دُورُ السينما في اليمن

اندثار سمةٍ جديدةٍ للمجتمع المتسامح والمتحضر
خولة فؤاد
May 11, 2020

دُورُ السينما في اليمن

اندثار سمةٍ جديدةٍ للمجتمع المتسامح والمتحضر
خولة فؤاد
May 11, 2020
|

في منتصف السنة الفائتة، كانت مدينة تعز مسرحاً لسجالٍ ثقافيٍّ بين مجموعاتٍ شبابيةٍ، حاولتْ عرضَ فيلمٍ سينمائيٍّ يمنيٍّ، وبين جماعاتٍ دينيةٍ، رأت أن هذا الفعل ستكون "له تبعاتٌ أخلاقيةٌ ودينية"، حسب تعبيرها.

   انتهى هذا السجالُ بإلغاء فعالية العرض؛ فيما يمكن اعتبارُه رضوخاً لحمْلة رجال الدين. وحمّل المنظِّمون المسؤوليةَ "مسلحين متطرفين هددوا القائمين على العرض بالتصفية الجسدية".

   ومع الحرب الضروس التي تشهدها البلاد من أكثر من خمس سنوات، تقلصتْ مساحة التعبير المدنية لصالح سلطاتٍ سياسيةٍ ودينيةٍ متعددة. وفي ظل غياب النشاطات الثقافية وعدم وجود سلطة مركزية لتشجيعها وحمايتها، تندثر يوماً عن يومٍ فعالياتٌ ونشاطاتٌ كانت في يومٍ من الأيام سمةً للمجتمع المتسامح والمتحضر.

بداية السينما في اليمن

   يعود ظُهورُ دُور السينما إلى خَمسينيات القرن المُنصرم مع الاحتلال البريطاني بافتتاح أول سينما في عدن، وهي سينما "هيركن"، والتي لا تزال أطلالها حاضرةً إلى الآن، وقد زارها الفنان والمُمثل المصري فريد الأطرش في عام 1954، خلال زيارته إلى عدن.

   وكانتْ دُورُ العرض في عدن، حتى نهاية ستينيات القرن الماضي، تعرض، بالتزامن مع القاهرة وبيروت، أحدث ما تُنتجه السينما العالمية. 

   أما في الشمال، ففي كتاب "كنت طبيبة في اليمن"، الذي ترجمه مُحسن العيني، تذكر كلوديا فايان، والتي وصلت اليمن عام 1951، قصةَ مُستثمرٍ أجنبيٍّ حاول فتح سينما في صنعاء وتعز، إبان حُكم الإمام يحيى (1904-1948). ولكن قابله الإمام بشروط تعجيزية؛ وهي ألّا يُظهِر أي ممثلةٍ، وألّا يكون في الأفلام أي شيءٍ يخالف التعاليم الإسلامية. والشرط الثالث، أن يُدخل رعايا الإمام "الشعب" هذه السينمات بالمجان؛ أي، وبصريح العبارة، أراد الإمام القول: اذهب فلا يُمكن أن تُفتح سينمات هُنا .

   ومع فترة حكم الإمام أحمد حميد الدين (1948-1962)، ذكر الدبلوماسي الروسي د. أوليغ بريسيبكين في كتابه "اليمن واليمنيون في ذكريات دبلوماسي روسي"، أن السينما، مع شيءٍ يسيرٍ من الضيافة، كانت جزءاً هاماً من العمل الدبلوماسي. ورغم إنها كانت محظورة في البلد، إلا أن بعض المقربين من حاشية الإمام أحمد، وفي المنازل الغنية، كانوا ينظمون عروضاً لأفلام السينما المصرية والهندية، في حلقاتٍ ضيقة.

   وكان بريسيبكين يشرح وصوله إلى اليمن عام 1959، ضمن البعثة الدبلوماسية لبلاده، والتي كان مقرها في تعز. وقال إن المقر كان يتألف، في طابقه الأول، من قاعتين كانت تُقام في إحداهما المآدبُ للضيوف والأخرى يجري فيها عروضُ أفلام السينما، وإنه كان مخصصاً للأماسي، التي تقام فيها عروضُ استقبالٍ وسينما، مولدٌ كهربائيٌّ يعمل على المازوت.

   من جانبه، أوضح الباحث الدكتور أحمد عبيد بن دغر، في كتابه "اليمن تحت حكم الإمام أحمد"، أن الأخير سمح في "عيد النصر"، وهو مناسبةٌ سنويةٌ يحتفل فيها بتوليه الحكم، بمشاهدة مباراةٍ لكرة القدم، والأهم -للمرة الأولى- في عام 1957، أقيم عرضٌ سينمائيٌّ بعد الاحتفالات. ومع أن "بن دغر" لم يشرح كيف وأين تم هذا العرض، إلا أنه وَصَفه بالحدث النوعي.

