، والبيض المطبوخ على الصاج)، والأهم بوجود صاحبه المعتق، وولده رفعي، وعمه عبدالرحمن وهيثم، ولم يزل يرتاده، حتى اليوم، بعضٌ من وجوه الأيام الخوالي من المثقفين والناشطين، وإن رواده المسائيين من "ماركة" ذلك الزمن، صار هناك من يشبههم كثيرًا من الرواد الصباحيين، بلكناتهم المتعددة وملابسهم التي تحيل إلى أنحاء من متفرقة من اليمن المتهتك اليوم.

لم يزل رفعي يترك ملعقة تقليب الخبز على الصاج الحديدي وينضم للنقاش المحتدم، بذات الكيفية التي كان يفعلها قبل عشرين سنة مع الكتاب والصحافيين الشباب، قبل أن تتلبسه حالة من التدين الصلب، كانت الأيام كفيلة بتفكيكها؛ أما عبدالجبار فيترك سكين تقطيع السندويش و"كتالي" الشاهي الصفراء في عمق المكان، ليقفز بسرعة لقول رأي شجاع على رؤوس الأشهاد في أي مسألة خلافية، ثم يعود مقهقهًا لقلاصاته وملاعقه وسكاكينه في الداخل.

طاولتان تجمعنا صباحًا، بالكيفية الماضية ذاتها، ومن كانوا يجلسون عليها من أدباء وصحافيين وناشطين شبان من كل البلاد، ممتلئون بالحماس والتفاؤل، قبل ربع قرن، صاروا اليوم -وأنا واحد منهم- مجموعة من الكهول الذين عركتهم الحياة، وبعد أن ضحكت عليهم الأيام كثيرًا، صاروا اليوم يُخرجون ألسنتهم لها كأطفال مشاغبين، يبددون وقتهم في الضحك والنقاش والمزاح المحبب.

الحرازي متوسطا الكاتب وعبدالجبار الصلوي
في أول جلسة ظهر مرتبكًا، وليس بتلك العفوية التي أعرفها عنه، ولم تطاوعه كثيرًا لسانه، لكنه في القعدة التالية حضر ومعه ألبوم صور يوثق لمراحل حياته

(2) عن عبدالرحمن الحرازي

في كل مرة ينضم إلى الجالسين على الطاولة، بهيئته المرحة وبشاشته، وبملابسه الشعبية البسيطة، ولهجته الصنعائية المحببة، ينقلب حال الجالسين إلى كتلة من المرح المنفلت، الجميع يحبونه ويمازحونه بلغة بسيطة، ويرد عليهم بذات الكيفية. في كل مرة أتحاشى الدخول في وليمة المزاح مع الرجل لأسباب لم أتيقن منها، وبقيت لكثير من الجلسات أكتفي بتأمل ملامحه وهيئته وملابسه، وتتبع قليل من أحاديثه وتعليقاته الذكية واللماحة بكثير من الحماس.

 يتميز عن الجالسين بكوفيته البيضاء المشغولة بخيط مفتول ناصع البياض، بوجهه الحليق دائمًا، بملابسه النظيفة؛ بصحته المتماسكة، رغم بلوغه من العمر ثمانين حولًا.

لا أدري كيف أتى، ذات جلسة، ذكرُ سبتمبر في حديث عابرٍ، فقلت بكل عفوية، إن عبدالرحمن بهيئته يشبه رجالات سبتمبر، بعد أن أحالهم نظام صالح إلى مجموعة من المتقاعدين، يجولون بين المقايل بكوافيهم البيضاء وأثوابهم وشيلانهم المزركشة، يستجرون مجدهم من أطراف الحكايات، فضحك الجميع، إلاَّ فيصل قمحان الذي قال، إن عبدالرحمن سبتمبري معتق، وحكاياته عن ذلك التاريخ لا تُمَلّ، ولا يقدر على تصريفها بالكتابة، فقلت أنا من سيصرفها؛ فقط هو يحكي ما لم يُسمع وما لم يُكتب فيما قرأناه من المذكرات، وأنا سوف أكتب وأحرِّر ما يمليه عليَّ، ولم أكن متيقنًا تمامًا من تنفيذ وعدي الذي قطعته إلَّا حينما طلبت من رفعي قلمًا وورقة بيضاء، من تلك التي يَلُّف بها السندويتشات وخبز الطاوة، واستأذنت عبدالرحمن الانتقال معي إلى طاولة ثانية، لتدوين ما سيقول بعيدًا عن الضجيج.

