"التوافق" سبيل اليمن للمستقبل

التاريخ كان قد توقف في اليمن فقامت ثورة 26 سبتمبر
محمد راجح
September 30, 2020

"التوافق" سبيل اليمن للمستقبل

التاريخ كان قد توقف في اليمن فقامت ثورة 26 سبتمبر
محمد راجح
September 30, 2020
اللواء محمد العومري واللواء علي الحيمي

   بغض النظر عن المسارات التي سلكتها الثورة وما عاشته اليمن طوال العقود الماضية منذ قيامها، يحسب لثورة السادس والعشرين من سبتمبر أنها حطمت أسوار الخوف، وبفضلها انطلق الشعب اليمني من أقصاه إلى أقصاه يبحث عن الحرية والعلم والمعرفة.

   صحيح لم تحقق الثورة كامل أهدافها، لكنها فتحت المجال للشعب كله، لم يبقَ العلم محتكَرًا فقط لأسرة الإمام وأقاربه وأعوانه، التعليم كان يمثل معجزة في تلك الفترة؛ لأنه منعدم تمامًا في المناطق الشمالية، الجهل كان هو الطاغي والمخيم على هذه المناطق، كان هناك شعب منسي. 

   التاريخ كان قد توقف في اليمن وجاءت ثورتي سبتمبر وأكتوبر، حركتا المياه الراكدة وأعادتا البلد إلى التاريخ، مشكلة اليمن أنه بعد قيام الثورتين واستقرار الجنوب وانتصار ثورة سبتمبر في الشمال بدأت الحرب الباردة والصراع بين القطبين، الاتحاد السوفيتي مع الجنوب والعالم الغربي مع الشمال، على أساس أن كل طرف يحاول فرض نظامه، سواء الاشتراكية أم الرأسمالية.

ثورة اليمن كانت نموذجًا فريدًا في المنطقة والعالم وقف معجبًا ومؤيدًا ومتعاطفًا مع ثورة شعبٍ كان قد دخل في مرحلة النسيان ويعيش فيما قبل التاريخ، ألمانيا الغربية اعترفت بثورة اليمنيين بعد أسبوع، والاتحاد السوفيتي بعد 48 ساعة، والولايات المتحدة بعد شهر، وكان مشهدًا تاريخياً في نيويورك، عندما أرسل مندوب اليمن محسن العيني إلى الأمم المتحدة للدفاع عن قضية اليمن، وكان مندوب النظام الملكي لايزال موجودا هناك.

تعلق ثوار 26 سبتمبر بالوطن بكل عيوبه؛ فالناس في هذا البلد طيّبون ويحبون الحاكم العادل حتى على مستوى عاقل الحارة؛ لذا احتاجت اليمن طوال العقود الماضية للحاكم القوي العادل الذي يجمع اليمنيين بكل اختلافاتهم وتنوعهم حوله

   بعد اعتراف أمريكا بالنظام الجمهوري تبعتها دولٌ عديدة، وتم تمكين اليمن الجمهوري من مقعد الأمم المتحدة رغم أن بريطانيا وفرنسا والمغرب والسعودية رفضت الاعتراف بها، لكن كانت هناك روسيا وأمريكا، قطبا العالم في ذلك الوقت، وكانت اليمن نقطة توحدهم رغم خلافاتهم كدول عظمى تسعى للهيمنة في العالم، تفهموا أن ما حدث في اليمن كان حركة تحرر وطنية.

حركة وطنية

   تعلق ثوار 26 سبتمبر بالوطن بكل عيوبه؛ لأنه بلدهم في كل الأحوال، تعاملوا مع كل اليمنيين بدون تمييز، فالناس في هذا البلد طيبون ويحبون الحاكم العادل حتى على مستوى عاقل الحارة، لذا احتاجت اليمن طوال العقود الماضية للحاكم القوي العادل، الذي يجمع اليمنيين بكل اختلافاتهم وتنوعهم حوله.

   في العام 2013، التقيت المناضل السبتمبري حمود بيدر، في مهمة صحافية للحديث حول ثورة 26 سبتمبر، في ذكراها الحادية والخمسين. قال بيدر: "كنا حركة تحرر وطنية، تحرير الإنسان اليمني من الظلم ومن القهر، الذي يعد أهم مكون للثورة يدعو لهذا الأمر المتمثل ببناء نظام جمهوري عادل وإنشاء مجتمع ديمقراطي"، لكن بيدر تأسف على أن ذلك لم يتحقق، "لم يكن هناك عدالة ولا ديمقراطية".