قصة من الزمان الثيوقراطي

   في كتابه "رحلة الإمام أحمد إلى روما"، يورد الطبيب الإيطالي الخاص بالإمام أحمد، جوزيبي جاسبيريني، قصةً من ليالي الإمام أحمد في مَصَحِّه الشتوي بمنطقة السُّخْنَة، القريبة من محافظة الحديدة، فيقول: "كانت الليلة التي لا تنسى، هي تلك التي قضيناها في قصر الملك، ومعنا السفير الأمريكي بیل ستولزفوس، الذي قَدِم للالتقاء بالملك، وجاء بفكرةٍ رائعةٍ يريد بها إرضاء الملك".

وتابع بالقول: "تمثلتْ رغبة (السفير) في عرض فيلمٍ سينمائيٍّ أمام الملك، وقد جاء معه بعدد من الأجهزة اللازمة لعمل العرض".

  وأضاف الطبيب أن الملك قبِل بالعرض، وأعطى أوامره باستدعاء الجميع لحضور العرض، بما فيهم "الحريم".

   يقول جاسبريني: "بدأ العرض متأخراً خلال الليل، فلم يكن من السهل إعداد إحدى ردهات القصر، بحيث يكون الملك وباقي الرجال في مكانٍ منفصلٍ عن مكان النساء اللاتي أُجلسن بين حيطانٍ من المناضد المقلوبة وستائرَ من السجاد وکَرَاسٍ مرصوصة".

   وأوضح الطبيب أن السفير بنفسه كان العاملَ على جهاز العرض، فيما كان هو مساعده: "كنا نحن أيضا مختفين عن أعين النساء، جالسين القرفصاء تحت إحدى المناضد. وكان الوضع مؤلماً للسفير بسبب طول قامته. كان العرض طويلاً وجميلاً، وقد سبق لنا مشاهدته في مناسباتٍ مختلفة: سبع عرائسَ لسبعة إخوة".

  وعن مشاعرهم، قال الطبيب إن الجميع شعر بالمتعة في مشاهدة الفيلم، وخاصةً أولئك الذين لم يسبق لهم مشاهدةُ فیلم؛ فكانت تلك أولَ فرصةٍ لهم في مشاهدة فيلمٍ سينمائيّ. لكنه عاد للقول: "كنت أنا وستولزفوس في حالةٍ شديدةٍ من النعاس، ولكن الملك بدأ يصفق بيديه استحساناً للعرض، وطلب إعادته مرةً أخرى. وبدأنا العرض من جديدٍ بالتبادل بيننا، أنا والسفير، في عملية الإشراف. وانتهى الحفل مع بزوغ فجر اليوم التالي".

بعد ثورتيْ سبتمبر وأكتوبر

  بعد ثورتيْ سبتمبر 1962 وأكتوبر 1963، وصل عددُ دُور السينما في اليمن إلى 49 داراً، قبل أن تشهد تراجعاً مع موجة المدّ السلفي التي اجتاحت المنطقة واليمن. أما عن البُعد المكاني، فقد كانت عدن وصنعاء وتعز الأكثر وجوداً لهذه الدور في الساحة الفنية؛ حيث كانت صنعاء تمتلك أربع صالات سينما، منها: سينما "بلقيس" في شارع علي عبد المغني، وسينما "الأهلية" في صنعاء القديمة، وأخرى كانت في ميدان التحرير .بينما كان نصيب تعز 5 قاعات: سينما "بلقيس"، وسينما "سبأ" في شارع التحرير، و"23 يوليو" في باب موسى، وسينما "المسبح"، وأخرى في الجَحْمَلِيّة .

   أما في عدن فكان هناك 13 داراً، منها: سينما راديو في المُعَلّا، وسينما "الشرقية" في الشيخ عثمان، بالإضافة سينما "هريكين" بكريتر، و"الشعبية" لعبده عبد القادر بالشيخ عثمان، وسينمتا البريقة ودار سعد.

علوي السقاف: في اليمن لم تكن توجد سينما، بل صالاتٌ لعرض الأفلام التي يتم إنتاجها خارج البلاد؛ إذ يجب التفريق بين السينما، باعتبارها فناً وصناعةً، وبين صالاتٍ عرض للأفلام يقصدها الناس للتسلية والترفيه

   في الثمانينيات، اكتسبت السينما ودورها شعبيةً أكبر، واستقرت على حالها حتى مطلع التسعينيات. وكانت نوعية الأفلام، التي تعرض في تلك، هي الهندية والعربية والأمريكية. وكان جمهورُ الأفلام الهندية أكثرَ من غيرهم.