في أول جلسة ظهر مرتبكًا، وليس بتلك العفوية التي أعرفها عنه، ولم تطاوعه كثيرًا لسانه، لكنه في القعدة التالية حضر ومعه ألبوم صور يوثق لمراحل حياته، كانت بالنسبة له مثل الدليل الحكائي في رحلة الزمن، وفي جلسة أخرى أحضر ألبومًا لصور قديمة عن اليمن، أصدرها مكتب صداقة وتمثيل تركي في اليمن، فكانت صور المدينة الباكرة أشبه بإبحار خارق في جغرافيا المكان، الذي احتضن كل أحداث السيرة، وفي كل مرة، بعد ذلك، كان يحضر بحيوية ونباهة شديدة، ولسان استعادت عافيتها وتلقائيتها. صارت ذاكرته تتوقد مع كل إشارة أُطلقها عن حدث أريد الاستفسار عنه.

كتبت ذات مرة عن الفنان الراحل رشيد حريبي، أنه يحمل الأغاني مثل رفات الأسلاف، وها هو اليوم عبدالرحمن بن غالب بن علي الحرازي الآنسي يحمل حكاياته في ذاكرته الثمانينية؛ العشرات ممن عرفوه سمعوها من لسانه الطليق وبدون تشويش وارتباك ونسيان، لكن ليس منهم من تحمس لتصير مرويًّا مكتوبًا، وليس مشافهات متناثرة تنسكب على طاولة في مقهى، أو مقيل عابر في عصاري صنعاء.

 على مدى عشر جلسات متقطعة، دونت الكثير من حكاياته المدهشة، التي لم تزل ذاكرته الطرية تختزنها بتفاصيلها الدقيقة، بوقائعها الزمنية، وتعيناتها المكانية، والتي تصير كمسرود عفوي غير متعالٍ شهادة حقيقية عن حال اليمن عشية ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وأثناء اشتعالها، والسنوات التي تلتها، بما حملته من أحداث كثُرت رواياتها عبر سياسيين وقادة عسكريين وباحثين ومراقبين، كان الفاعل الحقيقي فيها قناعاتهم وانحيازاتهم بأبعادها الأيديولوجية والمناطقية وحتى الطائفية، وليس ذلك التدوين التلقائي والعاري من المجمِّلات وافتعال البطولات كما هو حاصل مع الراوي هنا.

يروي عن حصار السبعين بتفاصيله الدقيقة، يرويه بدون فذلكات وحسابات، عن تخريب بيوت الملكيين في صنعاء القديمة ونهب أخشابها ونوافذها وأبوابها من أجل التدفئة وطهي الطعام في شتاء قارس