   كان حمود بيدر ضمن الدفعة الثانية في الكلية الحربية، وشاءت الأقدار أن تكون نواة للتغيير التاريخي، الذي غيّر النظام الملكي الإمامي إلى الجمهوري.

   اليمن بالذات بحاجة إلى توافق ليطمئن الناس على مستقبلهم، كانت أمنية حمود بيدر في الفترة التي أعقبت ثورة 11 فبراير 2011، أن يتم العودة إلى دستور دولة الوحدة، تحت مظلة مجلس رئاسي يدير البلاد، وأعضاؤه يختارون واحدًا منهم لرئاسة المجلس، ويتم تحديد فترته بالدستور بفترة واحدة أو فترتين؛ لأنه عندما يكون هناك مجلس رئاسي فسيكون فيه تمثيل نسبي، وبالتالي لن نسلم رقابنا -كما قال- "لرئيس واحد، فقد جرب اليمنيون ذلك من قبل مع المشير السلال ومع علي عبدالله صالح".

   يجب أن يكبر تفكير الساسة في هذا البلد، الحياة مستمرة، سواءً كنت رئيسًا أو وزيرًا أو في أي منصب، ليس بالضرورة أن تظل زعيمًا وقائدًا ومسؤولًا، قال بيدر، "لا، المسألة ليست هكذا، أنا كنت وزير ورئيس أركان وعضو مجلس قيادة الثورة، والسفير الخاص بالرئيس السلال ومبعوثه إلى القادة والرؤساء والزعماء، لكن ما الذي جرى لي الآن؟ لا شيء وليست هناك أي مشكلة، لقد أدّيت واجبي بقدر المستطاع، أخفقت وأصبت، والآن أنا في بيتي مرتاح الضمير، إذا كنت خنت بلدي وشعبي ما ظللت هنا، كنت خرجت خارج البلد لأعيش في أي بلد آخر".

ثورة واحدة في اليمن

   كان الأمل هو الطاغي كما في هذه الحادثة التي وقعت في تعز عندما حدثت أحداث الحوبان مع عسكر الأمام أحمد، بعدما نهب العسكر وخربوا ودمروا ممتلكات الناس. ثاروا عليه، لكن رغم ذلك كانت تعز الطليعة الأولى للثورة اليمنية، كان الوعي في مستوى كبير بحكم القرب من عدن والتغيرات التي كانت تحدث هناك والهجرة إلى الخارج والدول المجاورة، وبمجرد انطلاق الشرارة في صنعاء، وبشهادة كثير من السبتمبريين، الجيل الأول من الثورة، هب أهالي تعز وإب ولحج وغيرها مهرولين إلى تعز وإلى صنعاء للتأييد والمباركة، ويطالبون بحمل السلاح للدفاع عن الثورة.

   ثورة 26 سبتمبر مثلت مستقبل كل اليمنيين، وحسب الشواهد التاريخية فقد كانت أرحب من المطار إلى الجوف حرسًا وطنيًّا، ومن قام بتحريرها شباب جاؤوا من تعز وإب وعدن، وكان بعضهم يموت من شدة البرد كما يروي مناضلون سبتمبريون وثّقوا تلك اللحظات. أغلب هؤلاء كانوا صغار في السن، شباب ما بين  15 إلى 22 سنة، الكل يعيش على أمل المستقبل، وكانت هناك قناعة تامّة بأن اليمن الجديد سيكون أفضل من القديم، ودخلوا في مرحلة صعبة، وفرضت عليهم حروب، ما يقرب من 40 جبهة في الشمال والجنوب، الإنجليز في الجنوب، والسعودية في الشمال.

   كثير من ثوار سبتمبر وأكتوبر يعتبروها ثورة واحدة لا ثورتين، بدأت من صنعاء في 1962، وتجاوبت معها المناطق المحتلة في الجنوب في 14 أكتوبر 1963، انتقل ثوار من جنوب اليمن للقتال في الشمال، وعندما عادوا بالأسلحة لمناطقهم حاول الإنجليز سلبهم الأسلحة لكنهم رفضوا، وهنا اندلعت ثورة أكتوبر.

   أهدافهم كانت موحدة في كل شيء، كان الجندي في الشمال يحصل على راتب 25 ريالًا، وفي الجنوب كان المبلغ نفسه، الضابط في الشمال 40 ريالاً، والمبلغ نفسه 40 ريالاً في الجنوب. حدثني ثوار سبتمبريون أن الأمر وصل إلى أن الرغيف اقتسموه معًا.