سينما بلقيس في تعز بعدسة مصورة هولندية في الثمانينات

السقّاف: الثمانينيات كانت الأكثر تسامحاً

  أما عن مرتادي دور السينما، فكانوا من جميع فئات المجتمع: أغنياءَ وفقراء، صغاراً وكباراً، مثقفين وأميين، رجالاً ونساءً؛ مع ملاحظة أن النساء كان يقتصر حضورُهن في سينما "بلقيس" في تعز وصنعاء، وفي "البلكونة" (الشرفة) فقط، إذ كانت الصالة تُقسم إلى ثلاث درجات: أمام، وسط، ثم "البلكون"، وهي شُرفةٌ عاليةٌ، كما أن سعر تذكرتها أغلى. و"البلكون" لم يكن مقتصرا عليهن فقط، وكنّ قليلاتٍ وحضورُهنّ نادرٌ جداً؛ على أن دخولهن الصالة لم يكن ممنوعاً  .

   يقول الباحث والكاتب اليمني علوي السقاف، لـ"خيوط": "لم تكن هناك سينما في اليمن، بل صالاتٌ لعرض الأفلام التي يتم إنتاجها خارج اليمن. فبهذا الخصوص، يجب التفريق بين السينما، باعتبارها فناً وصناعةً قائمةً على شروطٍ معينةٍ للإنتاج، وبين صالاتٍ لعرض الأفلام يقصدها الناس للتسلية والترفيه وتمضية الوقت. اليمن علاقتها بالسينما هي علاقةُ مستهلِكٍ بمنتجٍ يصنّع في مكانٍ آخر".

   ويضيف السقاف: "كان المجتمع، وأنا أتحدث هنا عن صنعاء، في السبعينيات وحتى مُنتصف الثمانينيات أكثر تسامحاً وانفتاحاً تجاه الجديد، أكثر مما هو الآن؛ وبالتالي نظرتُهم للسينما والممثلين والذهاب للسينما لم تكن مُتزمتة. صحيح، كان هناك فئاتٌ ترى في الذهاب للسينما خطأً، لكن ليس خطيئةً وإثماً كما هو حاصلٌ الآن".

   ويتابع بالقول: "في السبعينيات وإلى منتصف الثمانينيات تقريبا، كانت صورُ الممثلين تُباع كبوست كارد، وكانت معظم سيارات الأجرة والباصات تزيِّن بها أبوابَها من الداخل ."

   وعن ذكرياته مع السينما، يقول السقاف: "عرفتُ صنعاء في سنة 1970 من القرن الماضي، كُنتُ في بداية الدراسة الابتدائية، وكان في صنعاء صالتان لعرض الأفلام، سينما بلقيس في شارع علي عبد المغني، وثانية اسمها السينما الأهلية، كانت الصالتان تتنافسان في استقطاب الجمهور، وكانت الغلبة لصالة بلقيس بسبب مبناها الأفضل وبسبب موقعها في قلب صنعاء وفي أهم الأحياء الجديدة".

   ويواصل حديثه عن ذكريات طفولته قائلاً: "كان هُناك استثناء في أيام الجُمعة، إذ كانت صباحات تلك الجُمع خاصةً للأطفال والنساء فقط، ويمنع فيها دخول الرجال، وكانت أسعار التذاكر مخفّضةً إلى أكثر من النصف. وفي إحدى الجُمع عرضوا لنا فيلماً عربياً في صالة "سينما بلقيس" بصنعاء، وكنا نتوقع كالعادة فيلماً هندياً. كان الفيلم من بطولة المطرب محمد رشدي وناهد شريف، وكان مليئاً بالقُبل والأحضان والأغاني التي كنا، حينها، نراها مملة". مر قُرابة نصف الفيلم، حسبما يتذكر السقاف، ثم بدأَت الفوضى تدُب في الصالة، الأطفال في الوسط والأمام؛ ركلٌ وضربٌ على الكراسي الخشبيةً التي كانت تصدر أصواتاً عاليةً مع هُتافٍ مشترك: "ما منها شي.. إدوا زلطنا حق الكراسي" (أي أعيدوا لنا نقودنا قيمة التذاكر). وكان فحوى تلك الأصوات تهديداً بتحطيم الكراسي.