مثلًا، في قراءاتي المتعددة، لم أجد من المدونين لمذكراتهم وشهاداتهم من توقف باستفاضة أمام وقائع مظاهرات الطلبة في مدارس صنعاء التي خرجت في يونيو 1962، وإن أشاروا إلى ذلك هنا أو هناك، كما فعل جار الله عمر في مذكراته التي صدرت مؤخرًا في بيروت، غير أن التفاصيل الدقيقة لتلك المظاهرات يستعيدها عبدالرحمن الحرازي وكأنها حدثت بالأمس، ويمكن أن تصير نصًّا سرديًّا رفيعًا، إن هي وقعت بين يدي قاصّ صبور، مثلها مثل سرديته عن تفاصيل صباح أول أيام الثورة واستشهاد أحد رفاقه أمامه برصاص عكفة البدر، ومشاهدته لحادثة إحراق دبابة محمد الشراعي وعبدالرحمن المحبشي من قبل أشخاص ذكرهم بالاسم، وخروج الإمام البدر من بوابة دار البشائر الشمالية الصغيرة، وكيف أن جيرانه رفضوا استقباله في المسكن الملاصق للدار، واستقبلته أسرة متعهد مطبخ المدرسة العلمية بالقرب من جامع حنظل، التي زودته مع مرافقيه بالطعام والماء قبل أن يغادروا غربًا باتجاه ضلاع همدان، وعن تشكيله مع رفاقه فريقًا لكرة القدم أطلق عليه اسم الجمهورية، في وقتٍ كان لعب الكرة محرمًا، فما بالكم بملفوظ الجمهورية، عن حسني مبارك حينما كان مسؤولًا عن الطيارين المصريين في اليمن وطباخه، روى حكاية المسكوت عنه في التاريخ البعيد لرئيس سينشغل به العالم بعد نصف قرن، عن بيت المطهر وشذوان القصر وضباط الاستخبارات المصرية، عن حميد حسين الأحمر (العم) حين كان حاكمًا لصنعاء تحدث، وعن شيوخ القبائل الذين أخافهم خطاب الإمام بعد عودته من روما، فغادروا صنعاء من أسوارها، عن سيارة الجيب العسكرية التي صعد بها مع قاضٍ لا يعرفه سيصير بعد ساعات رئيسًا للبلاد في يوم الخامس من نوفمبر عام 1967، عن الأب الذي أخرج ابنه من كلية الطيران لمجرد اعتقاده أن من يطير في السماء كافر. يستعيد صورة الشقيق الذي حاصرته النيران في مفرج دار البشائر صباح الثورة، فقفز إلى بركة الماء ممسكًا بأطراف ثوبه المملوء بالعنب العاصمي، الذي أخذه من سفرة الإمام الهارب. عن العسكري الذي طعن رفيقه للاستيلاء على صندوق من المجوهرات كان قد نهبه المطعون من حرملك القصر، عن نصف الكدمة اليابسة التي صنعت واحدًا من أهم حراس المرمى في تاريخ اليمن المعاصر، عن صورة عبدالناصر التي هبطت على مظاهرة فأشعلت ثورة في أوساط الطلاب، وعن الفرز العرقي الذي استخدمه نائب رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيال طلاب المدرسة، وصنفهم بين "سيد" مطلق السراح و"عربي" مسجون. حصار السبعين بتفاصيله الدقيقة يرويه بدون فذلكات وحسابات، عن تخريب بيوت الملكيين في صنعاء القديمة ونهب أخشابها ونوافذها وأبوابها من أجل التدفئة وطهي الطعام في شتاء قارس، روى كثيرًا، عن المطار البديل المستحدث في قلب الحقول الزراعية في غرب المدينة حتى تهبط فيه طائرات نقل عسكرية تحمل الجاز والسكر والدقيق لسكان المدينة المحاصرة، وكان أحد المشرفين على توزعيها على السكان مجانًا. عن حال البؤس والفقر والجوع الذي عاشه اليمنيون، فجاءت ثورة 26 سبتمبر كمنقذ للجميع، تحدث بألم ومرارة. وإلى جانب ذلك أسمعني عشرات الحكايات التي نهضت على مشاهدته الحية للوقائع والأحداث ومعايشته لها، وليس ما سمع عنها من غيره. 

سيرة ظلية تحررت من سطوة التكتيك، وحسابات المنفعة، ليصير فيها الهامش متنًا والظل شمسًا، والقول شهادة لا ترتجي تنصيعًا لتاريخ شخصي مهزوم.

"يتبع"


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English