   إلى أن قامت الوحدة وهب الجنوبيين إليها باندفاع كأنها الجنة. كانت المشكلة في التعددية؛ لأنها فرخت أحزابًا عديدة ودينية بدرجة أساسية، رغم أن الهدف من هذه التعددية كان قبول الحزبين الموقعين على اتفاقية الوحدة، لبعضهما، لكنها تفرعت إلى 80 حزبًا، وضاع محتواها.

أحرار في غياهب النسيان

   لا يعرف كثيرون المناضل السبتمبري محمد العومري، الذي وجد نفسه في سن الرابعة عشرة بين جموع المتظاهرين من مدرسة الأيتام، للمطالبة بحقوقهم في ميدان "شرارة"، (التحرير حاليًّا)، في قلب العاصمة صنعاء نهاية الخمسينيات.

   تحول اللواء محمد إلى متهم مع عددٍ من زملائه بعد إحراق عربة عسكرية أثناء المظاهرة، وتم اقتيادهم إلى تعز للفصل بأمرهم من قبل الإمام، كن أمرهم انتهى بعد سلسلة من الإجراءات والمغامرات بتهريبهم إلى عدن، ومن ثَمّ العراق، كأول دفعة يتشكل منها ضباط العمل السري.

   وثقت قصة هذا المناضل لصحيفة الثورة، التي حملت اسم ثورة سبتمبر بعد تأسيسها الذي تم عقب قيام ثورة 26 سبتمبر. قال العومري: "سافرنا العراق مطلع العام 62، وظللنا هناك قرابة 6 أشهر، كانت المسألة في البداية هروبًا من السجن بعدما حكم علينا الإمام أحمد بالسجن، وكنت في سن الرابعة عشرة، وكان الحكم علينا هو قطع رؤوسنا بعد أن نصل لسن15 سنة".

   يضيف: "السبب هو أنه حصلت مظاهرة، وكانت الأخيرة، حدثت في العام 1961، كان يقودنا حمود علي المحفدي، بحكم أنه أكبرنا سنًّا، للقيام بمظاهرة بميدان "شرارة" الذي يسمى الآن التحرير، وقمنا بإحراق عربة عسكرية، وكانت أكبر جريمة بالنسبة لنا".

اللواء محمد العومري من طلائع ثوار سبتمبر وتنظيم ضباط الأحرار

   المظاهرة كانت عبارة عن مطالبات بتحسين أوضاعهم في مدرسة الأيتام، لكن كما قال العومري: "تم إلقاء القبض علينا من قبل "شيخ الليل" صالح النعامي، أوصلنا إلى مدير الأمن العام عبدالله الضبي، الذي حاول أن يهربنا لكنه لم يستطع، قاموا بإرسالنا إلى تعز على سيارة لاندروفر كانت تسمى "سان لاهب"، كانت الطريق وعرة، وكان عددنا عشرة أشخاص".

   واصل حديثه قائلًا: "عندما وصلنا إلى تعز، قام القاضي الشامي بإخبار الإمام عنا، وقال له هؤلاء لديهم من يقودهم، ولكن عندما يصلون السن القانونية اقطعوا رؤوسهم".

   ووفق حديثه: "أرسلونا بعد ذلك إلى سجن "السنارة" في صعدة، وفي الطريق إلى هناك، عندما وصلنا إلى نقيل "الغولة"، يبدو أن الشاوش الذي كنا برفقته راجع نفسه، وصمم على الهروب بنا، فقام ببيع بندقه بنقيل الغولة لأحد المشايخ المعروفين بنضالهم ضد الإمامة، وكان ابنه شهيدًا، قطع الإمام رأسه في ثورة 55، باع البندق بـ 13 ريال وهربنا على طريق عدن، وصلناها بعد حوالي ثلاثة أسابيع مشياً على أقدامنا".

   هنا أيضًا مقتطفات أخرى مما قاله: "عندما وصلنا عدن ذهبوا بنا إلى عند أحمد المروني ومحسن العيني والنعمان، وذلك في منطقة المعلا، الذين قاموا بالتنسيق لنا للدراسة هناك وبقينا حوالي شهر، بعد ذلك قرروا إرسالنا لدراسة الأسلحة في العراق، حيث كانوا على اتصال بعبدالكريم قاسم".

   "سافرنا إلى العراق عن طريق البحر، نزلنا في منزل الرئيس عبدالكريم قاسم، كان هناك اهتمام كبير بنا من قبل القيادة العراقية، وقاموا بإرسالنا إلى مدرسة أسلحة في وحدة للجيش العراقي، طلبوا منا نوعية الأسلحة التي هي موجودة في اليمن من أجل أن يدربونا عليها، مثل البشلي والجرمل والموزر، ودرّبونا عليها إلى جانب أسلحة ثقيلة تعلمنا عليها، مثل الدبابات والرشاشات المتوسطة والخفيفة".