أعمالٌ سينمائيةٌ ووثائقيةٌ قليلةٌ شهدتْها بدايةُ الأَلفية الحالية، ومنها "ليس للجدران كرامة"، إخراج سارة إسحاق، وترشح الفيلم لجائزة الأوسكار، وأيضاً فيلم "أنا نجود.. بنت العاشرة ومطلقة" إخراج خديجة السلامي

  في نفس الوقت، كانت النساء في البلكون يشاركن في الاحتجاج، بحجب الفتحات التي يخرج منها الشعاع الذي يَعرض الفيلم على الشاشة. في الأخير، رضخ القائمون على العرض بتغيير الفيلم. البديل كان فيلماً هندياً شهيراً اسمه "سنجام". ومعروف أن الأفلام الهندية أطول من غيرها. حينها، طالت فترة العرض أكثر من المعتاد، وبالمثل، تأخر موعد العودة إلى البيوت. عندما خرج جمهور المشاهدين من السينما، تفاجأوا بكثيرٍ من السيارات والرجال ينتظرون بقلقٍ، نساءهم وأبناءهم.

   يتابع السقاف الحديث عن حكاية كانت تروى في صنعاء، وليس معروفاً هل هي بسبب الحادثة السابقة أم غيرها؛ "المهم يقال إن بعض الأصوليون الإسلاميون كان يضغطون، عبر المساجد وغيرها، على الفريق حسن العمري، وكان حينها رئيساً للوزراء وقائداً للجيش، أن يمنع النساء من دخول السينما. وكان رد العمري أنهم لم يستطيعوا ضبط نساءهم ويريدون مني أن أضبط كل نساء البلد!".

المُقْري: لم يكن النشاط الديني مثل اليوم

   من جانبه، قال لـ"خيوط" الكاتب والروائي اليمني علي المقري: "كان هناك بعض دور سينما في الثمانينيات تعرض أفلاماً متميزة، مثل سينما المنتزه في تعز، وكان هناك أسابيعُ احتفاليةٌ، مثل أسبوع الفيلم الروسي والفيلم الأوروبي".

   وأضاف: "في سنة 1982، كانت أول مرة أحضر فيها دور سينما، ويومها كان يعرض فيلماً فرنسياً اسمه بابيون، أي الفراشة، في سينما سبأ بتعز، وكان يحكي عن تجربة السُجناء في فرنسا".

   وعن الجماعات الدينية المُتطرفة فكرياً، يقول المقري: "كان هناك نشاطٌ دينيٌّ متشددٌ آنذاك؛ ولكن ليس بتلك الجدية مثل هذه الأيام".

   وكان أثار -مؤخراً- إعلان مكتب الثقافة في تعز عرض فيلم "10 أيام قبل الزفة" في المدينة جدلاً واسعاً، بعد قيام أطرافٍ دينيةٍ مُتشددةٍ بحملةٍ مضادة، حالت دون عرض الفيلم في قاعة المنتزه.

   وكان رجل الدين، وعضو مجلس النواب، عبد الله أحمد علي، قد اعتبر في أحد أحاديثه العامة أن "للسينما تبعات أخلاقية ودينية لا يجب أن يواكبها المجتمع اليمني".

   ومع أن هذا القطاع يكاد أن يندثر، بفعل الإخفاقات السياسية والتراجع الكبير في الحريات العامة والخاصة، وتغوّل الحرب وعاداتها في المجتمع إلا أن السنين الأخيرة شهدت نشاطاً يكاد لا يرى، تزعّمَه المخرج الشاب عمرو جمال، الذي أنتج فيلم "10 أيام بعد الزفة" في أغسطس 2018، وعُرِض في صالاتٍ بِعَدن، ومهرجاناتٍ خارجية أخرى.

  أعمالٌ سينمائيةٌ ووثائقيةٌ قليلةٌ شهدتْها بدايةُ الأَلفية الحالية، ومنها "ليس للجدران كرامة"، إخراج سارة إسحاق، وترشح الفيلم لجائزة الأوسكار، وأيضاً فيلم "أنا نجود.. بنت العاشرة ومطلقة" إخراج خديجة السلامي.

أما عن كيف تبدو صالات العرض في اليمن الآن، فقد تحول بعضها إلى أطلال كانت شاهدةً على مواكبة اليمن لموجة الحداثة والفن، ومعظمها تحولت إلى صالاتٍ لإقامة الحفلات والأعراس، لتبقى السينما مُجرد حديثٍ عابرٍ وأمنيةٍ لعُشاق هذا الفن في بلدٍ أنهكتْه الحروبُ وقسمتْه سياسة المُتصارعين، فما بين الأمس واليوم ذكرياتٌ يخلدُها الأجداد ورواياتٌ يروونها وأُمنياتٌ شبابيةٌ لإحياء الفنّ السينمائي وإعادته.

___________________

الصورة ل : تمام الشيباني

•••
خولة فؤاد

إقـــرأ المــزيــــد

شكراً لإشتراكك في القائمة البريدية.
نعتذر، حدث خطأ ما! نرجوا المحاولة لاحقاً
English