    "استمرت فترة تدريبنا في حدود 6 أشهر، وتخرجنا برتبة عريف، وتم إعطاؤنا أسماء وألقاب مختلفة عن أسمائنا وألقابنا، ومن ثَمّ تمت إعادتنا إلى عدن ومنها طلعنا مباشرة إلى صنعاء بواسطة ضباط أحرار، منهم مراد زامل، وعتيق الحدّي، ومحمد مطهر زيد، وعلي عبدالمغني وغيرهم".

أحمد جابر الروحاني، من ثوار سبتمبر وأحد أفراد سرية لواء الجوفين

   وصل العومري إلى صنعاء باسم مختلف، واستطاع قريبٌ له من الشخصيات الدينية الجليلة والمشهورة بصنعاء من إلحاقه بفوج البدر ودفع عنه 7 ريالات، وانضم مع زميلين آخرين: أحمد ناصر البخيتي وناجي بن علي القوسي، وكان هناك تدقيق في الإجراءات الخاصة بالتحاقهم بفوج البدر، حيث التحقوا كخلية من الخلايا التابعة لتنظيم الضباط الأحرار.

مأزق بحاجة لتوافق

   كان تنظيم الضباط الأحرار صفين؛ صف قديم وصف جديد، وكان في الصف الجديد مناضل سبتمبري يدعى علي الحيمي، وكان هذا الصف عبارة عن خلايا سرية منظمة للغاية، وعدد أكبر خلية لا تتجاوز الـ 5 الأفراد.

   كانت الاجتماعات تتم في بيوت محددة، مثل بيت أحمد بيدر شقيق اللواء حمود بيدر، وكان لكل خلية مقر، وبعض الخلايا كانوا "نوب" بدائر صنعاء (أي حرس في نوبات سور صنعاء)، كان من طبيعة أهل صنعاء الخروج للأكل في هذا المكان، وكان هناك من يقوم بتأمين هذا المجلس، مثل حمود المحفدي.

   ارتبطت الخلايا فيما بينها بواسطة شفرات معينة، وكان الكثير لا يعرفون بعضهم بعضًا، حفاظًا على سرية التنظيم. 

   في صنعاء اشتُهر دكان ناصر الكميم، كان هو المكان الذي توزع منه التنسيقات أو المهام، وكان عبارة عن غرفة عمليات، إلى حد أنه كان يدفع أموال لبعض الأفراد لشراء ذخيرة "الشيكي"، وتستخدم للدبابات مول 34 اسمها تكتاروف قديمة، كان هذا السلاح "الشيكي" موجود مع فوج البدر، وعلي عبدالمغني، وكذا كان هناك مطهر زيد، كانوا يقومون بجمع الذخائر إلى دكان الكميم.

   مجموعة من الضباط إلى جانب العومري، كانوا عبارة عن مراسلين من خلية إلى أخرى، وأبرز بيت للاجتماعات كان هو بيت علي أبو لحوم، المنزل الأكثر استيعابًا للمناضلين، علي عبدالمغني كان بمثابة منسق بين الخلايا والموزع لتحركاتها، ومعه محمد مطهر زيد، ومعهم أحد الضباط النشطاء علي بن علي علاية ومحمد مرغم.

   تفشت المتاجرة بالقضايا الوطنية كمرض، بينما تم تهميش الوطنيين الحقيقيين، كانت هناك أنانية كبيرة تلت ثورة 26 سبتمبر، ومن تحمل المسؤولية بشهادة كثير من ثوار سبتمبر "خانوا أمانة أنفسهم".

   طبعًا بعد كل هذه الفترات من العمل النضالي تم تهميش العومري ومئات من المناضلين الأحرار، الذين ضاعت حقوقهم. كانوا وطنيين، الوطن فقط هو هدفهم وهاجسهم ومن أجله ناضلوا، بلغت بهم المعاناة مبلغها "بعدما ركب الانتهازيون على ظهر الثورة، كانت اليمن فقط هي نصب أعينهم وتفكيرهم، لم تكن في عقيدة ثوار سبتمبر وأكتوبر أي مصطلحات تفرقة أو تجزئة، لم يكن هناك شمال أو جنوب، كانت هناك اليمن فقط، التي أصبحت بحاجة لمثل هؤلاء لإخراجها من مأزقها، وفق توافق شامل وبرنامج وطني يصطف حوله الجميع.


إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English